Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

باريس بلا مركز بومبيدو الثقافي لخمس سنوات

لحظة ثقافية فارقة تطرح اسئلة حول مستقبل الفن عموماً وعالم المتاحف

مركز بومبيدو صرح الحداثة  الفرنسية في باريس (أ ف ب)  

ملخص

في قلب باريس القديمة، حيث تتعانق الحداثة مع التاريخ، يطوي "مركز جورج بومبيدو" فصلاً مهماً من مسيرته مع الإعلان عن إغلاقه الموقت لأعمال ترميم شاملة تستمر خمسة أعوام. إلا يعد هذا الحدث مجرد توقف تقني لمؤسسة فنية عريقة، بل لحظة ثقافية فارقة تثير تساؤلات حول مستقبل الفن عموماً ودور المتاحف في عالم سريع التبدل.

 شكل مركز بومبيدو منذ افتتاحه عام 1977 نموذجاً رائداً في انفتاحه على الفنون المعاصرة والتجريبية، محتضناً الحوارات بين الفن والمعمار والتكنولوجيا، واليوم إذ يغلق أبوابه موقتاً يبقى السؤال كيف يمكن الحفاظ على روح المكان من دون أن تنكسر ذاكرته؟ وكيف يمكن للفن أن يجد منفذاً جديداً في ظل الغياب؟

في خطوة استثنائية يدخل "مركز جورج بومبيدو"، المعروف باسم بوبور، والذي يستقبل قرابة 30 الف زائر يومياً ويعد من أبرز صروح الفن الحديث والمعاصر في العالم، إغلاقاً كاملاً ابتداء من الـ 22  من سبتمبر (أيلول) المقبل استعداداً لبدء أعمال ترميم ضخمة تشمل إزالة الـ "أسبستوس" التي اكتشف أنها مادة معدنية مسرطنة، ومعالجة تآكل الهيكل وتعزيز البنية التحتية، وجعل المبنى أكثر توافقاً مع معايير الوصول لذوي الإعاقة.

وبينما يستعد لإغلاق موقت للترميم حتى عام 2030، تبقى روحه المتوهجة وقدرته على الابتكار والاحتضان شاهدة على قدرة الثقافة على الانتشار كي تكون في متناول الجميع، فقد أدرج المركز نشاطات عدة خارج المقر ضمن سياق برنامج "Constellation"، لإقامة تعاون مع مؤسسات متحفية داخل فرنسا و خارجها، من خلال معارض تقام في مولاجا وشنغهاي والبرازيل لعام 2027، فضلاً عن مهرجانات أدبية وشعرية ومشاريع موسيقية وسينما تجريبية وفنون أدائية، مما يؤكد بقاء "مركز بومبيدو" مؤثراً عالمياً كمؤسسة فاعلة تربوياً واجتماعياً.

ومن منجزاته الأخيرة المعرض الضخم الذي ينظمه المركز حالياً في الغراندباليه ويستمر حتى الـ 10 من يناير (كانون الثاني) 2026، ويتناول الصداقة التي جمعت بين الثنائي نيكي دو سان فال وزوجها جان تانغلي، وبونتوس هولتن، أول مدير للمتحف الوطني للفن الحديث في مركز بومبيدو، والذي قدم لهما طوال مسيرتهما دعماً غير مشروط، سواء من خلال اقتناء أعمالهما، أو معارض استعادية مخصصة لهما، أو دعمه لمشاريع خارجة عن المألوف مثل "نانا" العملاقة في معرض هون- كاتدرائية (1966) في متحف موديرنا بستوكهولم، أو معرض التمساح الكبير لزيغ وبوس (1977) في المنتدى الفني التابع للمركز.

وفي هذا السياق يشكل المعرض دعوة إلى التعرف على أعمال هذين الفنانين اللذين احتضنهما رجل متحف استثنائي في مسار تاريخي يمزج بين الحب والصداقة والالتزام.

القلب النابض 

على تخوم حي اللوماريه الشعبي العريق شرقاً، ذلك الحي القديم المعروف بأزقته الضيقة ومبانيه التاريخية والذي ينسدل بين شرايين الدائرتين الثالثة والرابعة على الضفة اليمنى من نهر السين، وعلى مقربة من حي ليهال غرباً، المنطقة التجارية الحديثة المخصصة للمشاة والتي تضم مركز تسوق ومحطة القطارات المركزية تحت الأرض، ينتصب "مركز جورج بومبيدو" كصرح معماري فريد أشبه بسفينة زجاجية من المستقبل هبطت فجأة في قلب المدينة القديمة، فأحدثت منذ اللحظة الأولى صدمة بصرية وثقافية، واتهم حينها بأنه اقتحم النسيج التاريخي لباريس الذي لا يزال ينبض بروح القرن الـ 19، ففي عام 1969 قرر الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو (1911- 1974) إقامة مركز ثقافي كبير يعبر عن انفتاح فرنسا على الفن المعاصر ويقرب الثقافة من الجمهور، وأطلقت في حينها مسابقة دولية شاركت فيها 45 دولة وقدمت 650 مشروعاً فاز بها الثنائي المعماري البريطاني ريتشارد روجرز والإيطالي رينزو بيانو، في أول تعاون مشترك بينهما، وبدأ العمل في أبريل (نيسان) 1972 واستمر خمسة أعوام حتى اُفتتح المركز رسيماً في الـ 31 من يناير عام 1977، وقد حمل اسم الرئيس بومبيدو بعد وفاته تكريماً له.

اختير الموقع وسط الدائرة الرابعة ضمن "ساحة  بوبور" التاريخية العائدة لعهد فيليب أوغوست، أحد ابرز ملوك فرنسا في العصور الوسطى، وكانت آنذاك منطقة صناعية شبه مهملة وقريبة من الحي اليهودي والأسواق الشعبية ومساكن البوهيميين والمهاجرين، وسرعان ما تحول المركز الى قلب نابض بالفن والحياة يطل من طبقاته العليا على مشهد ساحر لباريس، حيث يمكن تأمل الأبراج القوطية ل‍نوتردام وأسقف السانتييه، وصولاً إلى برج إيفل البعيد ضمن رؤية بانورامية تخطف الأنفاس.

ومنذ افتتاحه استقبل "مركز بومبيدو" أكثر من 150 مليون زائر ليغدو مع الوقت أكثر من مجرد متحف، بل فضاء حياً للثقافة والمعرفة يؤمّه السياح والقاصدون من أنحاء العالم والباحثون عن المتعة والشغف الفني، حيث تعج باحته الخارجية يومياً بآلاف الزوار في احتفال شعبي شبيه بمسرح مفتوح للرسامين والموسيقيين والبهلوانيين، في طقس جماهيري تختلط فيه الحياة بالإبداع واللعب بالدهشة.

معمار خارج عن القواعد

لطالما وصف "مركز بومبيدو" بأنه قطعة فنية، فقد شكل تثويراً لمفهوم العمارة المدنية التقليدية وقلب المفاهيم السائدة رأساً على عقب، ووضع ما كان يوجد عادة في الداخل خارج هيكل المبنى ذاته، فلم تكن الواجهات مغطاة بالحجر بل اكتست بالألوان والأنابيب والسلالم والمصاعد المكشوفة، وقد جرى إظهار جميع الُنى التحتية، من التهوية إلى الكهرباء بألوان دلالية، فالأزرق للهواء والأحمر للحركة والأصفر للكهرباء والأخضر للماء، وطُبق التمييز نفسه باستخدام الألوان على تقسيم نشاطات المركز فاختير الأصفر للأماكن المشتركة والأخضر للمكتبة العامة والأحمر للمتحف الوطني للفن الحديث، ولعل من أبرز ميزات هذا الصرح مرونة مساحاته الداخلية الناتجة من دفع عناصر الإنشاء ونظام الحركة، مثل السلالم الكهربائية، إلى الخارج، مما أتاح تحويل الداخل إلى مساحة مفتوحة للأنشطة الثقافية، أما واجهته الزجاجية الشفافة فتسمح لزوار الساحة الأمامية برؤية ما يجري في الداخل، إذ يقوم تصميمه على الخطوط لا الكتل، وقد أثار المركز، بسبب تمرده وخروجه عن قواعد البناء التقليدية، موجة من الانتقادات، إلا أنه ظل من أبرز المعالم المعمارية في العالم ومثالاً حياً على عمارة  الـ "هاي تيك" في مرحلة ما بعد الحداثة التي راجت منذ أواخر الستينيات، وعبّرت عن التنوع والتعقيد من خلال التهكم والسخرية والدعابة والتبسيط، فضلاً عن ارتباطها الإيجابي بالتاريخ والثقافة اليومية.

وعلى رغم نظرة بعض المعماريين إليه باعتباره مبنى غير صرحي وفوضوياً وغير مكتمل وقابلاً للتغيير، فإنه بحسب تعبير المهندس رينزو بيانو "ليس معلماً بل احتفال ولعبة جماهيرية ضخمة"، وعلى رغم فرادة تصميمه فإنه يظل متجذراً في تقاليد العمارة الفرنسية، إذ إنه مبني من هيكل معدني ضخم يذكر ببرج إيفل ويبلغ وزنه نحو 10 آلاف طن في مقابل 7 آلاف طن لبرج إيفل.

صرح متعدد الوظائف

يعد متحف الفن الحديث والمعاصر في "مركز بومبيدو" أحد أبرز المؤسسات الثقافية في العالم، ليس فقط لمكانته الرائدة ضمن المشهد الفني الفرنسي بل أيضاً لما يضمه من كنوز إبداعية تشكل مرآة نابضة لتاريخ الفن في القرن الـ 20 وما بعده، ويحتضن واحدة من أكبر مجموعات الفن الحديث والمعاصر في أوروبا، والثانية عالمياً بعد "متحف موما" في نيويورك، ويضم أكثر من 120 ألف عمل فني تعود لأكثر من 6 آلاف فنان من أنحاء العالم، وتنقسم مقتنيات المتحف إلى قسمين، الفن الحديث بين عامي 1905 و 1960، ويشمل أعمالاً لفنانين غيروا وجه الفن في القرن الـ 20 مثل ماتيس بيكاسو وكلي وكاندنسكي ودوشان، والفن المعاصر من عام 1960 حتى اليوم، ويضم أسماء مثل آندي وارهول وجوزف بويزودانيال بورين وديفيد هوكني وجيف كونز وأنيش كابور، ويغطي اتجاهات معاصرة مثل المفاهيمية والفن الرقمي وفن الأداء، ويمتد المتحف على الطابقين الرابع والخامس ويضم صالات عرض دائمة ومعارض موقتة ذات طابع دولي، ويشمل أيضاً مكتبة عامة و"معهد "IRCAM للموسيقى المعاصرة وقاعات سينما وعروض، وشرفة زجاجية تمنح الزائر إطلالة خلابة على باريس، أما في الساحة الخارجية فتعرض "ورشة برانكوسي" أعمال هذا الفنان الرائد الذي ترك بصمة في تاريخ النحت الحديث، وتتزين نافورة سترافنسكي القريبة من المركز بمنحوتات لنيكي دو سان فال وجان تانغلي، مما يجعل من زيارة المكان تجربة فنية متكاملة.

أشهر الأنشطة الفنية والأدبية

منذ افتتاحه عام 1977 شكل "مركز جورج بومبيدو" فضاء حيوياً للحوارات الفنية والأدبية، إذ استضاف كتاباً وشعراء من أنحاء العالم، ونظم أمسيات شعرية ومهرجانات أدبية مثل "ربيع الشعراء" و"ليلة الأدب"، ومن أبرز اللقاءات جلسة مع الكاتب الأميركي بول أوستر (2007) حول أحداث الـ 11 من سبتمبر 2001 وقراءة شعرية لأدونيس (1983) من مجموعته "أغاني مهيار الدمشقي"، وندوة "لبنان أرض الصراع" (2006) بمشاركة الشاعرين صلاح ستيتيه وفينوس خوري غاتا، والتي أقيمت في إطار فعاليات مهرجان "الكتابات في المنفى".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومنذ افتتاحه عام 1977 شكل "مركز جورج بومبيدو" منبراً لمعارض فنية غير مسبوقة استعرضت أعمال كبار الحداثيين مثل دوشان ودالي وبيكاسو وبول كلي وسيزان وماتيس وسواهم، إضافة إلى المعاصرين، كما وسع آفاقه ليشمل تجارب من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، كما فتح منذ الثمانينيات مساحة الحوار الثقافي مع مختلف عواصم العالم لمد جسور الحوار بين باريس ومختلف عواصم الفن، فضلاً عن معارض جماعية ومفاهيمية من أبرزها "سحرة الأرض" (1989) الذي كسر مركزية الفن الغربي، و"اللاماديات"(1985) بإشراف الفيلسوف جان فرانسوا ليوتار، مستكشفاً التحولات المعرفية والتكنولوجية لما بعد الحداثة، و"الفراغات" (2009) الذي عالج مفهوم العدم كفن، من وحي مفهوم الفراغ الذي قدمه الفنان إيف كلين في معرضه الشهير عام 1985، ومعرض "السريالية والبعد السياسي" (2024) الذي أضاء على البعد الاحتجاجي للحركة السريالية، إضافة إلى بعدها الجمالي بمشاركة أعمال ماسون وبروتون وآرتو.

وشهد المركز ايضاً حضوراً عربياً لافتاً بدءاً بمعرض "نوافذ على ما غاب عني" للفنانة اللبنانية ناديا صيقلي (1978) الذي قدمه الفنان الفرنسي هنري غوتز وتضمن مجموعة كبيرة من الأعمال الطباعية (سيريغرافي) تمثل شهادات بصرية عن دمار أسواق بيروت بعد "حرب السنتين"، ثم معرض رائدة النحت التجريدي في لبنان سلوى روضة شقير (2021)، وفي العام نفسه معرض استعادي للفنان فريد بلكاهية أحد رواد الحداثة في المغرب العربي.

وزيارة "مركز بومبيدو" ليست مجرد عبور لمتحف بل غوصاً في طبقات باريس الثقافية، حيث تتحول المدينة إلى مشهد حي من الفن والفكر، تماماً كما تخيلها أندريه مالرو "متحفاً بلا جدران".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة