ملخص
تزايد التهديدات العالمية وانكفاء الدور الأميركي يدفع الناتو وبريطانيا نحو تصعيد الإنفاق العسكري، ما يثير جدلاً داخلياً حول التوازن بين الأمن والرفاه الاجتماعي، في ظل لا مبالاة شعبية مقلقة خاصة بين الشباب. بين تحذيرات من استغلال روسيا والصين لهذا التراخي، وتجارب أوكرانيا وبولندا في الحشد الوطني، تبدو بريطانيا أمام خيار صعب: الدفاع عن الديمقراطية أو التراجع أمام أعدائها.
يتصاعد إيقاع طبول الحرب داخل حلف شمال الأطلسي يوماً بعد يوم. وزاد الأمين العام للحلف مارك روته من هذا الضجيج بقوله "علينا أن نذهب أبعد وأسرع"، في توسيع الترسانة العسكرية الأوروبية.
ومع تقلص الدور الأميركي ومطالبتها الحلفاء عبر الأطلسي بتحمل مسؤولية أكبر، لا يمكن للأخطار التي تحيق بالقارة أن تكون أكبر.
لكن زيادة الإنفاق الدفاعي إلى مستويات تعود إلى حقبة الحرب الباردة يعني بالضرورة تقليص التمويل المخصص للصحة والتعليم والأمن، أي الأمور التي تمس حياة الناس فعلاً.
كما يعني تدفق مزيد من الأموال إلى الحلقة المفرغة المشبوهة المرتبطة بعقود التسلح، إذ ينتقل مسؤولون حكوميون وساسة سابقون إلى وظائف مربحة في شركات الدفاع، التي تفرض أثماناً باهظة على دافعي الضرائب البريطانيين مقابل معدات عسكرية رديئة.
ويعني ذلك أيضاً أن القرارات الاستراتيجية تترك في أيدي الجنرالات والأميرالات وقادة سلاح الجو، الذين كثيراً ما يقدمون مصالح قطاعاتهم على حساب المصلحة الوطنية، وهم أنفسهم من تسبب في الفشل الفوضوي للجهود البريطانية داخل العراق وولاية هلمند الأفغانية.
وإذا ما تم بلوغ هدف إنفاق 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع –وهو ما يعده الناتو ضرورياً– فسنصبح جميعاً أكثر فقراً بسبب ارتفاع الضرائب.
إنها فكرة سيئة من الأساس. لكن البدائل أسوأ بكثير.
وصرح السير كير ستارمر بأن بريطانيا ستسعى، كما يأمل، إلى إنفاق ما يصل إلى ثلاثة في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع "لجعل بريطانيا أكثر أماناً وقوة، وأمة جاهزة للمعركة، ومحصنة، وضمن أقوى التحالفات، ومزودة بأكثر القدرات تطوراً".
رئيس الوزراء البريطاني يدرك تماماً جوهر المسألة. فهو يعلم أن بريطانيا وسائر أوروبا وكندا اعتمدت على دافعي الضرائب الأميركيين، لتأمين حمايتها طوال عقود.
واليوم، هناك خطر داهم واضح مصدره روسيا. أما الصين، فتمارس مناورات ذكية، لكنها تعزز قدراتها العسكرية بوتيرة مخيفة. ولا يزال الإرهاب الإسلاموي مشكلة قائمة (ومن المرجح أن يتفاقم بسبب الحرب في غزة).
أما التغير المناخي فيسهم في إذكاء النزاعات، بكل ما للكلمة من معنى، من أقصى الأرض إلى أقصاها. فالتنافس على الموارد الشحيحة فوق كوكب أفسدته أيدي البشر سيشتد.
مشكلة ستارمر لا تكمن في غياب البصيرة الاستراتيجية، ولا في تردده عن قرع جرس الإنذار. مشكلته، التي يشترك فيها مع سائر السياسيين الأوروبيين، باستثناء بولندا وبعض دول البلطيق على خطوط التماس، أن ناخبيه ببساطة لا يهتمون للأمر.
أما في أوساط الناخبين الشباب، فالنظرة تجاه الدفاع الوطنية أكثر قتامة. فقد أظهر استطلاع أجرته صحيفة "ذا تايمز" خلال وقت سابق هذا العام أن 41 في المئة من البريطانيين الذين تراوح أعمارهم ما بين 18 و27 عاماً قالوا إنه لا يوجد أي ظرف يمكن أن يجعلهم يقاتلون من أجل وطنهم.
يعد الشباب المؤمنون بالمثل العليا عصب الديمقراطية. صحيح أن اعتقاد 48 في المئة منهم أن المملكة المتحدة دولة عنصرية هو إدانة صريحة لحال البلاد، لكنه أيضاً مؤشر إلى نية هؤلاء الشباب في تصحيح هذا الواقع المخزي.
غير أن رفض القتال دفاعاً عن الحريات التي تضمنها الديمقراطية هو نوع من التراخي المترف الذي تراهن عليه قوى معادية كروسيا والصين. فهم ليسوا مجرد منافسين، بل أعداء. إنهم يريدون ما نملك من موارد وأراض ورأس مال وذهب، بنفس الجشع والحماسة اللذين استخدمهما البريطانيون لبناء إمبراطوريتهم.
يقول الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني "MI6" السير أليكس يونغر لـ"اندبندنت"، "لقد خضنا بصورة لا تُغتفر حروباً اخترناها بإرادتنا، فرضت تضحيات لا ضرورة لها على شبابنا، مما زرع قدراً كبيراً من السخرية من فكرة الجهد الجماعي في الدفاع عن الوطن".
وأضاف "أعتقد أننا أصبحنا نشبه الجيش بفريق كرة القدم الإنجليزي، يذهبون هناك ويقومون بعملهم، ونحن نشاهده عبر التلفزيون، وهذا أمر لم يعد مقبولاً".
لدى السير أليكس أبناء في سن الخدمة العسكرية.
وأنا كذلك. فكرة أن يستدعى ابني وابنتي وأصدقاؤهما للقتال ضد روسيا، تسلب النوم من عيني.
لو كانوا أوكرانيين، لكان كثير من الشباب الطيبين والأذكياء والواعين والتقدميين الذين يحيطون بأولادي لقوا حتفهم الآن.
حاولت أوكرانيا أن تقي أبناء الجيل "زد" من أهوال الحرب، عبر تجنيد الأكبر سناً أولاً. وخلال العامين أو الثلاثة الماضية، كان متوسط أعمار الجنود في الخطوط الأمامية 43 سنة. وفي المقابل، كان متوسط أعمار الجنود الأميركيين الذين قتلوا في حرب فيتنام نحو 20 سنة.
لكن عدداً من الشباب الوطنيين، أولئك الذين وقفوا في وجه التقدم الروسي خلال الأيام الأولى من الغزو الشامل عام 2022، والتحقوا بوحدات الاستطلاع وتمكنوا بجرأة استثنائية من تعطيل أرتال القوات الروسية، باتوا اليوم في عداد القتلى.
"نموت دفاعاً عن ديمقراطيتكم"، هكذا قال لي في خاركيف العام الماضي مبرمج كمبيوتر سابق يحمل الاسم الحركي "الغاضب". كان أحد جنود الاستطلاع الذين تصدوا لأرتال بوتين ضمن وحدة ذاتية التنظيم تنقلت في شاحنات صغيرة مستعارة.
سرق دبابة روسية من طراز T-80 واستخدمها في تدمير 14 مركبة مدرعة في ليلة واحدة، وشارك في معارك "مفرمة اللحم" الدامية في باخموت، وتعرض لإصابة بطلق ناري في فخذه. وهو اليوم يتولى قيادة تطوير الطائرات المسيرة ضمن عصر جديد من الحروب.
"الغاضب" من نوعية المحاربين الذين يحب الشباب تقمص شخصياتهم في ألعاب الفيديو، أو في قصص الحنين إلى بطولات القوات الخاصة البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تتجه بولندا إلى تخصيص 4.7 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع، وتوسع قواتها المسلحة، ويحظى هذا التوجه بتأييد ما لا يقل عن 70 في المئة من السكان. أما فنلندا بحدودها الطويلة مع روسيا وذاكرتها المليئة بما ارتكبته القوات الروسية خلال الماضي (شأنها شأن بولندا)، فتفرض على الذكور جميعاً أن يخدموا ما بين ستة أشهر و12 شهراً في الجيش.
في المقابل، تفشل بريطانيا حتى في بلوغ الهدف المتواضع المتمثل في تجنيد 73 ألف رجل وامرأة للخدمة في القوات البرية. أما العدد الإجمالي لأفراد قواتها المسلحة، بما يشمل البحرية وسلاح الجو، فلا يتجاوز 182 ألفاً، أي أقل بنحو 20 ألفاً من عدد أفراد مشاة البحرية الأميركية وحدها.
نعم، لدى بريطانيا مشكلاتها. فهي أمة تعاني خللاً عميقاً وديمقراطيتها غير مكتملة وتكبلها الطبقية وينخرها الحنين إلى ماضيها الإمبراطوري، ولا تحقق ما يمكن أن تكون عليه فعلياً في كثير من الجوانب.
لكنها تملك الحرية. أما روسيا بقيادة بوتين والصين بزعامة شي والمتطرفون الإسلامويون والقوميون المسيحيون المتشددون في أميركا، فلا يحبون الديمقراطية ولا يحترمون الحريات التي تكفلها.
هؤلاء يستخدمون الحرب الهجينة ومنصات التواصل الاجتماعي والتغلغل في النخب السياسية، والجبروت العسكري المباشر لتقويض ما لدينا، ثم الاستيلاء عليه.
وكما هي الديمقراطية نفسها، فإن زيادة الإنفاق الدفاعي تمثل الخيار الأقل سوءاً المتاح لبريطانيا.
© The Independent