Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفيلسوف ماريو بونغي يسخر من تطرف الخيال التقني

كتابه "ممارسة العلم في ضوء الفلسفة" يزخر بانتقادات لمعظم الآراء الرائجة

العلم والفلسفة بين توافق وتعارض (جامعة فيفاريس)

ملخص

يركز كتاب "ممارسة العلم في ضوء الفلسفة"، للفيلسوف الكندي من أصل أرجنتيني ماريو بونغي (1919 – 2020)، على العلم ، عبر أمثلة من العلوم الطبيعية والاجتماعية، ويقترح وجهة نظر تقرب البحث العلمي من الفلسفة، ويسخر في الوقت نفسه من الآراء التي تذهب إلى أن الابتكار العلمي ستتولاه الروبوتات في المستقبل المنظور. 

يتصدر كتاب "ممارسة العلم في ضوء الفلسفة"، للكندي من أصل أرجنتيني ماريو بونغي Mario Bunge، "تمهيد"، يتضمن ملاحظة مفادها أن دراسات العلم المعاصر تفحص معظم جوانب العلم، ولكنها تميل إلى التركيز على الإجابات على حساب الأسئلة، وتهمل أيضاً تأثير الفلسفة في دراسة المشكلات، ودراسة المناهج، وتقويم البحث العلمي.

العنوان الأصلي للكتاب هو Doing Science: In the Light of Philosophy وصدرت ترجمته العربية (المركز القومي للترجمة) بتوقيع أستاذ الفلسفة المعاصرة في جامعة القاهرة صلاح إسماعيل. ويسعى بونغي من خلال كتابه هذا إلى التغلب على النقيصتين معاً، وذلك من خلال التركيز على مشروع البحث الذي يعززه أو يعوقه المخطط الفلسفي، كما يسعى إلى إحياء وجهة النظر الكلاسيكية في البحث العلمي بوصفه بحثاً عن الحقائق الأصلية. ويشير بونغي في هذا السياق إلى أن وجهة النظر هذه واجهت "اعتراضاً خطيراً" في الستينيات من القرن الماضي من جانب توماس كون وبول فييرآبند، اللذين قالا إن العلماء لا يبحثون عن الحقيقة؛ لأنّ لا يوجد شيء من هذا القبيل، وكذلك من جانب برونو لاتور وأتباعه من البنيويين النسبيين الذين رأوا أن العلماء يصطنعون الوقائع بدلاً من دراستها على نحو موضوعي، وأيضاً ميشيل فوكو القائل بأن "العلم هو سياسة بوسيلة أخرى".

فاينمان وداروين

وهنا يؤكد بونغي أنه مع إحياء وجهة النظر التقليدية في العلم بوصفه مخزناً للمعطيات الموثوقة، وبدرجة أقل الدفاع عن رأي بوبر "المتطرف"؛ القائل إن العلماء يعشقون تعذيب الذات ويصممون على تكذيب فروضهم المفضلة. ويضيف أنه رغم أن كتابه (صدر في 2017) يزخر بانتقادات لمعظم الآراء الرائجة عن العلم، فإن دافعه الأساسي هو مواصلة المهمة البنائية لتقديم نظرية جديدة في البحث العلمي، كان بدأها في كتابه "البحث العلمي الصادر في مجلدين عام 1967. ويطمح بونغي أن يساهم عمله هذا في المساعدة في إيقاف الاعتقادات والممارسات، "من قبيل حالات الطب البديل والسياسات الاجتماعية الإقطاعية والانتهازية، التي تتعارض مع ما يسمى روح العلم وتتجاهل الدليل العلمي الملائم، وإلى حد ما تثبت هذه السمة وجهة النظر القديمة عن الفلسفة بوصفها مرشداً للحياة، بالإضافة إلى ودهة نظر أرسطو في العلم بوصفه جسماً واحداً لمعرفةٍ يمكن الوصول بها إلى درجة الكمال" ص 46.

ويقر بونغي في مقدمة كتابه بأن فلسفة العلم لا تتمتع باحترام كبير من معظم العلماء، وضرب مثلاً في هذا الصدد بسخرية ريتشارد فاينمان المتضمنة في قوله: "إن فلسفة الفيزياء مفيدة للفيزيائيين مثل فائدة علم الطيور للطيور". ويقول بونغي تعليقاً على ذلك: "لو كان فاينمان قد منح الفلسفة شيئاً من العناية، ما كان خلط بين القوانين (نماذج موضوعية) بالقواعد (إرشادات لفعل الأشياء)، وما كان افترض أن البوزيترونات هي إلكترونات تتحرك إلى الماضي، ولكان عدَّ رسومه البيانية المشهورة أدوات مساعدة للذاكرة، بدلاً من عدها أوصافاً لمسارات واقعية" ص 53. وأضاف أنه على عكس فاينمان، عرف تشارلز داروين أنه قد بدأ علماً جديداً، يجب حمايته من هجمات الكنيسة المحافظة، وهذا هو السبب في أنه ارتدى القناع الفلسفي السائد في العلن، بينما أفضى باعتقاداته الهرطقية فقط لقلة من أصدقائه المقربين، "وهذه البدع الفلسفية ساعدته على ابتكار بدعه العلمية، وتحقيق هدفه في الكشف عن شجرة الحياة".

الخيال التقني

وينتقد بونغي كذلك عالم الرياضيات جون فون نيومان، الذي أعلن أننا نعيش في الفترة السابقة على "التفرد الأساسي" essential singularity أو الوقت الذي بعده سوف تصمم كائنات آلية كل المبتكرات. ولاحظ بونغي أن مكانة نيومان كانت رفيعة إلى درجة أنه ألهم في عام 2008 تأسيس "جامعة التفرد"، التي أيَّدتها وكالة ناسا وبعض الشركات الكبرى؛ "ومن الواضح أنه لم يتذكر أحدٌ من المشاركين في هذه المغامرة للخيال التقني أن الروبوتات لا قيمة لها ولا تعمل إلا إذا فعَّلتها برامج صممها بشر من لحم ودم، ولم يتساءل هؤلاء عن القضايا الأخلاقية التي تثيرها مدينتهم الفاسدة" ص 246.     

وتتصدر الترجمة دراسة للمترجم عنوانها "هل الفلسفة العلمية ممكنة؟"، يليها تمهيد ثم مقدمة، ثم 11 فصلاً وملحقان؛ الأول يتألف من دراسة عنوانها "تحرير الإرادة الحرة من وجهة نظر عصبية علمية"، شارك فيها فاكوندو مانز وبعض زملائه في علم الأعصاب، وهي تعزز اقتراح مؤسس علم النفس العصبي النظري دونالد هب (1980) أن الإرادة الحرة هي موضوع مشروع لعلم النفس التجريبي الحديث. والثاني دراسة لعالِم الحيوان مارتن ماهنر عنوانها "في حاجة إلى ميتافيزيقا أفضل"، والتي يتفق فيها مع الرأي القائل بالتناول العلمي لكل ما هو عقلي.

بين العلم والفلسفة

ويلاحظ إسماعيل أنه لم يكن العلم بعيداً عن الفلسفة في الفكر القديم، بل كان الاثنان شيئاً واحداً، ثم فصل باركلي وهيوم وكانط الفلسفة عن العلم، وفي العام 1850 ارتبط العلم والفلسفة مجدداً عندما نشر خمسة باحثين بقيادة هيرمان هلمولتز "بيان البرنامج الميكانيكي"، الذي يرتكز على الدعوى المنهجية القائلة إن الطبيعة يمكن تفسيرها على وجه الحصر عن طريق الفيزياء والكيمياء. وقدم هؤلاء صورة من المادية رفضت مذهب الظواهر عند كانط والجدل عند هيغل. ثم جاء تشارلز ساندرس بيرس، مؤسس البراغماتية، وكتب عن المنهج العلمي والميتافيزيقا العلمية. وقدمت جماعة فيينا التصور العلمي للعالم، واقترح كواين "تطبيع الإبستمولوجيا"؛ أي تأكيد أن الفلسفة جزء من العلم الطبيعي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويسير ماريو بونغي في هذا الاتجاه ويدافع عن الموقف العلمي ضد نقاد العلم من فلاسفة ما بعد الحداثة والنسوية وغيرهم. قدم ماريو بونغي مشروعاً للفلسفة العلمية امتدت الكتابة فيه منذ عام 1974 حتى عام 1989 وهو "رسالة في الفلسفة الأساسية" (8 مجلدات). واحتفظ هذا البرنامج بالعقلانية والاهتمام بالتعزيز، ولكنه، كما يقول صلاح إسماعيل، وضع الواقعية المادية محل مذهب الظواهر المتمركز حول الذات. وما برح بونغي يذود عن النزعة العلمية والموقف العلمي إلى آخر كتاب أصدره "من وجهة نظر علمية" 2018، ومجموعة من البحوث نشرها في عام 2019.

فهم المعرفة

 وتفضل وجهة النظر العلمية تقريب العلم والتكنولوجيا من الفلسفة، وتضع المشكلات وحلولها في سياقها الأوسع؛ سياق الافتراضات العامة والعميقة جداً حول العالم ومعرفتنا به، وتحاول جعل الفلسفة أكثر دقة. يناقش الكتاب مشروعات البحث العلمي؛ بداية من تقييم مشروع البحث، ومروراً بعمل العلماء على هذا المشروع، وتكوين الفرق البحثية، وبيان الصلة بين الفلسفة والعلم من خلال إظهار الافتراضات الفلسفية المسبقة للبحث العلمي مثل المادية والواقعية والعقلانية والنسقية، ونحو ذلك من افتراضات ربما تختلف من عالِم إلى آخر ومن فيلسوف إلى آخر. وعلى نهج بونغي، يرى غوستافو روميرو في كتابه "الفلسفة العلمية" أن العلم يحتاج إلى فلسفة. ووفقا لهذا التصور فإنه من دون علم الدلالة لا يمكن تفسير الأنساق والنظريات الصورية، ومن دون الأنطولوجيا فإن المفاهيم الأساسية مثل القانون والسبب والمصادفة والمكان والزمان، تظل غامضة. ومن دون نظرية المعرفة لا توجد منهجية جيدة للتحكم الكافي في الملاحظة والتجربة، ولا يوجد فهم للمعرفة ولا للإختلاف بين العلم والدجل.

ماريو بونغي فيلسوف أرجنتيني، هاجر من موطنه عام 1963 واستقر في كندا عام 1966، حيث عمل أستاذاً للمنطق والميتافيزيقا في جامعة ماكغل في كندا. درس الفيزياء وميكانيكا الكم مع جويدوبك الذي كان مهاجراً أسترالياً وتلميذا لهيزنبرغ، وحصل على الدكتوراه في الفيزياء عام 1952. تدور كتاباته في مجالات الفيزياء والفلسفة وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وأُسس الأحياء. من أهم وأضخم أعماله رسالة في الفلسفة الأساسية (8 مجلدات)، ومنها أيضاً "السببية: مكانة المبدأ السببي في العلم الحديث 1959، و"الحدس والعلم" 1962، و"اكتشاف الفلسفة في العلم الاجتماعي 1996، و"أسس الفلسفة الأحيائية" (مع مارتن ماهنر) 1997.

وترجم صلاح إسماعيل كتاب بونغي "المادة والعقل: بحث فلسفي" عام 2019 (المركز القومي للترجمة). ولصلاح إسماعيل، إسهامات رائدة في الإبستمولوجيا والمنطق وفلسفة العلم، ومن أعماله "التحليل اللغوي عند مدرسة أكسفورد" (دار التنوير – بيروت 1993)، و"فلسفة اللغة والمنطق: دراسة في فلسفة كواين" (دار المعارف – القاهرة 1995)، و"فلسفة العقل: دراسة في فلسفة جون سيرل" (دار قباء 2007)، و"البراغماتية الجديدة: فلسفة ريتشارد رورتي" (المجلس الأعلى للثقافة- القاهرة 2013).      

اقرأ المزيد

المزيد من كتب