ملخص
ما هو النصر في المعركة؟ سؤال يبدو بسيطاً للوهلة الأولى لكنه يحمل في طياته تعقيداً عميقاً، إذ يتجاوز الحسابات العسكرية المجردة ليبلغ صميم الوعي الجمعي، ويتداخل مع منظومة القيم والدعاية والأيديولوجيا.
ثمة فئة من الناس لا تريد التخلص من الوهم في هذا الزمن الذي بات يستعار فيه النصر من اللغة أكثر مما يصنع في الواقع، زمن تمسي فيه الحرب أداة لإنتاج خطاب لا يقاس بنتائجه الملموسة، بل بما يبنى حوله من أوهام مريحة، وهكذا تحجب الحقيقة خلف شعارات لا تصمد أمام اختبار الوقائع، ويعاد تعريف الهزيمة بوصفها بطولة، لا لأن شيئاً تحقق على الأرض بل لأن القائل اختار أن يرفع الصوت على أن يعترف بالسقوط، فالهزيمة ليست نهاية القوة بل هي في اعتقادي بداية سؤال مرير عن طبيعة الوعي الذي يقبل تحويل الألم إلى أسطورة والمأساة إلى سردية خلاص، وما يمنح للجماهير من عزاء زائف لا يهدف إلا لحجب الانكسار خلف ضباب اللغة، وتكريس مشروع يعتاش على الإنكار لا على البناء.
إن تأمل معنى النصر ليس تمريناً فكرياً بل مدخل لتحرير العقل من قبضة الوهم، وشرط أولي لولادة مشروع لا يبنى على الأنقاض بل ينهض من نقدها، ودعونا نسأل: ما هو النصر في المعركة؟
سؤال يبدو بسيطاً للوهلة الأولى لكنه يحمل في طياته تعقيداً عميقاً، إذ يتجاوز الحسابات العسكرية المجردة ليبلغ صميم الوعي الجمعي ويتداخل مع منظومة القيم والدعاية والأيديولوجيا.
في تعريفه المجرد يقاس النصر في أية معركة بتحقيق الأهداف الإستراتيجية المعلنة أو فرض الإرادة السياسية والعسكرية على الخصم، أو منع الخصم من تحقيق أهدافه بما يؤدي إلى إعادة صياغة الواقع وفق شروط المنتصر، أما الهزيمة فهي الإخفاق في تحقيق تلك الأهداف أو الانكفاء عن الميدان مجبراً أو القبول بشروط الطرف الآخر، ويرى الخبير العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز في كتابه عن "الحرب" أنها "عمل يتسم بالعنف لهزيمة إرادة الخصم وإجباره على الخضوع لإرادة المنتصر".
لكن المفارقة المؤلمة في تجاربنا المعاصرة تكمن في قلب هذه المعادلة، إذ شهدنا ونشهد كيف يصر مؤيدو الطرف المنهزم على تصوير هزيمتهم انتصاراً، على رغم الخراب والدمار والدماء الغزيرة التي أريقت، وعلى رغم انهيار البنية التحتية ومقتل الآلاف، وعلى رغم اضطرار قادتهم للاستسلام أو الخضوع لشروط الخصم.
لقد رأينا ذلك جلياً في تجربة حركة "حماس" في غزة، إذ جرى تسويق النتائج الكارثية للحروب المتلاحقة باعتبارها "نصراً إلهياً" على رغم الفارق الهائل في الخسائر البشرية والمادية، وعلى رغم تدمير مقومات الحياة.
إن المقارنة التي يطرحها بعض الإعلاميين، كما في قول أحمد منصور إن إسرائيل التي هزمت الجيوش العربية في ستة أيام عاجزة منذ 600 يوم عن هزيمة غزة وحركة "حماس"، تبدو للوهلة الأولى مشحونة بالافتخار المقاوم، لكنها حين تفكك على مهل تكشف هشاشة في الفهم الإستراتيجي لمفهومي النصر والهزيمة، فالعجز عن الحسم العسكري لا يعني بالضرورة انتصاراً للطرف الآخر، تماماً كما أن الصمود في وجه آلة القتل لا يتحول تلقائياً إلى نصر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إن اختزال النصر في مجرد البقاء مع تغييب حجم الفاتورة البشرية والدمار الممنهج هو إعادة إنتاج لمفهوم يتغذى على المعاناة لا على الإنجاز، بل الأخطر من ذلك أن يجعل استمرار الحرب وتبعاتها الكارثية على المدنيين مبرراً لتمجيد وهمي يمنع أية مساءلة موضوعية للخيارات السياسية والعسكرية التي أفضت إلى هذا الخراب، فالحقيقة أن المقاومة التي لا تفضي إلى تغيير حقيقي في موازين القوى أو تحصين حياة الإنسان، تصبح في لحظة ما خطاباً مفرغاً من جدواه يعيد إنتاج البؤس تحت لافتة البطولة، وفي هذا السياق فإن التحديق في نتائج الحرب، لا في شعاراتها، هو وحده ما يصنع الفارق بين التقييم العاطفي والتفكير النقدي، لأن الحقيقة، كما نؤمن، لا تنتمي إلى من يصرخ أكثر بل إلى من يتحمل تبعات قراراته أمام شعبه والتاريخ معاً.
واليوم يتكرر المشهد ذاته مع الجماعة الحوثية التي استسلمت للولايات المتحدة الأميركية باتفاق توسطت فيه سلطنة عُمان بعد سلسلة ضربات عسكرية متلاحقة منذ مارس (آذار) وحتى مايو (أيار) الماضيين، وما أعقبها من ضربات قاصمة وجهتها إسرائيل إلى مواقع عدة في عدد من المحافظات اليمنية، لكنها ومؤيديها يحاولون تصوير هذا الاستسلام وكأنه نصر تكتيكي أو مناورة إستراتيجية أو حتى "صمود أسطوري"، بينما الحقيقة الناصعة أن الحوثية رضخت لأوامر طهران ورفعت الراية البيضاء تحت أقدام صانعيها في إيران، ليس حرصاً على اليمن أو دماء اليمنيين بل حفاظاً على مصالح إيران.
وعلى وقع هذا الانكشاف الصريح لا يبدو مستغرباً أن تنزلق بعض الأقلام الإعلامية إلى تلميع هذا الفعل الميليشياوي المجرب، إما عن قصد أو استغراقاً في وهم الحياد، كما في ما كتبه الإعلامي أحمد الشلفي أخيراً، إذ يطرح تساؤلات ظاهرها التحليل وعمقها التطبيع مع سلطة تفرض أمرها الواقع بقوة السلاح، مستخدماً مفردات مثل "الصمود" و"التحدي" في وصف أداء الحوثية، متجاهلاً طبيعتها الانقلابية وتصنيفها كمنظمة إرهابية أجنبية من قبل عدد من الدول في مقدمها الولايات المتحدة، وهو خطأ لا يقف عند حدود اللغة بل يتعداه إلى شرعنة مشروع ثيوقراطي سلالي، يتناقض جوهرياً مع فكرة الدولة الوطنية الجامعة، بل ويطمس حقيقة أن الجماعة الحوثية ليست سوى ذراع خارجية لإيران تسعى إلى تقويض الدولة اليمنية وإبقاء مجتمعها رهينة صراع ممتد يبنى على الأنقاض لا عليها، ولسائل أن يسأل: ما الذي يدفع جماهير الطرف المنهزم وقادته إلى إنكار الهزيمة وتزييف الحقيقة؟
إنها في تصوري حال نفسية مركبة يمكن تفسيرها بعوامل عدة، أولها الخوف من انهيار الرمزية التي تشكلت حول "القائد المنقذ" أو "المشروع المقدس"، إذ يصبح الاعتراف بالهزيمة بمثابة تقويض كامل للهوية السياسية والأيديولوجية التي يلتف حولها الأتباع، وثانيها أن الدعاية الأيديولوجية لا تشتغل بمنطق الوقائع بل بمنطق الإيهام، إذ تغلف الواقع بأوهام "النصر المعنوي" و"الثبات الأسطوري" لتبرير الكوارث وتحويلها إلى وسيلة لاستمرار التحكم بالجماهير، وثالثها أن الاعتراف بالهزيمة يفرض مسؤولية إعادة النظر في المسار كله، وهو ما تخشاه هذه القيادات لأنها تعني ببساطة زوال مشروعها أو سقوط شرعيتها، لذا يجري استبدال الحقيقة بمجازات خطابية وتمارس عملية تزوير ممنهج للوعي الجمعي، يجري فيها تضخيم حدث ثانوي وتحويله إلى "مجد" لإخفاء الهزيمة الكبرى، وفي كلتا الحالين، "حماس" و"الحوثية"، تتشابه النتيجة من خراب في البنية التحتية وتدمير لمقدرات الشعب وارتفاع في أعداد القتلى وخضوع في نهاية المطاف لمعادلات القوة الخارجية وإن كانت غاشمة، بينما يظل الخطاب الموجه للجماهير متشبثاً بشعار "النصر" حتى لو لم يبق شيء على الأرض سوى الركام.
إن هذا الاعتلال في الوعي الجمعي لا يعبر فقط عن أزمة إدراك للواقع بل عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة المشروع السياسي والأيديولوجي ذاته، حين يتغذى على فكرة "المظلومية" و"العداء الدائم" أكثر مما يتغذى على برامج واقعية لبناء الدولة وتحقيق التنمية وحماية الإنسان.
الحقيقة لا تحتاج إلى تزييف، والنصر الحقيقي في تصوري اليقيني هو الذي ينعكس أثره على الأرض في صورة سلام وأمن وعدالة وتنمية وكرامة للشعب، لا في صورة مزيد من الدمار والموت والمعاناة تحت شعارات زائفة، وهكذا فإن أخطر ما في الهزيمة ليس سقوط السلاح بل انهيار الوعي تحت وطأة خطاب زائف يعيد إنتاج الاستبداد باسم النصر، ويحيل المأساة إلى قدر أبدي تتوارثه الأجيال.
إن تحويل الهزيمة إلى "نصر رمزي" ليس مجرد خداع للجماهير بل تأسيس لسلطة تستمد شرعيتها من استمرار الخراب وتستبقي وجودها بإدامة الصراع، حتى يصبح الموت هو الحياة والقهر هو الهوية، وما لم يكسر هذا الحاجز النفسي والسياسي معاً فستظل الأمة حبيسة دائرة مغلقة يتجدد فيها الخراب باسم "الصمود"، ويتحول فيها المشروع السياسي إلى طقوس عبثية بلا غاية.
الحقيقة وحدها هي الثورة الأولى والاعتراف بالهزيمة مهما بدا مؤلماً، فهو الشرط الضروري لولادة مشروع وطني جديد لا يستمد شرعيته من شعارات الحرب بل من بناء السلام، سلام لا يساوم على العدالة ولا يتواطأ مع الوهم ولا يخشى مواجهة مرآة الذات، ففي النهاية ليس النصر أن ترفع الراية فوق الركام بل أن ترفع الإنسان فوق أنقاض الخراب، نحو أفق يصنعه الوعي وتؤسسه الحقيقة.