Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"سلطة من نوع مختلف"... دليل جاسيندا أرديرن للحكم

كتاب جديد لرئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة تقدم فيه نموذجاً للقيادة بالطيبة والحنان

كانت قناعة أرديرن قائمة على أن الساسة بشر في المقام الأول وأن الشعب ربما لم يفقد رؤيته لذلك (اندبندنت عربية)

ملخص

صدرت السيرة الذاتية لجاسيندا أرديرن حديثاً بعنوان ملائم للغاية هو "سلطة من نوع مختلف" عن دار كراون في أكثر من 350 صفحة.

كانت بينظير بوتو أول رئيسة دولة في تاريخ العالم تضع طفلاً وهي في السلطة. والعهدة في هذه المعلومة على سيرة ذاتية صدرت حديثاً لسياسية تصادف أنها كانت ثاني رئيسة دولة في تاريخ العالم تضع طفلاً وهي في السلطة، إذ تكتب جاسيندا أرديرن، البالغة من العمر 44 سنة، ورئيسة وزراء نيوزيلندا في الفترة من 2017 إلى 2023 عن حملها.

تقول آردرين، "كنت قد هيأت نفسي للأسوأ. كنت شخصية عامة، معتادة على الأحكام والمراقبة، وحدث أن حملت دونما زواج. وفضلاً عن ذلك، كنت في ذلك الوقت حديثة العهد بوظيفتي. ولو شاء الناس أن ينالوا مني، فقد توافرت لهم الأسباب بغزارة، لكنني لم أضع في حسباني حقيقة أصيلة، هي أن الساسة بشر في المقام الأول، وأن الشعب ربما لم يفقد رؤيته لذلك، وأنه في بلد جميل مثل نيوزيلندا، ربما لم يفقد خبر الحمل السعيد طبيعته البسيطة: وهي أنه خبر سعيد".

"جاء خبر الإعلان عن حملي في يناير (كانون الثاني) من عام 2018 طاغياً، وبدأ الأمر بكثير من الرسائل الإلكترونية، ففي غضون 24 ساعة من ذيوع الخبر، قالت لي المسؤولة عن مراسلاتي إنها لم تشهد من قبل مثل هذا الطوفان. وصلت إلى المكتب أيضاً هدايا مصنوعة يدوياً، وأقام فريق المراسلات طاولة لعرض الهدايا، وفي غضون أيام قليلة امتلأت الطاولة. وعلى رغم كل هذا الدعم، أضاف حملي ضغطاً عليَّ. كنت ثاني رئيسة دولة في تاريخ العالم ترزق بطفل وهي في السلطة، والأولى كانت بينظير بوتو، وهي أول امرأة رأست باكستان، وفي عام 1990 بعد عامين من ولايتها الأولى أنجبت طفلة. لم يجل بخاطري أن عيون العالم تتابعني، ولكن الرافضين كانوا يتابعون، أولئك الذين كانوا يتربصون لكي يقولوا: أترين؟ لا يمكنك القيام بوظيفة شاقة كهذه وتكونين أماً أيضاً".

صدرت السيرة الذاتية لجاسيندا أرديرن حديثاً بعنوان ملائم للغاية هو، "سلطة من نوع مختلف" عن دار كراون في أكثر من 350 صفحة. ولعل توقيت النشر نفسه لا يقل ملاءمة عن العنوان. ففي وقت تشيع فيه خيلاء الحكام وتهديداتهم ويمتلئ الخطاب السياسي باستعراض القوة، تأتي رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة لتجعل من سيرتها الذاتية منصة تستغلها في الإقناع بقضية "التعاطف"، بحسب ما تكتب فرانسيس ستيد سيلرز.

 

 

تكتب سيلرز في استعراضها الكتاب في صحيفة "واشنطن بوست" ونشرته في الأول من يونيو (حزيران) الجاري، أن كتاب "سلطة من نوع مختلف" يروي قصة زعيمة بالصدفة، "امرأة قهرت شكها الدائم في نفسها وأصبحت رئيس الوزراء الـ40 في تاريخ بلدها، ثم ألزمت نفسها في المقام الأول رعاية مواطنيها، وحينما شعرت أن قوتها وهنت، قررت ببساطة أن تستقيل. وعلى رغم أن أردرين ترفض تصنيفها تحت لافتة ’نقيض ترمب’ التي اشتهرت بها، فإن كتابها الجديد رفض ضمني لأسلوب القيادة التسلطي المستشري في العالم".

في حوار أجرته كاثرين فاينر أخيراً مع جاسيندا أرديرن، منشور في صحيفة "ذي غارديان" في الـ31 من مايو (أيار) الماضي قالت فاينر ما لعله يفسر لقب "نقيض ترمب" إذ كتبت أن "آردرين وترمب دائماً ما يبدوان شبيهين بالين واليانغ، فقد توليا السلطة عام 2017، وألقى كل منهما كلمته الأولى في الأمم المتحدة على مسافة ثمانية أيام من الآخر، لكنهما تبنيا موقفين سياسيين وثقافيين متناقضين إزاء كل شيء تقريباً".

لم تكن جاسيندا أرديرن تبشر في نشأتها المبكرة بقائدة منتظرة. نشأت في وسط ديني محافظ، فكان ذووها ينتمون إلى طائفة المورمون، وهي تصور نفسها في الكتاب تلميذة مجدة لا فذة، وبوصفها ابنة حساسة لأب يعمل ضابط شرطة في بلدة صغيرة. ثم ثبت أنها مجادلة موهوبة في المناظرات، وسرعان ما فهمت أن السبيل الأمثل لحماسها للعدل الاجتماعي ـ وحقوق المثليين ورعاية الأطفال والنضال في أزمة المناخ ـ هو التغيير السياسي.

تكتب فرانسيس ستيد سيلرز أن صعود جاسيندا أرديرن جاء متدرجاً إلى أن حدث عام 2017 أن أصبحت نائبة لرئيس حزب العمال التقدمي ثم رئيسة له بعد تنحي آخرين، وبعدها تسارعت الوتيرة، فـ"بعد أشهر قليلة، أصبحت رئيسة للوزراء بعدما أقنعت محادثات تالية للانتخابات حزباً ثالثاً صغيراً بأن يضم حزب العمال لتشكيل حكومة ائتلافية، وكانت آردرين في الـ37 سنة آنذاك [فهي أصغر امرأة في العالم آنذاك تتولى قيادة بلد]، وهي غير متزوجة، وحديثة الحمل بعد علاج للخصوبة، ومضت في نهج قيادي يبدو عند النظر إليه بأثر رجعي أنه كان شديد الراديكالية، فهو نهج يبدو أشبه بنسخة معاصرة من نهج الرئيس الأميركي المؤسس أبراهام لينكولن. فكانت تتبنى نهجاً في القيادة لا يكن ضغينة لأحد".

تكتب آردرين بحسب ما تنقل عنها سيلرز أن "للطيبة سلطاناً وقوة لا يكاد ينعم بهما شيء آخر في هذا العالم... ولقد رأيت بنفسي أن الطيبة تحقق أموراً استثنائية. رأيتها تبث في الناس الأمل، وتغير الآراء، وتبدل الحياة... وكان هذا هو المبدأ الهادي لي في مواجهة كل ما واجهني".

توضح فرانسيس ستيد سيلرز في نهاية مقالها أن كتاب "سلطة من نوع مختلف" يترك قارئه أمام سؤال مزعج، هل بوسع شخص يولي هذه الأهمية للطيبة، ويبدي هذه القدرة على التعاطف خلال الكوارث والأزمات، أن يتصدى حقاً لقيادة بلد، ويحتمل أعباء ذلك، وبخاصة في عالمنا الحديث، الذي يطغى فيه القبح والكذب على الحقائق؟

لقد كان الهدف الذي وضعته أرديرن لنفسها، والنهج الذي ألزمت نفسها اتباعه، مثيرين للإعجاب بقدر صعوبة إخضاعهما لمقاييس النجاح. "والحق أن أرديرن رفضت بعض المقاييس الكمية من قبيل تحديد هدف معين لتقليص معدلات الانتحار، لأنها لم تقبل احتمالية وجود أية حالات انتحار أصلاً. وقد حافظت على تعاطفها في مواجهة سلسلة اختبارات مدوية تصدرت صحف العالم، من قبيل تفشي مرض أدى إلى ذبح قطعان من الماشية، وإطلاق نار جماعي في مسجد كرايست تشيرش، واندلاع بركاني أحرق سياحاً، وحلول وباء عالمي".

"كانت إدارة أردرين لأزمة كورونا هي التي حققت لها ثناءً عالمياً مستحقاً، إذ انكبت على دراسة بيانات الصحة العامة قبل أن تفرض إجراءات صارمة للاحتواء، من قبيل إغلاق الحدود في وجه غير المواطنين، وإعداد مناطق حجر صحي للمسافرين العائدين، كذلك تصميم برنامج إنذار محلي ذكي للتحكم في انتشار الفيروس، وأيدت برنامج تعقب شامل للمخالطين. كانت نتيجة إستراتيجية آردرين الدقيقة مذهلة، إذ تمكن البلد من الحد من انتقال العدوى في غضون أشهر والحفاظ على معدلات إصابة ووفيات منخفضة إلى أن توافرت اللقاحات. وبعد عام من التفشي، أي في وقت خسر فيه بلد كالولايات المتحدة مئات الآلاف من الأنفس، سجلت نيوزيلندا 25 حالة وفاة فقط تكتب عنهم أرديرن ’إنني أعرف قصصهم وظروف معظمهم‘".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتشير فرانسيس ستيد سيلرز إلى أن كتاب أرديرن يراوح ما بين السيرتين السياسية والمنزلية. فهي تكتب عن قيادتها البلد بوصفها امرأة، مثلما تكتب عن الموازنة العسيرة بين العمل ومسؤوليات البيت عبر حكايات ستجد صدى لدى أية أم عاملة، من قبيل حكاياتها عن مضخات الثدي، وإعداد كعك عيد الميلاد والأزمات المجهولة التي تحيط بتربية طفل، وتحكي أيضاً عن موافقتها الغريبة على طلب من إحدى المجلات لتصويرها مرتدية زي ضبط الجسم الذي يعرف بالـ(شيب واير)، مثلما تحكي عن "انهيارها" حينما زارت ضحايا مسجد كرايست تشيرش.

"لقد كان لديها من الحنكة السياسية ما جعلها تستغل عواطفها في تحفيز العمل السياسي، من قبيل إصدارها تشريعات جديدة للأسلحة النارية فقللت عدد طلقات بنادق الصيد، ثم دعوتها لعمالقة التكنولوجيا من أمثال مارك زوكربيرغ من ’فيسبوك‘ وبراد سميث من ’مايكروسوفت‘ للمساعدة في القضاء على المحتوى المتطرف على الإنترنت ضمن ما عرف لاحقاً باسم ’دعوة كرايست تشيرش للعمل‘".

"غير أن الخصال التي كانت وقوداً لقيادة أرديرن كانت أيضاً تهديداً لنجاحها. فقد كان والدها يراها أشد حساسية من أن تصلح للسياسة. وفي هذا تكتب آردرين أنها تعلمت من هيلين كلارك ـ وهي رئيسة وزراء سابقة لنيوزيلندا ـ أن بوسع المرأة أن تنتظم في السياسة لكن أحداً لم يعلمها أن ’من الممكن أن تنجو المرأة على رغم فرط حساسيتها‘".

"وفي يناير من عام 2023، أعلنت أرديرن تنحيها عن السلطة. وفي بعض المواضع يبدو هذا الكتاب وكأنه تبرير لهذا القرار الذي فوجئ به كثر، لكن لعل القرار لم يكن أكثر من خطوة ذكية لحفظ ماء الوجه، فحزب العمال التابع لها، الذي حقق فوزاً انتخابياً ساحقاً في 2020 مما أتاح له تشكيل حكومة غالبية للمرة الأولى منذ عام 1996، واجه بعد أشهر من استقالتها عام 2023 هزيمة انتخابية مدوية".

"غير أن مطالب الحياة العامة الكثيرة أجهدت أرديرن، بخاصة مع ازدياد المعلومات المضللة وبلوغ فقدان الثقة في الحكومة وفي العلم مستوى غير مسبوق، وإثر خوف عابر من سرطان الثدي، وشروع ابنتها نيفي ـ البالغة من العمر خمس سنوات الآن ـ في طرح أسئلة عن عمل والدتها تثير فيها إحساساً بالذنب، خطرت لآردرين فكرة وجدت فيها حريتها: ’قد يكون بوسعي أن أغادر‘".

 

 

إلا أن في مسيرة أرديرن المهنية قبل الاستقالة لحظة بالغة الدلالة خلال إدارتها لأزمة وباء كورونا، وهي لحظة تبرزها آلي كاتيرول في استعراضها الكتاب (أنفلونس أونلاين- 30 مايو الماضي) إذ حدث في مطلع 2020، خلال جلسة إحاطة وطنية أن "أعلنت عن إضافة عاملين إلى قائمة العمال الضروريين" أي العمال الذين يجب أن يستمروا في العمل على رغم الإغلاق. قالت أرديرن "سيكون من دواعي سروركم أن تعلموا أننا بتنا نعد كلاً من جنيه الأسنان وأرنب عيد الفصح من العمال الضروريين". هكذا طمأنت رئيسة الوزراء أطفال بلدها إلى أن العمل سيستمر فتضع جنيه الأسنان عملة أسفل وسادة كل طفل يفقد سناً لبنياً وأن أرنب عيد الفصح سيستمر في إمدادهم بالحلوى والدمى. "ولكنها ذكرت الأطفال في لطف بأن توصيل العاملين لعطاياهما قد يواجه بعض التأخير... ’إذ يمكنكم أن تتخيلوا أنهما في وقتنا هذا مشغولان كثيراً في بيتيهما مع أسرتيهما وأرانبهما الصغار‘". وتعلق آلي كاتيرول على هذه الواقعة بقولها، "مختلفة، كان لها دائماً طريقها الخاص الذي تسلكه".

وتنبه آلي كاتيرول إلى أن حكم أرديرن كان "تحولاً جذرياً عن السياسة الحديثة الشعبوية المثيرة للانقسام. فليس من قبيل المصادفة أنها لقبت بنقيض ترمب". وتشير كاتيرول التي تكتب في صحيفة نيوزيلندية إلى أن أول رد فعل اتخذته أردرين عقب الهجوم على مسجد كرايست تشيرش ومقتل 51 شخصاً كان أن "سنت حكومتها قوانين شاملة للحد من الأسلحة" وذلك في غضون ستة أيام فقط من وقوع الهجمة. وتشير كاتيرول أيضاً إلى أن قرار أرديرن بـ"الحصول على إجازة أمومة مع قيام شريكها كلارك كلارك غايفورد بمهام الرعاية الأساسية لابنتهما نيف كان قراراً ثورياً" بقدر قرار الحد من السلاح، "فضلاً عن استعمالها منصبها في الأعوام التالية لمناصرة قضايا تغير المناخ وفقر الأطفال والمساواة الجندرية".

قد أخاطر فأقول إن هذا هو المنتظر ـ أو ما أنتظره أنا في الأقل ـ من تولي امرأة منصباً قيادياً في بلد، أو في مؤسسة كبيرة، وإن إدارة مارغريت تاتشر مثلاً، أو أنغيلا ميركل بدرجة أقل، لا يجعلني أفكر فيهما بوصفهما "امرأتين" نجحتا في قيادة بلديهما، فما المميز في أن تأتي امرأة لتتولى الحكم في بلدها لتفعل بالضبط ما كان ليفعله رجل في مكانها؟ قد أخاطر فأقول إن ما يحتاج إليه العالم حقاً من النساء ليس أن يحكمنه منتصرات لجنسهن، أو لإظهار قدرتهن على أن يكن رجالاً، وإنما أن يحكمنه منتصرات لأمومتهن. قد أخاطر فأقول إنني أنحاز للأمومة ضد النسوية والذكورية على السواء. ولو أن هذا حقاً هو النهج الذي اتبعته أردرين في حكمها وقيادتها بلدها فهي لا تمثل فقط سلطة من نوع مختلف، وإنما سلطة من نوع نحن في أمس الاحتياج إليه مهما يكن البلد الذي نعيش فيه، ومهما يكن جنس الحاكم الذي يتولى حكمه.

تنهي آلي كاتيرول مقالها بقولها إنه على رغم أن "سلطة من نوع مختلف" قد يعد كتاباً سياسياً، فإنه مؤثر وحكيم وطريف في كثير من الأحيان، وهو أيضاً أكثر من سيرة سياسية، فهو في حقيقته دعوة إلى نوع بديل من القيادة تمتد جذوره إلى الطيبة والحنان. لقد قالت أرديرن إن السلطة الحقيقية تكمن في القدرة على القيادة بإنسانية ومحبة. وكتبت في كلمتها الأخيرة التي ألقتها أمام البرلمان في بلدها، "ليس بوسعي أن أحدد ما ستوصف به فترتي في هذا المكان. لكن أرجو أن أكون قد أثبت شيئاً، هو أن بوسع المرأة أن تكون قلقة وحساسة وطيبة ومفضوحة المشاعر، بوسعها أن تكون أماً أو لا تكون. أن تكون أي شيء، ولا تكون هنا وحسب، وإنما أن تكون قائدة أيضاً، مثلي تماماً".

عنوان الكتاب:  A Different Kind of Power

تأليف: Jacinda Ardern

الناشر: Crown

المزيد من كتب