ملخص
التطورات الأخيرة جعلت سوريا من جديد في أولويات أجندة السياسيين والعسكريين، وقام الجيش بنقل قوات عسكرية جديدة إلى هذه المنطقة استعداداً لاحتمال توسيع القتال فيها، بينما اعتبر مسؤولون ووزراء في حكومة نتنياهو أن هذه التطورات تؤكد الموقف الإسرائيلي الرافض للتنازل عن مطلب الانسحاب الإسرائيلي من بلدات الجنوب التي يسيطر عليها الجيش، والإصرار على إقامة منطقة أمنية عازلة، سواء للحفاظ على أمن الدروز في المنطقة أم أمن الحدود.
التهديدات التي وجهها وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، بتكثيف الهجمات على سوريا، أعادت هذه المنطقة الشمالية للمربع الأول في ذروة المحادثات والاجتماعات بين الطرفين للتوصل إلى اتفاق أمني. كاتس اعتبر قصف سلاح الجو الإسرائيلي المدرعات السورية على بعد خمسة كيلومترات من الحدود، بمثابة رسالة للسلطات السورية برئاسة أحمد الشرع بعدم سماح إسرائيل بأي تهديد لا للدروز ولا لأمن حدودها.
وفي بيان مشترك لكاتس ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أوضحت إسرائيل موقفها بالالتزام بمنع المساس بالدروز في سوريا، وأضاف البيان "الدفاع عن الدروز يأتي جراء التحالف العميق بيننا وبين مواطنينا الدروز في إسرائيل، والعلاقة العائلية والتاريخية التي تربطهم بالدروز في سوريا. نحن نتحرك لمنع السلطات السورية من إلحاق الضرر بهم، ولضمان نزع السلاح من المنطقة المحاذية لحدودنا مع سوريا".
أما الجيش الإسرائيلي فقال إن هجومه طاول عدداً من الآليات العسكرية، من نوع دبابات وناقلات جنود مدرعة وراجمات صواريخ، إضافة إلى تدمير وتعطيل تحركات هذه الآليات والمدرعات باتجاه نقطة قريبة من إسرائيل.
ويعتبر هذا الهجوم الأوسع ضد القوات السورية في جبل الدروز، ووفق عسكري إسرائيلي، فإن تل أبيب ترى فيه اختباراً لتنفيذ سياستها الخاصة بنزع السلاح من جنوب سوريا، والتمسك بالتزامها تجاه الدروز.
وكشف في أعقاب التصعيد الذي شهدته المنطقة الحدودية أن الاجتماعات التي كانت تعقد في الجولان السوري من طرف إسرائيل بين أمنيين سوريين وإسرائيليين، يقودها عن الجانب السوري أحمد دالاتي، شملت تفاهمات وصفت بالصامتة والضمنية بين الطرفين، من بينها عدم اقتراب الحكومة السورية وجيشها من منطقة الحدود، وأيضاً من البلدات التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي منذ ثمانية أشهر، فيما اقتراب المدرعات السورية باتجاه السويداء ومناطق أخرى - تقول إسرائيل - إنها تبتعد 50 كيلومتراً عن الحدود، هو خرق لهذه التفاهمات ترفضه إسرائيل.
وبحسب الخبير العسكري أمير بار شالوم، فإن إسرائيل لم تجد مفراً إلا بتنفيذ الهجمات، على رغم المحادثات التي تجري، وعلى رغم رغبة الطرفين بالتوصل إلى اتفاق أمني. ويقول بار شالوم إن "ما فعلته إسرائيل خلال الأسابيع الأخيرة من حيث العمليات التي نفذتها في الجنوب، وحتى عند الحدود بين إسرائيل ولبنان، خصوصاً في منع تموضع ووجود إيران في سوريا، عملياً هي عمليات لصالح حكومة أحمد الشرع، وكل هذا تم بتنسيق كامل مع السوريين، ولهذا ما يحصل الآن بالنزول إلى جبل الدروز هو خرق لتفاهمات بين إسرائيل وسوريا، وعلى إسرائيل منع ذلك بالطرق التي تجدها مناسبة".
ذريعة للتمسك بالشروط
التطورات الأخيرة جعلت سوريا من جديد في أولويات أجندة السياسيين والعسكريين، وقام الجيش بنقل قوات عسكرية جديدة إلى هذه المنطقة استعداداً لاحتمال توسيع القتال فيها، بينما اعتبر مسؤولون ووزراء في حكومة نتنياهو أن هذه التطورات تؤكد الموقف الإسرائيلي الرافض للتنازل عن مطلب الانسحاب الإسرائيلي من بلدات الجنوب التي يسيطر عليها الجيش، والإصرار على إقامة منطقة أمنية عازلة، سواء للحفاظ على أمن الدروز في المنطقة أم أمن الحدود.
وحذر أمنيون إسرائيليون مما اعتبروه "غرق إسرائيل في المستنقع السوري"، ونقل عن مسؤول في الأجهزة الأمنية أن ما شهدته المنطقة من أحداث خلال الساعات الـ24 الأخيرة ما كان يجب أن يحدث، إلا أن مصالح إسرائيل دفعتها لتنفيذ هجماتها، وقال "تتطلب الحاجة صيغة تنسيق وعمل مشترك في المناطق القريبة من الحدود، في أي اتفاق مستقبلي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ورداً على سؤال عما إذا كان يتوجب على إسرائيل تصعيد الهجمات وتكثيفها تجاوباً مع مطلب شخصيات درزية في إسرائيل ومجموعة من الجنود الدروز الذين يخدمون في الجيش، قال القائد السابق لسلاح البحرية إليعزر مروم، الذي عينه نتنياهو بعد أشهر من اندلاع حرب غزة مسؤولاً عن المنطقة الشمالية في الجبهة الداخلية، بأن على إسرائيل أن تحسب خطواتها لتصل إلى وضع التوقيع على اتفاق أمني مع سوريا. وقال "إنني فخور جداً بدولة إسرائيل لأنها تحمي الدروز في سوريا، هؤلاء إخوتنا يقاتلون معنا جنباً إلى جنب، لكن في الوقت نفسه، نحن أمام وضع إقليمي مختلف حيث سنرى في المستقبل القريب تشكيل سوريا الجديدة، وكما يمكن أن نفهم مما يحدث، سيتم تقسيم سوريا بحيث تكون منطقة الشمال تحت حماية الأتراك، والجنوب تحت حماية إسرائيل، فيما الشرع سيحتفظ بمنطقة سيتم الاتفاق حولها، وهذا يعني أن على إسرائيل التفكير والتخطيط لما تريده مستقبلاً في سوريا".
من جهته، حذر الخبير العسكري تسفي برئيل مما سماه تحويل إسرائيل إلى عامل رئيس في جنوب سوريا والجولان السوري، وقال "المشكلة الصعبة لن تنتهي بهذا الحدث، لأن إسرائيل، عملياً، باتت مشاركة في إدارة شؤون سوريا الداخلية، ليس فقط لأنها سيطرت على مناطق كثيرة في عمق المنطقة وأقامت فيها قواعد عسكرية، بل كقيم على أمن الدروز. وهكذا، في الوقت الذي فيه زعامة الدروز تستنجد بالمجتمع الدولي، فإنها في سوريا تفسر كدعوة لإسرائيل للتدخل، وقد تدخلت حقاً".
ويضيف برئيل "عندما بدأ الجيش السوري بإرسال الدبابات إلى منطقة النزاع، تمت مهاجمتها من طائرات إسرائيلية وأوقف تقدمها. تفسير الجيش لهذا الهجوم بعرقلة وصول الدبابات إلى المنطقة، وعدم سماح الجيش بوجود تهديد عسكري في جنوب سوريا، يعني أن هذه العملية استهدفت منع خرق سوريا لـ'خط السيطرة' الإسرائيلي في سوريا، الذي حول ترسيمه تجري مفاوضات بين تل أبيب ودمشق".
"حماية الحدود"
اختلف الإسرائيليون حول مدى تدخل إسرائيل في الداخل السوري، حتى وإن وقعت الأحداث بالقرب من الحدود، لكنهم أجمعوا على أن حماية الحدود هو شأن لا يمكن التنازل عنه.
المختص في شؤون الشرق الأوسط أماتسيا برعام يرى أن ما دفع إسرائيل إلى التدخل والهجوم هو وجود التزام غير رسمي، لكنه أخلاقي، تجاه دروز جنوب سوريا، ويقول "بعض الدروز طلبوا منا المساعدة، ولم يكن أمام إسرائيل خيار آخر سوى البحث عن طريقة لوقف الاشتباكات، وإذا لم نرغب في التوغل بقواتنا في جنوب سوريا، ونحن لا نريد ذلك حقاً، يمكننا محاولة الفصل بين القوات باستخدام النار".
ويعتقد برعام أنه لم يكن هناك خيار آخر أمام الجيش الإسرائيلي إلا بالتدخل، وفي تقديراته هناك تنسيق بين إسرائيل والشرع في هذا الشأن "قد يكون حتى الشرع نفسه، من خلال التنسيق العسكري الذي بدأ تدريجاً بالتبلور بيننا وبينه، قد أرسل إلينا رسالة أبلغنا فيها أنه لا يستطيع إرسال قوات إلى هناك، بكلمات أخرى قال لنا: قوموا بدور الشرطة. ليس لدي شرطة حالياً يمكنني إرسالها هناك".
وبحسب برعام، فإنه إذا ما تم التوصل إلى اتفاق بين تل أبيب ودمشق، "قد تكون هذه طريقة للعمل والتنسيق، بالنسبة إلينا السبب بسيط: استقرار جنوب سوريا الفوضوي هو أيضاً مفيد لنا، بل مصلحة. ربما لم نصل إلى ذلك بعد، لكن هذه فرصة يمكن الوصول إليها".
اختراق الحدود وإغلاق الطرقات
كما في الحوادث السابقة في سوريا منذ انهيار نظام بشار الأسد، التي تعرض لها الدروز، هذه المرة أيضاً تدخل الدروز في إسرائيل لحمايتهم من خلال الضغط على الحكومة الإسرائيلية لاتخاذ خطوات أوسع مما نفذته خلال اليومين الأخيرين، وهددت مجموعة من الدروز الذين يخدمون في الجيش بالتدخل بأنفسهم لحماية دروز السويداء وبقية دروز سوريا.
وشهدت مناطق مختلفة في إسرائيل الثلاثاء احتجاجات وتظاهرات تخللها إغلاق شوارع وإشعال حرائق من مجموعة من الدروز الذين طالبوا الحكومة بتدخل أوسع لحماية دروز سوريا. ووصلت ذروة احتجاجاتهم عند اقتحام الحدود من جهة مجدل شمس في الجولان السوري، في محاولة للوصول إلى السويداء لدعم أبناء الطائفة.
في المقابل، بعث جنود دروز رسالة إلى نتنياهو دعوا فيها الحكومة إلى اتخاذ قرار بتدخل الجيش الإسرائيلي لحماية دروز السويداء مباشرة.
الرسالة أرسلت تحت اسم "جمعية الجنود المسرحين واحتياطي الجيش من الطائفة الدرزية"، جاء فيها "هذه المرة الثانية التي نوجه فيها نداء في موضوع خطر للغاية، فعلى رغم الوعود التي قدمتها سيادتك ومن وزير الأمن باتخاذ إجراءات للمساعدة الإنسانية، لكن شيئاً لم يتغير ولم تسجل أية خطوة إسرائيلية فعلية لوقف المجزرة، والوقت يمر".
ودعوا نتنياهو إلى تحمل مسؤولية وقف الاعتداءات على دروز سوريا بإصدار تعليمات فورية باتخاذ إجراءات لتقديم مساعدات عسكرية وإنسانية لأبناء الطائفة، والنظر في فتح ممر إنساني، وتجهيز وحماية لأبناء المجتمعات المستهدفة، والضغط على الساحة الدولية من خلال الحوار لرفع الموضوع إلى جدول الأعمال العالمي ووقف القتل هناك، كما جاء في الرسالة.