Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تاورغاء الليبية تنهض من ركامها وتبدأ من الصفر

بعد سنوات التهجير يعود سكانها تدريجاً ويصلحون بأياديهم ما دمرته الحرب الطويلة وغوائل الزمن

على رغم هذا الواقع الصعب لا تزال وتيرة العودة مستمرة، مدفوعة بالرغبة في الاستقرار (اندبندنت عربية)

ملخص

في طرابلس وأجدابيا وبنغازي تنقل أهالي تاورغاء بين مراكز الإيواء والمخيمات لسنوات، بعدما أجبروا على مغادرة مدينتهم إثر الحرب. وعلى رغم عودتهم التدريجية خلال الأعوام الماضية، لا تزال تاورغاء تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات، وتغيب عنها مشاريع الإعمار.

بعد أكثر من عقد من التهجير، بدأت الحياة تعود تدريجاً إلى المدينة الواقعة شرق مصراتة، مع عودة نحو 4 آلاف أسرة إلى منازلها المتضررة، في واحدة من أوضح تجارب المصالحة المحلية التي تشهدها ليبيا منذ عام 2011. 

وتشير بيانات رسمية إلى أن عدد سكان تاورغاء قبل سقوط الرئيس الراحل معمر القذافي كان يقدر بنحو 40 ألف نسمة.

"اندبندنت عربية" تجولت في أحد الأحياء السكنية بتاورغاء، حيث تنتشر البيوت الموقتة التي أقامها السكان بعد عودتهم، بعضها لا تتجاوز مساحته أمتاراً عدة، وجدرانه مغطاة بأقمشة بلاستيكية، وبلا أبواب ولا نوافذ.

"سأموت في مدينتي"

في عام 2016 توصل ممثلون عن مدينتي مصراتة وتاورغاء إلى اتفاق مصالحة برعاية الأمم المتحدة بهدف إنهاء ملف تهجير سكان تاورغاء الذي استمر منذ عام 2011. ونص الاتفاق على عودة الأهالي وتعويض المتضررين وضمان عدم تعرضهم للملاحقة.

وجاء تهجير سكان تاورغاء عام 2011 على خلفية تورط بعض المجموعات من المدينة في القتال إلى جانب قوات النظام السابق خلال معركة ‏إطاحة القذافي، مما تسبب في توترات أدت إلى نزوح جماعي للسكان. وعلى رغم إعلان بدء تنفيذ الاتفاق في 2018 لم تبدأ العودة الفعلية للسكان إلا بصورة محدودة. 

 

وفي عام 2020 لم يتجاوز عدد العائلات التي عادت إلى المدينة 40 أسرة فحسب، وسط صعوبات تتعلق بغياب الخدمات وغياب الدعم الحكومي. وعلى مدار السنوات التالية بدأت العودة بصورة تدريجية. ومع نهاية عام 2024 ارتفع عدد العائلات العائدة إلى نحو 4 آلاف أسرة وفقاً لبيانات رسمية اطلعت عليها "اندبندنت عربية"، لتعد تاورغاء اليوم واحدة من أبرز حالات العودة المنظمة في ليبيا بعد سنوات النزاع.

في أحد أحياء المدينة التي ما زالت آثار القصف بادية على مبانيها، يزيح مسلم محمد (54 سنة) الركام من مدخل منزله بيده اليمنى المصابة، مستخدماً معولاً صغيراً وبعض الأدوات اليدوية التي وفرها بنفسه، بعدما أطل هو وأسرته على بيته للمرة الأولى بعد غياب دام 12 عاماً. 

كانت الأرض مغطاة بالغبار، والنوافذ مفتوحة على فراغ، لكن مسلم بدا مصراً على البدء من جديد، ولو من نقطة الصفر. يقول "هذه مدينتي. حتى إن بقيت وحدي، سأموت هنا، في أرض أجدادي". وأضاف وهو يشير إلى الجدار المتصدع خلفه "لم أحصل على أي دعم من الدولة، كل شيء أصلحه بإمكاناتي، قطعة قطعة. حتى مواد البناء أشتريها بالدين".

وعن سبب تمسكه بالعودة على رغم صعوبة الظروف، قال "النزوح كسرنا نفسياً. كنا غرباء في بلدنا، ننتظر المساعدات، واليوم حتى إن كان الوضع هنا صعباً، أشعر بأنني أتنفس من جديد".

عودة محفوفة بالمعاناة

في طرابلس وأجدابيا وبنغازي تنقل أهالي تاورغاء بين مراكز الإيواء والمخيمات لسنوات، بعدما أجبروا على مغادرة مدينتهم إثر الحرب. وعلى رغم عودتهم التدريجية خلال الأعوام الماضية، لا تزال تاورغاء تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات، وتغيب عنها مشاريع الإعمار.

في أحد هذه البيوت الموقتة كان محمد فينو (29 سنة) يثبت قطعة صفيح على سقف منزله مستخدماً حبلاً قديماً، بينما وقف أطفاله الخمسة إلى جانبه يراقبون بصمت.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قال لـ"اندبندنت عربية" وهو يشير إلى داخل منزله "نمد الكهرباء بخيوط مكشوفة لأن البناء لم يكتمل. أنام كل ليلة وأنا خائف من حدوث تماس كهربائي. لدي خمسة أطفال، وكنت أتمنى أن أوفر لهم بيئة آمنة ومستقرة، لا أن يعيشوا في بيت غير مؤهل للسكن".

وأضاف بصوت هادئ، "أطفالي ينامون باكراً، ليس لأنهم تعبوا، بل لأن الظلام يسبقهم". واستطرد قائلاً، "نحن في بلد غني بالنفط، لكننا نعيش وكأننا خارج الحسابات. وعلى رغم كل شيء، هذا المكان يظل بيتنا".

غير بعيد من فينو يواصل عياد عبدالجليل (26 سنة) العمل على ترميم بيته بما توفر لديه من مواد بسيطة. يقول "عشنا سنوات طويلة في مخيمات ‏لا تليق بنا كليبيين، لا استقرار ولا كرامة. هنا في الأقل نحن فوق أرضنا، حتى لو كانت الجدران مهدمة".

ويشير عبدالجليل إلى أن الخدمات الأساسية ما زالت غائبة عن معظم الأحياء، مشيراً إلى أن الكهرباء لا تصل إلى جميع المنازل. وبينما فتحت المدارس أبوابها تدريجاً، لكنه يوضح أن العملية التعليمية تواجه تحديات حقيقية من بينها نقص المعلمين، وازدحام الفصول بسبب تزايد أعداد الطلاب العائدين، إلى جانب افتقار عديد من المدارس إلى الحد الأدنى من التجهيزات الأساسية.

 

وعن الوضع الصحي يقول إن المركز الصحي الوحيد في المدينة لا يقدم سوى الإسعافات الأولية، ويواجه نقصاً حاداً في الكوادر والمعدات، مضيفاً "نضطر في غالب الحالات للذهاب إلى مصراتة من أجل العلاج، وهذا مرهق جداً ومكلف على عائلات بالكاد تؤمن قوت يومها".

ويتابع عبدالجليل "نسمع وعوداً منذ سنوات، لكن شيئاً لم يتغير على الأرض. حتى الآن كل شيء هنا قائم على المبادرات الفردية، ونعتمد على أنفسنا في كل الأمور، ولا وجود فعلياً للدولة في حياتنا اليومية".

في الوقت الحالي يعد مشروع صيانة الطريق الرئيس داخل تاورغاء هو التحرك الوحيد المنفذ على الأرض، في حين أسهمت منظمات دولية في إصلاح بعض الطرق الفرعية وتزويد الشوارع الرئيسة بالإنارة ‏بالطاقة الشمسية لتحسين ظروف التنقل، وتشجيع مزيد من العائلات على العودة.

على رغم هذا الواقع الصعب لا تزال وتيرة العودة مستمرة. عائلات جديدة تصل كل شهر مدفوعة برغبة في الاستقرار بعد سنوات من النزوح، وهم يدركون أن المدينة لا تزال بعيدة من التعافي.

صفحة الماضي المطوية

على رغم محدودية التجربة، يرى مراقبون أن المصالحة بين تاورغاء ومصراتة يمكن أن تشكل نموذجاً مصغراً لمبادرات أوسع في ليبيا بعد سنوات من الانقسام والصراع المسلح. 

 

في هذا السياق يقول عضو لجنة المصالحة عن تاورغاء عبدالنبي أبو عرابة لـ"اندبندنت عربية"، "ما جرى بين تاورغاء ومصراتة هو أول نموذج فعلي للمصالحة في ليبيا. لم تأتِ المبادرة من دول ‏خارجية، بل من الداخل، من الناس أنفسهم، وكانت هناك رغبة حقيقية في طي صفحة الماضي". ويضيف "الطريق لم يكن سهلاً. تجاوزنا سنوات من الألم والتهميش، وبدأنا بخطوات صغيرة. لا ننتظر المعجزاًت، لكننا نؤمن بأن الاستقرار يبدأ بمبادرات مثل هذه تقوم على الاعتراف، لا على الإقصاء".

في ظل هذه الظروف تحاول بعض العائلات بث الأمل في الأحياء التي بدأت تستعيد حركتها. عائشة بالريش، معلمة في مركز التدريب بمدينة تاورغاء، بدأت بإطلاق دروس مجانية للطلاب العائدين تشمل مواد منهجية لمساعدتهم على تعويض ما فاتهم من سنوات دراسية خلال فترة النزوح. 

توضح عائشة أن هذه المبادرة تهدف إلى إعادة بناء الثقة لدى الأطفال في قدرتهم على مواصلة التعليم، على رغم أن بعض الفصول الدراسية لا تزال غير مؤهلة بالكامل بسبب الدمار وضعف التجهيزات.

البيوت التي لم تكتمل، والمدارس التي لم تجهز بعد، لم تكسر عزيمة سكان المدينة على البقاء، فكل لبنة يضعونها، وكل فصل دراسي يعاد تأهيله، يفتتح الباب أمام مزيد من العائلات للعودة إلى منازلها، في مدينة تحاول النهوض بإمكانات محدودة، بينما تواصل انتظار دور الدولة لاستكمال ما بدأه السكان بجهودهم الذاتية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير