ملخص
لم تكن الخلافات بين شيوخ عقل السويداء آنية، أو مرتبطة بمرحلة سقوط الأسد وتولي سلطات جديدة، لكنها حقيقة بدأت قبل ذلك بسنوات كثيرة، وكانت في بدايتها تساق تحت عناوين فرعية كي لا تظهر للعامة وتثير الخلاف، كمثل توزيع المهمات ونوع الفتاوى والاختلاف الطبيعي في الآراء، لكن دخول سوريا في حربها أخرج الخلاف من سياقه الدبلوماسي التوافقي إلى حيزه المباشر والجاف.
تتمتع محافظة السويداء بصورة منفردة بوضعية خاصة كحاضنة درزية سورية بوجود ثلاثة مشايخ عقل للطائفة بخلاف الأعراف المتبعة، وهم الشيخ حكمت الهجري، والشيخ يوسف جربوع، والشيخ حمود الحناوي، إلا أن شيوخ الطائفة الثلاثة لا يتمتعون في ما بينهم بأفضل العلاقات لجملة أسباب مرحلية وتاريخية قريبة لعبت فيها أسباب عدة أدواراً بارزة قادت إلى شرخ نسبي لم يكن معلناً على الملأ حتى زمن قريب، لكن تواتر الأيام السورية بما حملته من مواقف سياسية وعسكرية واجتماعية وإدارية جعلت تلك الخلافات أكثر وضوحاً وتمايزاً.
من الخفاء إلى العلن
تلك الخلافات جاءت في محصلتها محمولة على صراعات خفية تتعلق في بادئها بالنظر العقائدي إلى شؤون إدارة الطائفة والتمثيل الشعبي وتقويم الرأي السياسي الجامع وتصدر المشهد القيادي والتوازن العائلي الفاعل، ويضاف إلى ذلك طبيعة الدور والعلاقة مع النظام السابق منذ عهد حافظ الأسد وصولاً إلى بشار الأسد، وضمناً مجريات سنوات الحرب السورية، والعلاقة مع الأجهزة المؤسساتية والأمنية والعسكرية السابقة.
خلاف الرئاسة الروحية الدرزية وتفككها بين ثلاثة شيوخ لم ينطلق من كونه في مهده الأول سياسياً بقدر ما كان بحثاً عن شرعية دينية يلتف حولها القدر الأكبر من أبناء طائفة الموحدين، و كان الأقدم من بين هؤلاء الشيوخ، الشيخ حمود الحناوي، وهو يتربع في منصبه منذ نحو 30 سنة، وكان مدعوماً من حافظ الأسد في مرحلة حرجة احتاج فيها الأخير إلى التفاف المكونات حوله. أما الشيخ يوسف جربوع فقد ورث المشيخة عن والده، وتمرس في شؤون الدين والإفتاء والمصالحات المحلية. الشيخ الثالث هو حكمت الهجري الذي تسلم الزعامة عن أخيه أحمد الذي كان يشغل المنصب ذاته، قبل أن يقضي بحادثة سير عام 2012. والهجري كان الشيخ الأكثر عناداً كما يوصف في الأوساط المحيطة، إذ اعتمد مبدأ مواجهة سلطة الأسد والتعامل معها بندية منذ بدايات الثورة السورية وتسلمه المشيخة في 2012، وهو ما منحه حضوراً شرعياً تجاوز الدور الديني في بعض المفاصل مع مرور السنوات.
بعد الثورة
وبعد الثورة التي انطلقت عام 2011، اتخذ الشيخ الهجري فعلياً موقفه الواضح غالباً والمهادن نادراً، مع تمسكه بعدم إعلان الخضوع المباشر للسلطات النظام السابق، وذلك ما ميزه عن بقية المشايخ حتى بات صوتاً شعبياً جماهيرياً مقبولاً، لا سيما بعد انتقاداته المتكررة لأسلوب الحكم ودور أجهزة الأمن والتجنيد الإجباري للدروز، وفي عام 2020 اتخذ موقفاً أكثر صلابة وتحدياً إثر تلقيه إهانة من رئيس فرع الأمن العسكري في الجنوب حين سؤاله عن أحد الموقوفين، ثم في انتفاضة السويداء عام 2023 حين تبلور دوره كقائد شعبي ومرجع موثوق. وكان الشيخ الوحيد الذي يرفع المتظاهرون صوره في ساحات السويداء، مما دفع دمشق إلى التعامل معه كـ"خائن".
أما الشيخ حمود الحناوي فلعب دوراً مغايراً لدور الهجري، إذ تعمد الحفاظ على علاقة متينة بالنظام ومختلف أجهزته، وبرر ذلك بضرورة إيجاد خط تواصل مفتوح مع السلطة، ليمثل من مكانه موقع الرئاسة الروحية المقربة من السلطة، وهو ما أدى إلى ابتعاده من الشارع الدرزي إلى حد ما.
وبالنسبة إلى ضلع المثلث الثالث في الرئاسة الروحية الدرزية في سوريا الشيخ يوسف جربوع فقد اعتمد سلوك طريق وسطي لا يهادن النظام ولا يعاديه، في محاولة للظفر بمكانة وسطية بين الطرفين، وهو ما يراه مهتمون بواقع التيارات الدينية في الجنوب أمراً مدروساً بالاتفاق مع الشيخ الحناوي، إذ كانا يصدران بياناتهما شراكة فتحمل توقيعهما معاً، وذلك في ما يخص معظم الأحداث ومنها المواقف من حكم بشار والدولة السابقة وبيانات الهجري وانتفاضة السويداء وملف التجنيد، لذا يدرك أهل السويداء أن جربوع والحناوي بطريقة أو بأخرى يصطفان معاً في وجه الشعبية المتنامية للهجري، وفي هذا المحور تحديداً تبدو جلية أسباب اختلاف الشيوخ في ما بينهم.
القاعدة الشعبية
ينتمي الهجري إلى بلدة قنوات شمال السويداء، وهناك مقر دارة الطائفة، حيث يمارس نفوذه ويحظى بدعم كبير أساساً، ظل يزداد مع سنوات الثورة ليشمل أجزاء واسعة جداً من الأرياف والشيوخ التقليديين والفصائل المسلحة والأجيال الشابة، فيما ينحدر الحناوي من بلدة سهوة البلاطة جنوب السويداء، وهناك يحظى بقاعدة ملائمة له، فيما يتحدر الجربوع من مدينة السويداء نفسها، ويمتلك ضمنها علاقات جيدة مع الشخصيات التقليدية، ويمارس الأخيران نفوذهما الديني من مقام "عين الزمان" في المدينة كمرجعية دينية.
تذكر المصادر أن السلطات السورية السابقة كانت تحالف الحناوي بصورة وثيقة وتعتبره إلى حد بعيد الممثل الوحيد للدروز، لذلك تقدم له الدعم المطلوب، ومن خلاله تمد أذرعها نحو جربوع، فيما لم تكن تدخر جهداً في تهميش وتخوين الهجري ومحاولة تأليب قاعدته الشعبية عليه بالترغيب أو التهديد، مما جعله عرضة فعلياً للاستهداف السياسي والديني والنفسي والمعنوي.
إلا أن وجود ثلاث مرجعيات دينية لم يكن ذا تأثير حسن، إذ نجمت عنه خلافات بينية واسعة في طبيعة التعامل مع المجريات السياسية والميدانية والاجتماعية وتفتيت الشرعية بين أقطاب عدة.
مواقف مفصلية
الخلافات بين شيوخ عقل السويداء لم تكن آنية، أو مرتبطة بمرحلة سقوط الأسد وتولي سلطات جديدة، لكنها حقيقة بدأت قبل ذلك بسنوات كثيرة، وكانت في بدايتها تساق تحت عناوين فرعية كي لا تظهر للعامة وتثير الخلاف، كمثل توزيع المهمات ونوع الفتاوى والاختلاف الطبيعي في الآراء، لكن دخول سوريا في حربها أخرج الخلاف من سياقه الدبلوماسي التوافقي إلى حيزه المباشر والجاف. ويمكن أخذ بعض الأحداث على سبيل المثال لتبيان طبيعة تنامي الخلاف، ففي عام 2015 اقتحمت قوات أمنية مدينة شهبا في ريف السويداء وفرضت اعتقالات وحملات تجنيد إجبارية، فاصطدمت مواقف شيوخ العقل بتباين عميق، فالشيخ الهجري وقف إلى جانب الأهالي وتحدى السلطات لمنع سوق أبناء المدينة قسراً إلى الجندية، أما الشيخ الحناوي فدعا إلى الهدوء وتغليب المصلحة الوطنية وفتح خطاً لاستقبال ضباط الاستخبارات، بدوره اتخذ الشيخ جربوع موقفاً أقرب للحياد.
ويمكن الحديث أيضاً عن الهجوم الدموي لـ"داعش" على ريف السويداء الشرقي في يوليو (تموز) 2018، إذ ارتكبوا مجزرة راح ضحيتها نحو 300 درزي، تلك كانت لحظة يعول عليها لاتحاد شيوخ العقل، لكنها لم تكن كذلك، فاتهم الهجري أجهزة الجيش بتسهيل دخول "داعش" وساق نحوها كثيراً من الاتهامات عبر تصريحات صدرت عنه في حينها. أما جربوع فزار أركاناً من نظام بشار في دمشق ودعا إلى الوقوف خلف القيادة، في حين اتهم الحناوي "العناصر التكفيرية" بالوقوف وراء ما حصل، مشدداً على أهمية التمسك بمؤسسات الدولة.
ومن أبرز مفارق طرق السويداء التي بينت الخلافات بين شيوخ العقل بصورة جلية لا تحتمل التأويل هي انتفاضة 2023 التي جاءت رداً على قرار حكومة النظام السابق رفع أسعار الخبز والمحروقات، تلك الانتفاضة التي بدأت في شهر أغسطس (آب) من ذلك العام واستمرت حتى سقوط النظام المخلوع أواخر العام الماضي في تظاهرات يومية رفع فيها للمرة الأولى مطلب إسقاط النظام. مجدداً برز الهجري في تلك الانتفاضة كقائد شعبي ملهم ومتحدث باسم الشارع الثائر، رافضاً أي حوار أو تقرب أو لقاء مع الأمنيين، وكانت تلك الشعرة التي قصمت ظهر البعير في علاقة الطرفين، وهنا بدأ الشرخ الأكبر والأمتن في دور شيوخ العقل، مع تمسك الحناوي برؤيته المتعلقة بعدم جواز الخروج على الدولة، وهو ما استنكره المتظاهرون معتبرين إياه انحيازاً ضدهم وضد قضيتهم من مرجعية دينية كبرى. ولم يكن موقف جربوع بأفضل، فانهالت عليه الاتهامات بالتخاذل ومحاولة وضع قدم لدى كل طرف نتيجة تعاطيه السلبي مع الانتفاضة.
تمايز أدوار شيوخ العقل
الأحداث التي عصفت بالمرجعية الدينية وأدت إلى تشظيها سرعان ما انعكست على المجتمع المحلي عبر جهات دينية متنافسة يسعى كل منها إلى استقطاب الشارع والسلطة، فبات اليوم يرى الشارع في السويداء، بحسب كثيرين منه، أن الهجري تخطى دوره الإرشادي – الديني ليصبح قائداً شعبياً نضالياً يعبر عن ثورة الشارع وإن كان ضمن حالة شعبوية تخاطب في بعض مناحيها الغرائز قبل العقول، وكان هذا ما جناه من تتالي مواقفه وخطاباته وبياناته واجتماعاته وتحويل دارة الطائفة لديه لمقر ثوري بإجماع مناصريه، وذلك أدى إلى أن يهتف باسمه في الشوارع والساحات والتظاهرات متجاوزاً في ظرف أحداث قليلة مكانة وأهمية الشيخين الآخرين. وقد لا يكون بذل في سبيل ذلك جهداً عظيماً، لكن مواقف أقرانه سهلت مهمته، فالحناوي ظل مقرباً من السلطة حتى سقوطها، ومثله جربوع الذي لم ينجح في لعب دور الوسيط الحاسم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
سقوط النظام
بعد سقوط نظام الأسد أواخر العام الماضي انعكس الأمر سريعاً على جبل العرب والدروز جنوباً، وكان المشهد ضبابياً للغاية، للوهلة الأولى لم يعد هناك تهديد مباشر ولا حاجة إلى إجراء توازنات دقيقة ولا داعي لاستمرار الاحتجاجات اليومية، وفي الوقت ذاته لم تكن لتشكل فرصة جديدة لاتحاد الشيوخ في ظل المجهول بعد أن جنى كل منهم رصيده الشعبي الذي أراد في سنوات خلت، فكانت المؤشرات توحي بالتوجه نحو تكريس ما مضى والاستفادة من شرعية ثورية قابلة للديمومة.
مع مضي الأيام سريعاً وتكشف أوراق اللعبة السياسية بات الهجري بمثابة وسيلة انتقالية تحفظ حق طائفته شعبياً انطلاقاً من رمزيته بين أتباعه، مع تأكيده وفق ما يرشح من كلام زواره أنه لا يسعى إلى تكريس نفسه كزعيم أوحد للجبل بالمعنى السياسي، إنما سيظل متمسكاً بدوره الديني كمرجعية توافقية، مع أفول دوري الشيخين الحناوي وجربوع نسبياً.
ومع مرور الوقت أصدر الحناوي بياناً يدعو فيه إلى الوحدة ونبذ الفوضى، فقوبل بيانه باستنكار ناجم عن أحداث فوضى كانت تعم في مناطق أخرى، مما استدعى محتجين إلى وصفه بالتواطؤ، أما الشيخ جربوع فلم ييأس من إعادة محاولة تقديم نفسه كرمز للاعتدال والتوازن والوسطية، مجرياً مجموعة من اللقاءات الواسعة مع فعاليات المحافظة، ومقترحاً إعادة دمج المشيخة الثلاثية، لكن مقترحه لم يلق القبول المطلوب خصوصاً من جماعة الهجري الذين تمددوا أكثر عقب سقوط النظام.
وبعد سقوط النظام وعلى مراحل متعددة خلال الأشهر الماضية تولى الشيخ الهجري مسؤولية مهاجمة الحكم الجديد في أكثر من خطاب وبيان، كان أبرزها في منتصف مارس (آذار) الماضي، إذ قال إن حكومة دمشق متطرفة وهي مطلوبة للعدالة الدولية، وبأنه لا وفاق ولا توافق معها. كما منع في يناير (كانون الثاني) الماضي رتلاً عسكرياً تابعاً لإدارة العمليات العسكرية من دخول المحافظة الواقعة جنوب البلاد، وأكد عدم السماح بوجود أي مظهر عسكري من خارج السويداء، وبرر قراره بأن قدوم الفصائل من دمشق جرى من دون تنسيق مسبق مع غرفة العمليات المشتركة في المحافظة، عدا عن تصريحات الأيام الأخيرة إبان الأحداث التي شهدتها السويداء.
من هم؟
الشيخ حكمت الهجري
ولد في شهر يونيو (حزيران) عام 1965 في فنزويلا، حيث كان والده يعمل، وفي وقت لاحق عاد لسوريا ليكمل دراسته الأساسية متدرجاً بين صفوف المراحل التعليمية. كانت نشأته ضمن بيئة متدينة محافظة، تلقى تعليمه في مدارس الطائفة، واكتسب علماً واسعاً في شؤون ومعتقدات طائفته حتى غدا اسماً مهماً منذ شبابه ويحظى باحترام واسع داخل الطائفة، ثم في عام 1993 عاد لفنزويلا حيث يعيش جزء من عائلته بقصد العمل، قبل أن يعود مجدداً للسويداء في عام 1998، وهو خريج كلية الحقوق من جامعة دمشق.
في عام 2012 خلف الشيخ حكمت الهجري شقيقه أحمد في منصب رئاسة الطائفة الروحية إثر وفاة الأخير بحادثة سيارة في وقت سابق من ذلك العام، وكان أحمد تولى المنصب عام 1989، ومن المعروف أن منصب شيخ العقل يكون متوارثاً داخل العائلة الواحدة فقط ولمن يكون الأصلح فيها، وهو منصب موجود لعائلة الهجري منذ القرن الـ19، وكذلك محصور بعائلتي الحناوي وجربوع.
الشيخ يوسف جربوع
ولد جربوع عام 1970 في مدينة السويداء جنوب سوريا، ويتحدر من عائلة تولت مهمات مشيخة العقل لأكثر من ثلاثة قرون من دون انقطاع، وقد تولى مهمات المشيخة عام 2012 عقب وفاة ابن عمه الشيخ حسين الذي ظل في مهماته منذ عام 1965 خلفاً لوالده من قبله الشيخ أحمد جربوع.
الشيخ حمود الحناوي
ولد الحناوي أواخر عام 1943 في قرية سهوة البلاطة جنوب السويداء، وكحال الهجري تربى في بيئة دينية محافظة واكتسب من خلالها فقه وأصول وتعاليم دينها. وكان جد الحناوي واسمه قسام الحناوي أبو علي، من أبرز شخصيات السويداء وجبل العرب، إذ كان زعيماً دينياً وشاعراً حصيفاً. تخرج الحناوي من مدارس السويداء عام 1963 قبل أن يعمل في مجال التدريس لمدة 14 عاماً في محافظة دير الزور شرق سوريا، بعد ذلك عاد لمدينته للتدريس في قراها الجنوبية، قبل أن يساق إلى الخدمة الإلزامية ويقضي فيها خمس سنوات حتى عام 1975 تمكن خلالها من نيل إجازة في الأدب العربي.
بعد ذلك سافر الحناوي إلى الإمارات ليعمل مدرساً للغة العربية، وصحافياً في صحيفتي "البيان" و"الخليج"، قبل أن يعود أدراجه لسوريا إثر قرار بتسلمه منصب ومهمات مشيخة العقل خلفاً لوالده.