ملخص
يمكننا القول إنه إعلامياً وسياسياً وفي المظهر الخارجي تبدو إسرائيل اليوم كأنها "أميركا مصغرة"، وأنها قوة قاهرة داخل منطقة الشرق الأوسط وتخوض حروباً ضد خصوم بعيدين جغرافياً ومسلحين جيداً، وتستخدم التفوق التكنولوجي لفرض معادلاتها، لكن في العمق فإن الفارق بين الدولتين شاسع.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، باتت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي تخوض حروباً مع دول لا تشترك معها بحدود برية وتقع في مناطق جغرافية بعيدة، بدءاً من حرب كوريا ثم حرب فيتنام، ثم في حربي العراق وأفغانستان المتقاربتين زمنياً وفي نتائجهما. وكانت السلطات الأميركية المختلفة في كل حرب من هذه الحروب استخدمت عدداً كبيراً من الحجج والأسباب التي تدفعها لخوض تلك الحروب، وفي حال عدم وجود سبب مباشر لخوض حرب مدمرة بوجه طرف ما كانت تستخدم إمكاناتها الهائلة وشرعيتها الدولية كقوة كبرى للتأثير في مواقف الدول الأخرى لدفعها إلى المساندة أو المشاركة أو عدم الاعتراض على هذه الحروب.
في الحرب التي تخوضها إسرائيل اليوم مع إيران تحديداً، فإن جيشها يقاتل في أراضٍ لا تشترك معها بحدود واضحة مستخدمة نفس التبريرات الأخلاقية والأمنية التي كانت تستخدمها الولايات المتحدة إضافة إلى حماية وجودها، فهي تعد حربها مع إيران وأذرعها حرباً وجودية، ولهذا تستنفر قوتها التكنولوجية والعسكرية ضد عدو متعدد الطبقات، لكن هل هذا يعني أن حروب الولايات المتحدة خارج أرضها شبيهة بحروب إسرائيل الحالية؟
تشبه الحالتان بعضهما بعضاً في الصورة الخارجية، لكن في المضمون هناك اختلاف في طبيعة الدولتين وطبيعة العدو والمجال الحيوي الجغرافي وردود الفعل الدولية، وطول النفس الاستراتيجي، بحسب تحليل بعض مراكز الدراسات الأوروبية أخيراً.
فالولايات المتحدة صارت دولة إمبراطورية مكتملة الأركان منذ الحرب العالمية الثانية، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي سيطرت على النظام العالمي الذي لم يعدد متعدد الأقطاب بل ذو قطب واحد مسيطر ومهيمن عبر الاقتصاد وعملة الدولار، وللحفاظ على هذه الهيمنة اضطرت إلى شن الحروب وإيقافها بقرار ذاتي ونشر القواعد العسكرية حول العالم والتحكم بواسطتها، بالتوازي مع نشر منظومة ثقافية تروج لنموذجها السياسي والاقتصادي من خلال العولمة الثقافية والاقتصادية التي بدأت مع السينما والتلفزيون، ثم تمكنت من الانتشار السريع مع ثورة الاتصالات وشبكة الإنترنت والسيطرة على الفضاء الرقمي العالمي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المقابل، إسرائيل ليست إمبراطورية بل دولة حديثة التأسيس وتعاني مجموعة من المشكلات الداخلية خصوصاً المتعلقة بهوية الدولة والتوزع الديموغرافي والسياسي للقوميات والإثنيات داخلها، وهي دولة قائمة على رواية دينية وتاريخية وتستمد قوتها من الدعم الخارجي الأميركي تحديداً، وتعيش في قلق دائم من الجوار، ومشروعها التوسعي محدود.
والاختلاف الثاني بين حروب الولايات المتحدة البعيدة جغرافياً عن تلك التي تخوضها إسرائيل يتعلق بطبيعة العدو، إذ إن أميركا قاتلت أنظمة سياسية مثل الشيوعية في آسيا والديكتاتورية في العراق، والمتطرفين في أفغانستان. أما إسرائيل، فأعداؤها ليسوا أنظمة بعينها بل هي حركات مقاومة، لأن الصراع ليس مجرد خلاف سياسي أو حدودي بل هو خلاف وجودي لطرفي الحرب.
وبينما تتمتع الولايات المتحدة بأفضل حماية طبيعية بواسطة محيطين وجارين ضعيفين هما كندا والمكسيك، مما جعلها بعيدة جغرافيا عن مراكز الحروب التي لا يتأثر بها شعبها مباشرة إلا في حالة الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001 التي كانت المرة الأولى التي تصل الحرب الخارجية إلى الداخل الأميركي مباشرة، وبسبب هذه الحماية الطبيعية وللبعد الجغرافي تضطر الولايات المتحدة إلى إرسال جيشها إلى أقاصي الأرض، ثم تسحب قواتها ما دام أمنها الداخلي والجغرافي بعيداً من مناطق الاشتباك.
لكن إسرائيل، محاصرة جغرافياً وصغيرة المساحة وبلا عمق استراتيجي وتعتمد على ما تؤمنه حاملات الطائرات الأميركية من حماية. ولا تستطيع أن تفعل ما تفعله الولايات المتحدة بأن تبتعد من ساحة المعركة، بل هي في قلبها، وحروبها حين تندلع، فإنها تحتاج أن تشنها من الجو والأرض والبحر كي تتمكن من حماية حدودها، وكذلك تحتاج إلى توحيد الجبهة الداخلية والتي تكون في حال حرب، كما هي حالها اليوم في الحرب مع إيران، فالمجتمع الإسرائيلي يحتاج داخلياً إلى التماسك والتعاون بالطريقة نفسها التي يحتاج إليها الجيش المقاتل، كي تتمكن إسرائيل من حماية استقرارها الداخلي، وهذا ما لا تعانيه الولايات المتحدة.
ردود الفعل الدولية
تقول بعض الدراسات التي تناولت الفروق بين الحروب الأميركية والإسرائيلية إن ردود الفعل الدولية تكون مختلفة تجاه حرب تخوضها كل واحدة من هاتين الدولتين. فحين تحارب أميركا، فإنها تفعل ذلك مدعومة بتحالفات أو بصمت دولي أو حتى بقبول على مضض من خصومها، فالولايات المتحدة تملك قوتها العالمية الهائلة على مختلف المستويات وأهمها العسكرية والاقتصادية وتمتلك أدوات الضغط والإقناع والدعاية ولا تخضع للمحاسبة، أما بخصوص إسرائيل فعلى رغم دعمها الكبير من أميركا فإنها تواجه في كل حرب استنكاراً دولياً متصاعداً ونقمة من الرأي العام العالمي، وخسارة في الصورة الأخلاقية خصوصاً في حربها على قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان بعد عملية طوفان الأقصى، وارتكابها جرائم ضد الإنسانية أدانتها الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية وكذلك المحكمة الجنائية الدولية وعدد كبير من الدول والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني في معظم دول العالم.
وتملك الولايات المتحدة قدرة عالية على تحمل الحروب طويلة الأمد بسبب اقتصادها المرن، ولأن الشعب الأميركي غير موحد أيديولوجياً، ويستطيع تقبل الانسحاب أو الفشل دون انهيار داخلي. في المقابل، تعاني إسرائيل قصر نفس استراتيجياً ونوعاً من الانقسام المجتمعي ويعاني اقتصادها الهش بسرعة أمام الأزمات الطويلة زمنياً، واستراتيجياً تعد كل حرب طويلة تهديداً مباشراً لاستقرارها، وتزيد من احتمالات الهجرة العكسية وفقدان السيطرة.
يمكننا القول إنه إعلامياً وسياسياً وفي المظهر الخارجي تبدو إسرائيل اليوم كأنها "أميركا مصغرة"، وأنها قوة قاهرة داخل منطقة الشرق الأوسط وتخوض حروباً ضد خصوم بعيدين جغرافيا ومسلحين جيداً، وتستخدم التفوق التكنولوجي لفرض معادلاتها، لكن في العمق فإن الفارق بين الدولتين شاسع، فأميركا قوة قادرة على التقدم والتراجع وإعادة التموضع كما فعلت كل إمبراطورية تقاتل لتوسع حدودها، أما إسرائيل فإنها تقاتل لأنها تخشى من التهديد الوجودي الذي يمثله لها أعداؤها القريبون والبعيدون منها.