ملخص
أشارت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن القوات الروسية تتقدم هذه الأيام بأسرع وتيرة خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما يشير إلى أن "هجوم الكرملين الصيفي بدأ بالفعل". ومع ذلك، وعلى رغم النجاحات المحلية في ساحة المعركة فإن وتيرة التقدم لا تزال بطيئة، بحسب المحللين. ويتوقع عدد من الخبراء العسكريين أن تحقق روسيا نصراً خلال الأشهر المقبلة من شأنه أن "يغير مسار الحرب".
تحت جنح مفاوضات السلام التي اختتمت جولتها الثانية في إسطنبول خلال الثاني من يونيو (حزيران) الجاري بنتيجة "تعادل سلبي"، يشهد ميدان القتال بين روسيا وأوكرانيا هجوماً واسع النطاق غير معلن، إذ يحاول الجيش الروسي السيطرة على منطقة سومي ومحيط مدينة خاركيف شمال شرقي البلاد ويضغط للاستيلاء بالكامل على ما تبقى من أراض تحت سيطرة الجيش الأوكراني في دونيتسك. ويحدث كل هذا في ظل أزمة إنسانية متزايدة ودعم غير مستقر لأوكرانيا من الغرب.
وأطلقت روسيا مرحلة جديدة من هجومها في دونباس بهدف احتلال منطقة دونيتسك بالكامل -وهي الأهداف التي تسعى موسكو لتحقيقها منذ بداية الحرب الشاملة، بحسب ما قاله محللون عسكريون أوكرانيون وغربيون لصحيفة "واشنطن بوست". ويأتي تصعيد العمليات العسكرية في ظل ركود الجهود الدبلوماسية وفشل الوسطاء الأميركيين في تحقيق اختراق، ويتجاهل الكرملين عمداً الدعوات الغربية المتوالية لوقف إطلاق النار الفوري، بحسب ما كتبت الصحيفة الأميركية.
منطقة عازلة
تتحدث وسائل الإعلام الروسية والأوكرانية عن تكثيف العمليات الهجومية للجيش الروسي، ويبدو للوهلة الأولى أن المسؤولين في كييف وموسكو يفسرون الوضع في ساحة المعركة بصورة مختلفة، على رغم أن المراقبة الدقيقة تشير إلى أن كل شيء يشير إلى تصعيد التوترات العسكرية.
في نهاية الأسبوع الماضي، أعلنت وزارة الدفاع الروسية على خلفية ضربات ضخمة على أهداف أوكرانية، أثارت استياء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنها بدأت بعد "تحرير منطقة كورسك من العدو" الذي أعلن عنه نهاية أبريل (نيسان) الماضي "إنشاء منطقة أمنية على طول الحدود الدولية". وفي الوقت نفسه، أفادت الوزارة بـ"تحرير" عدد من البلدات والتقدم في منطقتي سومي وخاركيف، مؤكدة أن القوات الروسية "تواصل تقدمها لإنشاء "منطقة صحية" وضمان سلامة السكان المدنيين في المناطق الحدودية الروسية.
حقيقة أن روسيا تريد إنشاء منطقة عازلة في سومي، وكذلك في منطقتي خاركيف وتشرنيغوف، تم الحديث عنها منذ أكثر من شهر، وفي أوائل أبريل أعلن مسؤولون عسكريون أوكرانيون أن موسكو صعدت عملياتها الهجومية داخل منطقتي سومي وخاركيف. وحذرت مصادر عسكرية من أن "تصعيد الهجوم الروسي" قد يحدث خلال يونيو الجاري.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى هذه الخلفية، فإن التصريحات الأخيرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين جديرة بالملاحظة. ففي اجتماع مع مسؤولين حكوميين خلال الـ22 من مايو (أيار) الماضي، قال إنه "اتُّخذ قرار بإنشاء منطقة عازلة أمنية ضرورية على طول الحدود"، مضيفاً أن "العمل جار". وخلال اليوم السابق، أصرت سلطات كورسك في محادثة مع بوتين على ضرورة ضم منطقة سومي، مما لم يرد عليه سوى بنكتة.
قضم الأراضي
هل تهدف روسيا حقاً إلى السيطرة على منطقة أو أكثر في أوكرانيا؟ هذا هو السؤال، لكن يزعم أن مسؤولين في موسكو ألمحوا إلى هذا ضمن المحادثات الأخيرة في إسطنبول. وفي حديث مع وسائل الإعلام، حذر رئيس لجنة الدفاع في مجلس النواب الروسي (الدوما) أندريه كارتابولوف من أن الأوضاع في أوكرانيا تتدهور يومياً. وبحسب قوله فإن رفض حل الصراع سلمياً سيؤدي إلى حرمان البلاد من أوديسا وسومي وخاركيف وغيرها من الأراضي.
وأفاد القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية ألكسندر سيرسكي السبت الماضي بأن الجيش الروسي ركز جهوده الرئيسة في عدة اتجاهات خلال وقت واحد، وكذلك داخل المناطق الحدودية في منطقة سومي. وعلاوة على ذلك، تكثفت الجهود بصورة كبيرة في اتجاه زابوريجيا، حيث تُنفذ العمليات الهجومية. وأضاف سيرسكي أن الجيش الأوكراني يواصل عملياته في اتجاه كورسك، حيث "تحتفظ روسيا بأفضل وحداتها"، والتي يزعم أنها تخطط لنشرها في الشرق.
وتعترف قناة "أرخانغيل سبيتسناز" الروسية على تطبيق "تيليغرام" بأن الوضع في منطقة الحدود داخل منطقة كورسك "لا يزال صعباً، حيث تهاجم القوات المسلحة الأوكرانية في مجموعات صغيرة دون توقف عملياً". وفي الوقت نفسه، يصر المحللون المؤيدون للحرب على أن العمليات الهجومية النشطة داخل أوكرانيا تجري "في كل الاتجاهات تقريباً".
هجوم روسي على سومي وخاركيف!
من دون إعلان أو بيانات عسكرية توسع القوات الروسية هجومها باتجاه مقاطعتي سومي وخاركيف، بعد استرجاعها الشهر الماضي للأراضي الروسية التي استولت عليها القوات الأوكرانية في عمق مقاطعة كورسك الروسية. قادة القوات المسلحة الأوكرانية يدفعون وحدات "موبيك" التي انسحبت تحت النيران من كورسك إلى حافة الهاوية. وفي منطقة سومي، أقدم عدد من الجنود الأوكرانيين الذين تمت تعبئتهم على الانتحار بسبب زيادة الضغط، ويتعرضون لضغوط من قبل دوريات الحدود القومية وأوامر القيادة.
ونقلت وكالة أنباء "ريا نوفوستي" عن ممثلي الحركة المناهضة للفاشية أن "عدداً من العسكريين الأوكرانيين المعبأين انتحروا في المواقع التي تسيطر عليها القوات المسلحة الأوكرانية داخل منطقة سومي، لعدم قدرتهم على الصمود من ناحية في وجه وابل نيران المدفعية وضربات الطائرات من دون طيار التي تشنها القوات المسلحة الروسية، ومن ناحية أخرى ضغط مفارز الحجب القومية والأوامر اللاإنسانية من قيادة كييف"، بحسب ما ذكرت الوكالة.
وأوضحت أيضاً أن الفوشنيك ممنوعون من حيث المبدأ من مغادرة مواقعهم، لذا فإن هذه الأخبار ليست إيجابية تماماً، لكنها مؤشر. إن "المعبأين" الأوكرانيين أقل شحناً أيديولوجيا، وربما يكون من الصعب إجبارهم على القتال من أجل أولئك الذين أجبروهم على ركوب "حافلة صغيرة"، بعد أن ضربوهم وسحبوهم إلى الخنادق، وبسبب إدراك عدم جدوى مقاومة الهجوم الروسي تقع مثل هذه الحوادث أيضاً.
وعلى خلفية نجاحات القوات الروسية في منطقة سومي، فإن مثل هذه الانهيارات بين جنود القوات المسلحة الأوكرانية تبدو طبيعية. فقد تمكنت القوات الروسية بالفعل من السيطرة على بلدات فلاديميروفكا وكونستانتينوفكا، واقتربت الوحدات الروسية بالفعل من فودولاغا. وتحلق صواريخ "لانسيت" و"إسكندر" الروسية فوق مواقع القوات المسلحة الأوكرانية ومواقع تدريب هذه القوات وتنفجر، وليس لديهم مكان للاختباء. وأما أولئك الذين هم أقل حظاً فيلقون في هجمات انتحارية من أجل عبور الحدود مع منطقة كورسك.
ولذلك، فإن أفراد القوات المسلحة الأوكرانية ليس لديهم سوى خيار واحد موثوق به للبقاء على قيد الحياة هو الاستسلام.
وبحسب سلطات منطقة سومي، تعرضت المنطقة ليل الـ31 من مايو الماضي لهجوم واسع النطاق بالصواريخ والطائرات المسيرة، أسفر عن اشتعال النيران في مباني المزرعة ونفقت مئات الحيوانات الأليفة، وأُتلفت عشرات الأطنان من الحبوب. وفي المجمل، أطلقت أكثر من 100 طائرة من دون طيار وخمسة صواريخ على أوكرانيا خلال الليل، وعلى هذه الخلفية وُسع نطاق أمر الإخلاء الإجباري للمدنيين داخل منطقة سومي ليشمل 11 مستوطنة أخرى (يبلغ عددها بالفعل 213 مستوطنة).
الأسبوع الماضي، راجت معلومات عن أن الرئيس الأوكراني ألغى مشاركته في حدث بألمانيا بسبب التهديد بهجوم روسي على سومي. لكن مكتبه أعلن خلال وقت لاحق أن "برنامج الزيارة اكتمل في يوم واحد"، وأن المعلومات حول تغييرات في الجدول بسبب الوضع داخل منطقة سومي غير صحيحة.
وذكرت صحيفة "بيلد" الألمانية أن الجيش الروسي سيطر على ما يقارب 20 مستوطنة في مناطق دونيتسك وخاركيف وسومي خلال أسبوع، أي ما يعادل نحو 200 كيلومتر متر مربع... ووصف المنشور الوضع في منطقة سومي بأنه "خطر خصوصاً"، حيث شنت القوات الروسية هناك هجوماً لإنشاء "منطقة عازلة"، ويميل الخبراء إلى الاعتقاد أن القوات المسلحة الأوكرانية غير قادرة على وقف التقدم، بما في ذلك بسبب احتياطاتها الضئيلة من الأسلحة.
لكن أسرع تقدم لروسيا يبقى داخل منطقة دونيتسك، حيث تحاول روسيا حالياً بنصف مليون جندي الاستيلاء على الـ30 في المئة المتبقية من المنطقة التي ضمتها عام 2022 والوصول إلى المناطق المجاورة، بحسب صحيفة بيلد.
في المقابل، أشارت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن القوات الروسية تتقدم هذه الأيام بأسرع وتيرة خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما يشير إلى أن "هجوم الكرملين الصيفي بدأ بالفعل". ومع ذلك، وعلى رغم النجاحات المحلية في ساحة المعركة فإن وتيرة التقدم لا تزال بطيئة، بحسب المحللين. ويتوقع عدد من الخبراء العسكريين أن تحقق روسيا نصراً خلال الأشهر المقبلة من شأنه أن "يغير مسار الحرب".
ويكتب المتخصص العسكري ألكسندر توموفيف أنه بحلول منتصف هذا الشهر سيتمكن الجيش الروسي بصورة كبيرة من تعزيز جهوده لتوسيع "المنطقة الأمنية" داخل منطقة سومي، ويشير العقيد الروسي المتقاعد والمتخصص في الشأن العسكري غينادي أليخين إلى حشد القوة النارية في اتجاه خاركيف.
هجوم لاستكمال السيطرة على مقاطعة دونيتسك!
بالتوازي مع ذلك، كثف الجيش الروسي ضغطه في جميع الاتجاهات، وباتت الأخبار تصل بصورة يومية تقريباً عن مغادرة وحدات الجيش الأوكراني لمواقعها في مقاطعة دونيتسك. أحد هذه الاتجاهات هو ليمانسكوي التي تتعرض للهجوم على مدار الـ24 ساعة، ويهاجم الجنود الروس بقسوة وقوة سكان الفوشنيك المتحصنين داخل القرى والغابات.
وذكرت قناة "يوميات ديسانتنيك" على تطبيق "تيليغرام" أن الجنود الروس يواصلون على الجانب الشمالي قرب حدود منطقة بيلغورود، جهودهم لتشكيل "حلقة" طوق حول المجموعة الأوكرانية المعادية المختبئة داخل منطقة كامينكا.
ويعمل مقاتلون روس خلف خطوط الجيش الأوكراني، مما يقوض قدرته القتالية لا سيما في منطقة دفوريتشينسكوي.
ويهاجم الطيران الروسي بنشاط مؤخرة القوات الأوكرانية لاستنزاف احتياطاتها. وكتب محررو القناة "وهكذا، في دفوريتشينسكوي، قضت ثلاث كتائب قتالية على نقاط انتشار قوات العدو".
وأفاد المقاتلون أيضاً بأنه في قرية تورسكوي، إحدى ضواحي ليمان، حُررت مزرعة الأسماك وهي أحد المواقع التي أصبحت رمزاً للاستيلاء على تورسكوي، ويُشار إلى أن هذه النقطة خصوصاً شهدت معارك عنيدة وصعبة.
وقرب كراسنوارميسك، يتغير الوضع بالنسبة إلى القوات المسلحة الأوكرانية من مجرد التوتر الصعب والغموض إلى الاكتئاب التام. والحقيقة أن القوات الروسية اخترقت شرق ميرنوغراد إلى الشمال، خلف الطريق السريع الذي يربطها بمدينة كونستانتينوفكا. وهناك انسحبت القوات الأوكرانية، إما لأنها لم تكن تتوقع مثل هذه المناورة، أو لأنها ببساطة غير قادرة على المقاومة من حيث المبدأ.
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية عن تحرير قرية شيفتشينكو بيرفوي. وهذه خطوة مهمة في إنشاء رأس جسر قوي يمكن من خلاله الضغط على الشرق، في كونستانتينوفكا، وخلق تهديد بالوصول إلى مؤخرة مجموعة الجيش الأوكراني.
وأشار مراسل الحرب ألكسندر كوتس عبر قناته على "تيليغرام" إلى أنه سيكون من المنطقي التحرك غرباً، نحو كوبتيفو ورازينو ورودينسكوي. وتقع آخر مستوطنة في القائمة على الطريق السريع الذي يربط كراسنوارميسك بكراماتورسك. إن القرب من هذا الطريق هو ما يفسر جاذبية رودينسكي كهدف للهجوم.
وقال كوتس "إذا قُطع الاتصال، فإن حاميتي بوكروفسك (كراسنوارميسك) التي يبلغ عدد جنودها 60 ألف جندي وميرنوغراد التي يبلغ عدد جنودها 50 ألف جندي ستبدآن مواجهة مشكلات خطرة في الاتصال مع العمق".
وفي هذه الأثناء، بدأت القوات المسلحة الأوكرانية التي أدركت على ما يبدو آفاق الدفاع عن كراسنوارميسك غير الوردية في التحرك، وأكد رئيس جمهورية دونيتسك الشعبية دينيس بوشيلين، في تعليق لوكالة "ريا نوفوستي"، أن الجيش الروسي بدأ بتطويق كراسنوارميسك، قائلاً إن المسلحين بدأوا خلال الوقت نفسه بإزالة الهيئات الحكومية من المدينة، وإزالة الوثائق المهمة وحتى الأطفال. وعلاوة على ذلك، تقوم القوات المسلحة الأوكرانية بأخذ الأطفال من دون موافقة والديهم. ومثل هذه الخطوات تذكرنا إلى حد ما بالإخلاء، وهي أمر مفهوم تماماً، نظراً إلى مدى تدهور وضع جيش زيلينسكي قرب هذه المدينة، التي تعد حرجة بالنسبة إلى عمليات الدفاع عن أوكرانيا.
الصمت على شروط الكرملين
يعتقد محللون أميركيون أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يزال يؤمن بالنصر العسكري. وعلى رغم استنزاف الحرب والعقوبات الاقتصادية الغربية لكثير من موارد البلاد الاقتصادية، تعمل موسكو على زيادة وجودها العسكري شرق أوكرانيا، ويمكن أن يكون صيف عام 2025 الفرصة الحاسمة والأخيرة لروسيا لتحقيق اختراق تكتيكي كبير، كما يشير موقع "وورلد بوست" الأميركي.
وفيما ظلت منطقة دونيتسك تشكل أولوية بالنسبة إلى بوتين منذ عام 2022، عندما فشلت محاولة الجيش الروسي السيطرة على كييف. وخلال سبتمبر (أيلول) من ذلك العام، أعلن المنطقة، إلى جانب مناطق زابوريجيا وخيرسون ولوغانسك، جزءاً من روسيا على رغم عدم سيطرته الكاملة على أي منها.
وبالتوازي مع التصعيد على الجبهة، تواصل موسكو إعلان استعدادها للسلام لكن بشروطها فحسب. إن وقف إطلاق النار، كما يقول الكرملين، لن يكون ممكناً إلا بعد حل "الأسباب الجذرية" للصراع.
الوضع في الجبهة
لقد احتلت روسيا بالفعل نحو 70 في المئة من أراضي منطقة دونيتسك، وعلى رغم تركيزها في المنطقة يستعد الكرملين خلال الوقت نفسه لشن هجمات على المنطقتين الشماليتين الشرقيتين داخل أوكرانيا، سومي وخاركيف. وتهدف هذه الضربات، وفقاً للمحللين، إلى إرهاق قوات الدفاع الأوكرانية وخلق ضغط إضافي على القوات المسلحة الأوكرانية، التي تقاتل بالفعل بأقصى قدراتها، بحسب ما ذكرت "وورلد وايد".
وقال المحلل نيكولاي بيلسكوف من مركز مبادرة العودة لصحيفة "واشنطن بوست" إن "روسيا ستحاول تقييد القوات الأوكرانية على طول خط المواجهة بأكمله". ووفقاً له، تظل الأهداف الرئيسة في منطقة دونيتسك هي بوكروفسك وكونستانتينوفكا، المدينتان اللتان يدور القتال فيهما منذ ما يقارب عاماً.
ويضيف بيلسكوف أن كونستانتينوفكا ليست على وشك الانهيار بعد، لكنها تشكل مصلحة استراتيجية بالنسبة إلى الروس، ويوضح أن هذا الاتجاه "واعد" بالنسبة إلى الاتحاد الروسي، إذ يمكن مهاجمة المدينة من ثلاث جهات مختلفة.
وعلى رغم تجاوز الجيش الروسي لخطة التعبئة المقررة، فإنه لا يزال غير قادر على تنفيذ عدة عمليات هجومية واسعة النطاق خلال وقت واحد، بحسب ما أشار محللو "ويستفاليا" ومسؤولون عسكريون أوكرانيون.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك مدينة أفدييفكا التي تطلب الاستيلاء عليها من الجيش الروسي خلال فبراير (شباط) الماضي حشد 80 ألف جندي وحصاراً طويلاً. وخلال الوقت الحالي، يتمركز 125 ألف جندي روسي قرب منطقتي سومي وخاركيف، لكن هذا لا يكفي للاستيلاء على مركز إقليمي واحد وفقاً لما ذكرته هيئة الأركان العامة لصحيفة "واشنطن بوست".
على الأرجح، تستخدم هذه القوات للتقدم المتحكم به على طول الحدود من أجل إنشاء ما يسمى "المناطق العازلة". وقال ممثل الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أندريه تشيرنياك لصحيفة "واشنطن بوست" إنه يتعين عليهم حماية المناطق الحدودية للاتحاد الروسي من الهجمات الأوكرانية.
وخلال الوقت نفسه، بحسب تشيرنياك، يقوم الجيش الروسي بقصف خاركيف وسومي وبخاصة المركز الإقليمي الأخير. وبحلول الـ27 من مايو الماضي سيطرت القوات الروسية على أربع قرى حدودية، بحسب ما أفاد رئيس منظمة سومي أوليغ غريغوروف على "فيسبوك" .
ومن جانبها، تلتزم أوكرانيا باستراتيجية الدفاع التي تشكلت عام 2024، الحفاظ على المواقع وجعل اختراق الجيش الروسي صعباً ومكلفاً قدر الإمكان، لكن هذه الاستراتيجية تعتمد بصورة كبيرة على تدفق المساعدات العسكرية الخارجية من دون انقطاع.
أزمة المساعدات العسكرية!
التهديد الأكبر الذي تواجهه أوكرانيا اليوم هو عدم استقرار إمدادات الأسلحة والذخيرة من الولايات المتحدة، لكن أوروبا تظهر تصميماً نظرياً أكثر منه عملياً. فخلال الـ26 من مايو الماضي أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس رفع جميع القيود المفروضة على استخدام أوكرانيا للأسلحة الغربية بعيدة المدى داخل عمق الأراضي الروسية. وخلال الـ29 من مايو الماضي صرح بأنه لا يستبعد توريد صواريخ كروز من طراز توروس إلى أوكرانيا، لكن هذا لم ولن يحدث بسبب المعارضة الداخلية داخل ألمانيا نفسها للتورط أكثر فأكثر ضمن نزاع مع روسيا، كما أن تزويد أوكرانيا بهذه الصواريخ الفتاكة يتطلب أشهراً عدة من التدريب للعسكريين الأوكرانيين.
واستخدم الكرملين بالفعل إعلان ميرتس عن رفع الحظر في حملته الإعلامية، متهماً أوروبا بتعطيل محادثات السلام.
جولة جديدة من الأزمة الإنسانية
إذا لم يهب الغرب بسرعة لتقديم مساعدات عسكرية جديدة وتشديد العقوبات والالتزام بالدعم طويل الأمد، فإن أوكرانيا قد تواجه أسوأ أزمة إنسانية منذ بداية الحرب، كما كتب المجلس الأطلسي.
ونظراً إلى الديناميكيات الحالية وموجات النزوح السابقة للأوكرانيين، فإن ما لا يقل عن 200 ألف مدني أوكراني يعيشون حالياً قرب خط المواجهة قد يضطرون إلى مغادرة منازلهم بحلول خريف عام 2025، وفقاً لما ذكره مركز الأبحاث. ومنذ أكثر من ثلاثة أعوام ظلت المنظمات العامة داخل أوكرانيا هي الداعم الرئيس للنازحين داخلياً، إذ توفر لهم السكن والغذاء والدعم. لكن موجة أخرى من النزوح من دون مساعدة خارجية قد تؤدي إلى كسر هذه القيود، وقد تفاقم الوضع بعد إغلاق بعثة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، أحد المشاركين الرئيسين في الاستجابة الإنسانية للغزو الروسي، بحسب المجلس الأطلسي.
في بداية عام 2025، كان هناك أكثر من 3.6 مليون نازح داخلي في أوكرانيا، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن.
وتتفاقم هذه الأزمة أيضاً بسبب السياق الدولي، وبدأت الدول الأوروبية تدريجاً في تقليص برامج الحماية الموقتة للأوكرانيين. وعلى رغم تمديد الاتحاد الأوروبي رسمياً للحماية حتى مارس (آذار) 2026، فإن عدداً من البلدان بدأت عملياً في تقليص الدعم لأوكرانيا، بحسب ما كتب المجلس الأطلسي، وأشار المركز التحليلي إلى ظهور خطاب في وسائل الإعلام الأميركية حول إمكانية إعادة الأوكرانيين الذين دخلوا الولايات المتحدة بعد بداية الحرب.
وأضاف المجلس الأطلسي أنه إذا فشلت القوات الأوكرانية في احتواء تقدم الجيش الروسي، فإن النظام الإنساني قد ينهار. ومن المتوقع أن تضرب موجة من المهاجرين تضم 200 ألف مهاجر المناطق الحدودية، مما قد يؤدي إلى تعطيل الممرات الإنسانية وإحداث حال فوضى داخل المدن الأوروبية، التي لم تتعاف بعد من أزمات الهجرة السابقة.
محادثات إسطنبول لا توقف تقدم الجيش الروسي
يتولد انطباع أن الرئيس الروسي يستخدم محادثات السلام في إسطنبول غطاء لتقدم وتوغل جيشه داخل عمق الأراضي الأوكرانية، لا سيما تلك المحاذية للحدود الروسية في مقاطعتي خاركيف وسومي، من أجل إنشاء منطقة عازلة بعمق 40 كلم، لذلك لا تحقق هذه المحادثات أية خطوات جدية باتجاه السلام الفعلي، بل تقتصر نتائجها على تبادل لوائح الأسرى والمفقودين والاتفاق على تبادلهم، وليس أكثر.
وكتبت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية هذا الأسبوع تقول "من غير الواضح ما الدور الذي يتوقع الكرملين أن يلعبه الهجوم الجاري في السياق الأوسع للمناورات الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب". وأضافت "ومن غير الواضح أيضاً ما إذا كان ترمب سينفذ تهديداته بممارسة مزيد من الضغوط على بوتين للتوصل إلى وقف إطلاق النار".
وفي مقابلة مع شبكة "أي بي سي" الإخبارية خلال الـ29 من مايو الماضي، حذر المبعوث الخاص لترمب إلى أوكرانيا كيث كيلوغ من أن الرئيس الأميركي سينسحب من عملية التفاوض إذا شعر بأنه يُستغل. ويعتقد كيلوغ أن ترمب ربما يوجه رسالة إلى حلفائه داخل القارة العجوز "لقد طفح الكيل. يا أوروبا، هذه مشكلتكم. حلوا الأمر بأنفسكم".
بدورهما، حذر السيناتوران الأميركيان ليندسي غراهام وريتشارد بلومنثال اللذان وصلا إلى كييف أواخر مايو الماضي روسيا من فرض رسوم جمركية بنسبة 500 في المئة، وقيود أخرى في حال انهيار عملية التفاوض.
ويرى المجلس الأطلسي أنه لا يزال أمام شركاء أوكرانيا الغربيين الوقت الكافي لمنع وقوع كارثة انهيار الجبهة الأوكرانية بالكامل. وعلى رغم أن إدارة ترمب أوضحت بالفعل أنها لا تخطط لتقديم مزيد من المساعدات العسكرية لأوكرانيا، فإن دول "الناتو" تحث الولايات المتحدة على الاستمرار في تبادل المعلومات الاستخباراتية وتأكيد استعدادها لبيع الأسلحة إلى كييف، لأن دول حلف شمال الأطلسي القريبة من روسيا ترى أن انتصار روسيا في أوكرانيا سيفتح شهية بوتين لتهديدها وابتزازها واسترهان قرارها.
ويطالب المجلس الأطلسي دول أوروبا ليس فقط بتسريع نقل الأسلحة الموعودة، بل وأيضاً توسيع حجم شحناتها بصورة كبيرة من أجل تعزيز موقف أوكرانيا في ساحة المعركة ومنع انهيار جيشها.