Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الغش الغذائي يهدد بطون المصريين

نشارة الخشب والأسمنت الأبيض وكسر الرز... وجوه متعددة للتلاعب

اللافت أن قضية العسل المغشوش لم تكن الأولى من نوعها، بل سبقتها وقائع خطرة عدة كشفت عن وجود منتفعين من "ضعاف النفوس" يتلاعبون بغذاء المصريين (أ ف ب)

ملخص

يرى متخصصون في الشأن الغذائي داخل مصر أن بعض المحتالين يتخفون تحت ستار "مندوبي جملة"، ويروجون لبضائعهم بأسعار أقل في المناطق الشعبية.

عادت قضية الغش الغذائي لتتصدر نقاشات المصريين مجدداً، إثر تُتداول فيديوهات على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي على مدى الأيام الماضية، تزعم وجود عسل نحل مغشوش داخل الأسواق المحلية، مما أثار ضجة واسعة في أوساط الرأى العام وحالاً كبيرة من اللغط، وفتح الباب أمام تساؤلات ملحة تحتاج إلى إجابات وافية، حول كيفية حدوث عمليات التلاعب في غذاء المصريين وآليات مراقبة المنتجات والأغذية خلال عمليات التحضير والتداول بالأسواق، وهل العقوبات القانونية رادعة لمواجهة مرتكبي تلك الجرائم؟ وهل يندرج الأمر تحت خانة الوقائع الفردية أم يمكن اعتباره "ظاهرة عامة"؟

مزاعم ونفي رسمي

بدأت الواقعة بقيام شابين من المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي بنشر فيديو، أكدا خلاله أن نتائج تحاليل مخبرية رسمية لمعظم وأغلى أنواع العسل المتداولة في مصر أظهرت أن كل العسل بالأسواق مغشوش، لأن نسبة السكروز به أكثر من 5.1 في المئة، وهي النسبة المعتمدة عالمياً لعسل النحل"، بحسب قولهما.
وفي أعقاب ذلك، أعلن البرلماني المصري أيمن محسب في طلب إحاطة أن "القضية لا تتوقف عند الأضرار الصحية فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيراً سلبياً على منتجي العسل الطبيعي الذين يتعرضون لخسائر بسبب منافسة غير عادلة مع منتجات مغشوشة تُروج ضمن حملات دعائية مكثفة عبر القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي، في ظل ضعف واضح في الرقابة وغياب آليات فعالة لرصد الغش التجاري، مؤكداً أن ما يحدث يمثل تهديداً للأمن الغذائي ويتطلب تحركاً سريعاً من الدولة والأجهزة المعنية".

وسرعان ما تدخلت الحكومة المصرية لنفي تلك المزاعم في بيان رسمي، أكدت فيه أن "الهيئة القومية لسلامة الغذاء أفادت بأن مقدم المحتوى الذي نشر تلك المزاعم لم يلتزم المنهج العلمي السليم، إذ نقل عينات من المنتجات الأصلية من عبواتها التجارية الموثقة إلى عبوات مجهولة المصدر وغير مخصصة للحفظ السليم، وهو ما انعكس سلباً على نتائج التحاليل". وأضاف البيان أن "عملية سحب العينات تتم من خلال الجهات الرقابية، وفق النظم والقواعد المنظمة لهذه العملية، كما أن التحاليل التي أجريت على هذه العينات بعد إخراجها من عبواتها الأصلية لا يعتد بها علمياً، ولا يمكن عدها دليلاً على جودة المنتج أو سلامته". وزاد البيان أن "ما تم تداوله حول أن النسبة يجب ألا تزيد على خمسة في المئة هي معلومة خاطئة ومضللة، لأنه وفقاً للمواصفة القياسية المصرية لعام 2005، وكذلك مواصفة هيئة الدستور الغذائي (كودكس) عام 2022، فإن نسبة السكروز في العسل الطبيعي تراوح ما بين خمسة و15 في المئة، وذلك حسب نوع العسل ومصدره النباتي".


وجوه متعددة للغش

اللافت أن قضية العسل المغشوش لم تكن الأولى من نوعها، بل سبقتها وقائع خطرة عدة كشفت عن وجود منتفعين من "ضعاف النفوس" يتلاعبون بغذاء المصريين، ويخلطون منتجات ومواد غير صحية بالأغذية لبيعها بالأسواق بأسعار أقل للتربح من ورائها.
فخلال يناير (كانون الثاني) الماضي ضبطت الأجهزة الأمنية مخزناً لتعبئة الزيوت مجهولة المصدر بمحافظة الشرقية، مخالفاً اشتراطات الصحة والسلامة ومستخدماً في ذلك أسماء كبريات العلامات التجارية الشهيرة المتداولة بالأسواق. وضبط 10.8 طن زيت طعام مجهول المصدر معد للتداول، فضلاً عن ضبط الأدوات المستخدمة في التعبئة والتغليف النهائي بإجمالي ما يقارب 35 ألف "عبوة فارغة"، وخلال أغسطس (آب) 2024، تمكنت إدارة مراقبة الأغذية بمديرية الصحة بالبحيرة من ضبط مصنع طحينة داخل دمنهور يستخدم كسر الرز بدلاً من السمسم، ومصادرة نحو خمسة أطنان ونصف طن من المضبوطات بالمصنع، وخلال أبريل (نيسان) 2023 ضُبط مصنع غير مرخص داخل مركز الصف بالجيزة (جنوب القاهرة)، يستخدم مالكه "بودرة السيراميك" لإنتاج الطحينة.
وخلال يناير 2023، ضُبط مصنعان غير مرخصين يقلدان العلامة التجارية لمنتجات الشاي والنسكافيه والـ"بيكنغ بودر"، فضلاً عن استخدام مواد مجهولة المصدر في عملية التصنيع، وتظهر مقاطع الفيديو الملايين من عبوات الشاي ومشروب قهوة شهير في مصنع غير مرخص بمحافظة الغربية (شمال القاهرة) تُنتج من "بودرة بلاط السيراميك" و"الأسمنت الأبيض" المستخدم في عمليات البناء. وخلال يناير 2013، تمكنت مباحث التموين بمحافظة القليوبية من اعتقال سائق بحوزته 300 كيلو شاي مخلوط بالملح ونشارة الخشب، قبل أن يوزعها على محال الجملة داخل منطقة شبرا الخيمة (شمال القاهرة)، وأخطرت النيابة التي تولت التحقيق.

مندوبو الجملة... كلمة السر

"قضية الغش في الأغذية موجودة منذ قديم الزمن وأصبحت أشبه بظاهرة يجب التنبه لها"، هكذا يعقب رئيس شعبة المواد الغذائية داخل الغرفة التجارية بالجيزة هشام الدجوي، موضحاً أن بعض المحتالين والمنتفعين يسطون على العلامات التجارية الشهيرة ويخلطون المنتجات الغذائية بمواد أخرى في أماكن مجهولة، مستعينين بماكينات وعمالة ضخمة من أجل تجهيز المنتجات وتعبئتها وتغليفها وتقليد العلامات التجارية، ثم يتخفون تحت ستار "مندوبي الجملة" ويتوجهون إلى المنافذ الغذائية البسيطة في الأماكن والأحياء الشعبية ويعرضون عليهم الحصول على تلك المنتجات سواء "شاي أو نسكافيه أو زيوت أو غيرها من السلع الغذائية" بأسعار أرخص من نظيرتها في السوق من أجل كسب أرباح طائلة، وهو ما يشكل كارثة حقيقية. ويضيف الدجوي خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن "غالب التجار في السوق المصرية أصبح لديهم وعى حقيقي ويتنبهون لتلك الجرائم، ويرفضون تسلم البضائع من مندوبي جملة لا يعرفونهم أو شركات مجهولة المصدر أو أشخاص وهميين، كما أن كثيراً من ملاك العلامات التجارية الكبرى أصبحوا يغيرون أساليب التعبئة والتغليف لتضليل المتلاعبين"، مشيراً إلى "ضرورة أن يكون هناك توعية للمستهلكين أيضاً لمنع شراء المنتجات مجهولة المصدر"، وموضحاً أن "هناك حملات ضبط مستمرة من قبل مباحث التموين وجميع الأجهزة الرقابية لوضع حد للمتلاعبين في الأسواق".
وفي اعتقاد رئيس شعبة السلع الغذائية بالجيزة، فإنه ينبغي تغليظ العقوبات في القانون المصري لتلك الجرائم، كونها تندرج تحت بند "الشروع في القتل" وتعمد إيذاء المواطنين.
ووضع قانون حماية المستهلك رقم 181 لعام 2018 عدداً من القواعد، فقد نصت المادة 72 على أنه "إذا نشأت عن مخالفة أي حكم من أحكام هذا القانون إصابة شخص بعاهة مستديمة أو بمرض مزمن أو مستعص، تكون العقوبة السجن وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه (2015.32 دولار) ولا تتجاوز مليون جنيه (20153.20 دولار) أو ما يعادل قيمة السلعة محل الجريمة الأكبر، وإذا رأت المحكمة تطبيق حكم المادة 17 من قانون العقوبات فلا يجوز في هذه الحال أن تقل العقوبة المقيدة للحرية عن الحبس مدة سنة واحدة، وإذا نشأت عن المخالفة وفاة شخص أو أكثر تكون العقوبة السجن المؤبد وغرامة لا تقل عن 200 ألف جنيه (4,030.64 دولار) ولا تتجاوز مليوني جنيه (40306.40 دولار) أو ما يعادل قيمة السلعة محل الجريمة".
وينص القانون رقم 48 لعام 1941 المعدل بالقانون رقم 281 لسنة 1994، على القواعد الخاصة بجريمة الغش التجاري والعقوبات المترتبة على ذلك، إذ "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن 5 آلاف جنيه (100.77 دولار) ولا تتجاوز 20 ألف جنيه (403.06 دولار)، أو ما يعادل قيمة السلعة موضوع الجريمة، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من خدع أو شرع بخداع المتعاقد معه بأية طريقة من الطرق". وتصدى قانون العقوبات لجريمة غش الأغذية، إذ نص على الحبس لمدة لا تقل عن عام ولا تزيد على خمسة أعوام، أو غرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه (201.53 دولار) ولا تزيد على 30 ألف جنيه (604.60 دولار)، لكل من غش أو شرع في غش أغذية إنسان أو حيوان، أو كانت فاسدة وغير صالحة، ويتضمن القانون في مادته 116، أنه يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن عام ولا تزيد على خمسة أعوام أو بغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه ولا تزيد على 30 ألفاً، كل من حاز من طريق الشراء سلعة مدعمة لغير الاستعمال الشخصي، أو إعادة بيعها وخلطها بمواد أخرى بقصد الاتجار.
وقررت محكمة النقض في أحكامها أنه "يكفي لتحقق الغش خلط الشيء أو إضافة مادة مغايرة لطبيعته أو من نفس طبيعته ولكن من صنف أقل جودة، بقصد الإيهام بأن المادة المخلوطة خالصة لا شائبة فيها أو بقصد إظهارها في صورة أحسن مما هي عليه".


أماكن غير مرخصة وتسمم غذائي

في السياق ذاته، يقول مؤسس المركز القومي للسموم الدكتور محمود محمد عمرو إنه "ينبغي تكاتف مؤسسات الدولة وأجهزتها الرقابية كافة لمواجهة جشع بعض المنتفعين الذين يتربحون مبالغ خيالية من وراء تلك التجارة المحظورة، والتي تهدد قطاعاً عريضاً من المصريين.

وخلال أبريل 2021، أظهر بيان للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (جهة حكومية)، أن الأسر تنفق نحو 19 ألفاً و51 جنيهاً كمتوسط إنفاق على الطعام والشراب ليحتل بذلك صدارة بنود الإنفاق، بواقع 19 ألفاً و89 جنيهاً داخل المناطق الحضرية و19 ألفاً و19 جنيهاً بالريف. واحتلت اللحوم صدارة قائمة إنفاق المصريين على مجموعة الطعام والشراب لعام 2017/2018، وذلك بنسبة 27.8 في المئة، وفي المركز الثاني جاءت الخضر بنسبة 14.2 في المئة، وفي المركز الثالث جاءت الحبوب والخبز بنسبة 13 في المئة، وفي المركز الرابع الألبان والجبن والبيض بنسبة 12.5 في المئة، إضافة إلى الزيوت والدهون بنسبة 8.8 في المئة، والأسماك بنسبة 6.6 في المئة، والفاكهة بنسبة 5.7 في المئة، وفي المركز قبل الأخير يأتي السكر والأغذية 5.5 في المئة، والمركز الأخير المشروبات غير الكحولية بنسبة 3.9 في المئة.

ويعتقد عمرو الذي يشغل أيضاً منصب أستاذ الطب المهني والبيئي والصدر بكلية طب قصر العيني في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن "هيئة سلامة الغذاء منذ نشأتها وعليها دور ومسؤولية كبيرة في مراقبة سلسلة تداول الغذاء منذ تحضيره حتى بيعه في الأسواق"، مشيراً إلى أن "عملية المراقبة لتلك المنتجات مرهقة وصعبة وتتطلب كوادر مؤهلة لذلك، وأعداداً ضخمة من المفتشين لعمل جولات مرورية على المنافذ، إلى جانب معامل حديثة لإجراء الاختبارات على المنتجات الغذائية"، مستشهداً بمثال بعض الأحياء الشعبية التي تبيع لحمة "اللانشون" بـ20 جنيهاً، وهو أمر يثير الشكوك حول خلطه بمواد أخرى أو صبغات معينة لها اللون نفسه، وينبغي إخضاعه للاختبارات. ونشأت الهيئة القومية لسلامة الغذاء بموجب قرار من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال يناير 2017، وأعدت الاستراتيجية الأولى لها عن الفترة ما بين عامي 2023 و2026، وتشن الهيئة حملات متنوعة في مختلف المحافظات لضبط حال أسواق المنتجات الغذائية المتداولة في مختلف الأسواق ومنافذ البيع، وتشديد وإحكام الرقابة على المنشآت الغذائية.
وفي تقدير عمرو فإن تلك العمليات غير المشروعة تحدث عبر استخدام خلطات فاسدة وغير صحية وإعادة خلطها بمنتجات الأغذية السليمة في أماكن غير مرخصة أو مطهرة أو صالحة للاستخدام من أجل تحقيق مكاسب مالية، مردفاً أنه "في ظل غلاء أسعار السلع الغذائية يلجأ بعض التجار والمصنعين المستغلين لتقليل الجودة أو استخدام بعض المواد غير المصرح بها، أو في كثير من الأحيان يستغلون بعض العلامات التجارية وينسبونها لصناعات مجهولة المصدر".
ويشير مؤسس "المركز القومي للسموم" إلى أن "الخلطات مجهولة المصدر التي تُضاف إلى المنتجات الصالحة تجعل المواطن عرضة لـ"التسمم الغذائي"، وهو ما يتطلب من الأجهزة المعنية بملف الغذاء بمصر تشديد الرقابة على المنتجات في الأسواق ومراقبة منافذ الأغذية كافة وإخضاع أية منتجات مشكوك في صحتها لإجراءات السلامة الصحية، مطالباً بضرورة تشديد الرقابة على المحال والمنافذ الصغرى أو ما يطلق عليها أماكن "بير السلم" وسرعة الفصل في قضايا الغش لتحقيق الردع العام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تطور الأساليب الإجرامية في الغش

في السياق، يقول استشاري التثقيف الغذائي الدكتور مجدي نزيه إن "وسائل الغش تنوعت ولم تعد لها أشكال وقوالب ثابتة مثلما كان في الماضي، وهو ما يشير إلى تطور الوسائل والأساليب الإجرامية"، منوهاً بأن كثيراً من "ضعاف النفوس" والمستغلين يلجأون إلى وسائل جديدة وحيل مبتكرة لإضافة خلطات غير صحية ومواد مجهولة إلى المنتجات والأغذية التي يتناولها المستهلك. وأردف "هناك تفنن في وسائل الغش للتهرب من الأجهزة الرقابية". ويؤكد نزيه أهمية دور الأجهزة الرقابية والمعامل والمختبرات الصحية في اكتشاف تلك الجرائم لمنع وصولها إلى أيدى المستهلكين، مشيراً إلى حملات مستمرة لمجابهة الغش الغذائي داخل الأسواق.
وبحسب إحصاء رسمي لجهاز حماية المستهلك خلال يناير الماضي، فإن الجهاز تلقى 11298 شكوى وبلاغاً من المواطنين خلال النصف الأول من الشهر ذاته، وأسفرت الجهود الرقابية عن تنفيذ 389 حملة رقابية والمرور على 5016 منشأة تجارية، وتحرير 1328 محضراً. وتنوعت المخالفات التي ضُبطت بين عدم الإعلان عن الأسعار والبيع بأزيد من السعر المعلن، وتداول سلع مجهولة المصدر أو سلع غذائية تحت أسماء علامات تجارية بالمخالفة للحقيقة.

وخلال يناير الماضي، أعلن رئيس جهاز سلامة الغذاء الدكتور طارق الهوبي ضمن تقرير رسمي أنه نفذ نحو 76.5 ألف مأمورية تفتيش عام 2024، مقارنة بنحو 50.6 ألف مأمورية عام 2023، واستجابت الهيئة لنحو 99.7 في المئة من الشكاوى التي تلقتها منظومة الشكاوى الحكومية في نطاق عمل الهيئة. وبلغ إجمال عدد مأموريات لجان فحص الصادرات البرية 250 مأمورية خلال عام 2024، جرى فحص نحو 1046 رسالة، وسحبت الهيئة نحو 140 ألف عينة من الرسائل الواردة للموانئ.


تهديد للاقتصاد المصري

وعن انعكاس تلك القضية اقتصادياً، يقول المتخصص الاقتصادي مصطفى بدرة لـ"اندبندنت عربية" إن الغش الغذائي يعد أخطر أنواع الغش التجاري، لأنه يمس بطون المصريين مباشرة ويهدد سلامتهم الصحية ويؤثر في الاستثمار الغذائي بمصر، موضحاً أن تلك القضية تنتشر بصورة هائلة في الأسواق النامية التي تعتمد على التقليد والمنافسة غير الشريفة ومحاولة خلق علامات شبيهة بالعلامات الشهيرة ولكن بأسعار وجودة أقل، وهو ما يجعلها تقوم بعمليات التلاعب والغش في الأغذية والمشروبات واستنساخ السلع والمنتجات من ماركات عالمية أملاً في إقبال المستهلكين عليها.

وأقر قانون حماية حقوق الملكية الفكرية غرامات مالية على كل من قلد بهدف التداول التجاري موضوع اختراع أو نموذج منفعة منح براءة عنه، وكل من باع أو عرض للبيع أو للتداول أو استورد أو حاز بقصد الاتجار منتجات مقلدة مع علمه بذلك، وكل من وضع بغير حق على المنتجات أو الإعلانات أو العلامات التجارية أو أدوات التعبئة أو غير ذلك، بيانات تؤدي إلى الاعتقاد بحصوله على براءة اختراع أو براءة نموذج منفعة. ونص القانون على أنه في حال العودة تكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على عامين، وغرامة لا تقل عن 40 ألف جنيه (806.13 دولار) ولا تتجاوز 200 ألف جنيه (4030.64 دولار).

ووفق "بدرة"، فإن "تلك المنتجات المحظورة رديئة الصنع استطاعت أن تحجز لنفسها مكاناً في الاقتصاد غير الرسمي وتحصل على حصة كبيرة من السوق وأصبح لها زبونها، الذي لا يستطيع شراء المنتجات الأصلية بكلفتها العالية ويلجأ إلى المنتجات منخفضة الكلفة، بسبب التضخم وغلاء أسعار السلع، مما جعل تلك المنتجات تغزو الأسواق المصرية بصورة تهدد الاقتصاد الوطني وتضر بالصناعة المصرية بصفة عامة".
وطالب المتخصص الاقتصادي المستهلكين بضرورة التنبه جيداً لتلك الممارسات والألاعيب، وتوخي الدقة في المنتجات والسلع التي تكون أرخص من نظيرتها في الأسواق، أو المعبأة بصورة غير طبيعية، أو تباع في محال "بير السلم"، مشدداً على وجوب أن يتعامل المواطن بإيجابية مع تلك القضية بأن يقوم بإبلاغ الجهات الرقابية المتخصصة بصورة مباشرة في حال اكتشاف مثل تلك الوقائع لمنع انتشارها ولحماية المواطنين من أخطارها.
وفي تقدير "بدرة"، فإنه يمكن مواجهة ظاهرة الغش، عبر مسارين لا ثالث لهما، إما بغلق تلك المنشآت نهائياً والتعامل معها قانوناً، أو تقنين أوضاعها لعدم الإضرار بالعمالة الموجودة بها ومن أجل الحصول على الضرائب والتأمينات.
وأمام اتساع الظاهرة وتفاقمها، تعالت الصيحات والنداءات وانهالت طلبات الإحاطة البرلمانية على مدى الأعوام الماضية للمطالبة بمجابهة تلك القضية الخطرة، فخلال يناير 2023 تقدم البرلماني المصري هشام حسين بمشروع قانون بتعديل القانون رقم 48 لعام 1941، والمعدل بالقانون رقم 281 لعام 1994 في شأن قمع التدليس والغش "قانون الغش"، للمطالبة بتغليظ عقوبات الغش التي تزايدت بصورة كبيرة أخيراً في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، إذ يسعى بعض إلى تحقيق مكاسب بطريق غير مشروع، وتحقيق ثروات بأقل الكلف من طريق التلاعب في الإنتاج، سواء من خلال تقليل الجودة أو استخدام بعض المواد غير المصرح بها.

وخلال فبراير (شباط) 2023، ناقشت لجنة الصناعة بمجلس النواب طلبي الإحاطة المقدمين من النائبين أبو زيد وأحمد مهنى في شأن انتشار مصانع "بير السلم" التي تنتج الأغذية والمشروبات المغشوشة وتستخدم خامات مجهولة المصدر وغير مطابقة للمواصفات بما يهدد سلامة المواطنين ويؤثر سلباً في الصناعة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات