Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 الغرق في البحر أفضل من العودة إلى وطن مأزوم

مسرحية "جسور" مصرية - سودانية تتناول مآسي الهجرة غير الشرعية

مشهد من مسرحية "جسور" المصرية السودانية (خدمة العرض)

ملخص

قدمت فرقة "سودوكو" العرض المسرحي "جسور" على مسرح المركز الثقافي الفرنسي في القاهرة، من إخراج أحمد رجائي، بمشاركة ممثلين من مصر والسودان، وهو نتاج ورشة تدريبية بدعم من الاتحاد الأوروبي والمعاهد الثقافية الأوروبية (يونك).

يحسب للعرض المسرحي "جسور"، الذي قدمته فرقة "سودوكو" المصرية على مسرح المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة، سعي صناعه إلى النسج على غير منوال، ومحاولة الخروج عن القوالب الجاهزة والتقشف الشديد، سواء في الديكور أم الأداء التمثيلي، والاتكاء فقط على الحالات الإنسانية المؤلمة، التي يطرحها العرض، وذلك من دون التخلي عن الجماليات التي تمت صياغتها سواء بأجساد الممثلين، أم من خلال شاشة العرض في عمق المسرح، وما تبثه من مشاهد تتماس مع كل حالة يجري التعرض لها.

يحسب للعرض أيضاً تناوله لمسألة الهجرة غير الشرعية، لا باعتبارها نتيجة للعوز المادي فقط، فثمة أسباب أخرى أكثر ضغطاً، تدفع الشباب إلى المغامرة بأرواحهم.

العرض نتاج ورشة تدريبية استمرت سبعة أشهر، إذ جمع المخرج أحمد رجائي، المشرف على الورشة، عدداً من الممثلين المصريين والسودانيين، واشترك هؤلاء في كتابة نص العرض، من خلال تجاربهم الذاتية، أو من خلال خبراتهم ومشاهداتهم، وتولى المخرج صياغة النص النهائي وكتابة الأشعار.

نحن أمام قارب للهجرة غير الشرعية، في عرض البحر، يضم مجموعة من المهاجرين، غالبيتهم من الشاب، لا ديكورات تقريباً، مجرد شاشة عرض في عمق المسرح، أما مقدمة المسرح فأخذت شكل أحد جوانب القارب، إذ يقوم الممثلون بالتجديف وجميعهم يرتدي سترة النجاة، ولا شيء آخر سوى بعض الإكسسوارات البسيطة، مع إضاءة (تصميم عز حلمي) تستجيب، هي الأخرى، للأجواء التي يدور فيها العرض، والتحولات التي يشهدها، لتسهم في تشكيل الصورة، وإبراز المعنى، بحساسية واضحة.

النجاة من الغرق

الجميع في محاولة للنجاة من غرق محتوم، معلقون من أرواحهم، لم يقترفوا أي ذنب، هم مجني عليهم، منهم من هرب من حرب لم يواجه فيها عدواً أجنبياً، لكنه من بني جلدته، وإلا كان خاضها، في إشارة إلى الحرب الدائرة في السودان، ومنهم من اضطر إلى ركوب القارب بعد أن تعرضت عائلته لمجزرة ما زالت دائرة حتى الآن، كما في غزة، ومنهم من هرب، أو هربت، من جريمة تتعلق بالشرف، لم يكن له ذنب فيها، لكنها العادات والتقاليد، ومنهم من وجد نفسه ضائعاً بسبب التفكك الأسري، وغيرها من الأسباب التي دفعتهم إلى المغامرة بأرواحهم بعد أن اكتشف كل منهم أنه لم يعد لديه شيء يخشى خسارته.

جمع العرض بين التمثيل والحكي والاستعراض (تصميم مينا ثابت)، والغناء (موسيقى وألحان ليالي يحيى)، لكن الحكي هنا لم يأت كما هو معتاد في مثل هذه النوعية من العروض، مجموعة تتعرض لأزمة في مكان ما فيبدأ كل منهم في سرد قصته، كان الحكي عبارة عن شذرات يستدعيها موقف بعينه، فالكل تأتيه الكوابيس، والكل يشارك في تجسيد حكاية غيره كأحد أطراف الحكاية، بل إن الممثل من هؤلاء كان يتبادل الحكايات مع غيره، بمعنى أنه يغير حكايته كل ليلة، أو الدور الذي يلعبه، وليس الشخصية، فلا شخصيات هنا، ولا أسماء حتى، هي يمكن اعتبارها أنماطاً، لكنها تحاول التمرد على فكرة النمط، وهو ما أفصحت عنه طريقة الأداء التي اكتفت بالحدود الدنيا من التمثيل، كأنها تخبرنا، أو بمعنى أصح تجبرنا على تصديق أن تلك الحكايات تخص أصحابها أمامنا، لا أحد غيرهم.

أداء جماعي

إذا لا بطولة مطلقة لأحد، فكما أن الكل جاء بأزمته وأسبابه التي دفعته للهجرة، فالجميع هنا متساوون، زي شبه موحد، وتبادل للأدوار، فتاة أو شاب، الكل يشارك في عزف سيمفونية الألم، والذكريات التي ترى توضح عمق المأساة، انصهر الجميع في بوتقة العزلة والغربة، فأدركوا أن التعايش السلمي بينهم هو الحل الوحيد الذي يمكن أن ينجيهم من الغرق، بخاصة أن الحياة تجربة لا تحتمل الإعادة، فتضافرت جهود هؤلاء في محاولتهم النجاة من واقع مؤلم وقاس، محمود أبو كيفه ومحمد نواري ومحمد رجاء وسيزا سوركتي وبسملة أحمد وأبو بكر سالم وندى نصار وعبير عز الدين وستيفن ريمون ومها بابكر وسعيد أشرف وأمنية علي وبولا طارق وسلافة عز الدين وإسراء ممدوح.

لعبت شاشة العرض دوراً واضحاً، في اختزال مساحات الحكي، إذ حلت مكانها، كمعادل مرئي يمنح التعبير الحركي، الذي يؤديه الممثلون، معناه أو دلالته، فكان للربط بين التشكيلات التي كونها الممثلون بأجسادهم، وبين ما تبثه الشاشة من مادة فيلمية، أثره الواضح في شحن العرض بعدد من الرموز والإشارات، التي كانت عاملاً رئيساً لا مساعداً في تلقي العرض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

انحرفت دراما العرض عن المسار المعتاد لغرض تشكيل بنية مرنة ومفتوحة وأكثر قدرة على استيعاب كل تلك النماذج، وكذلك لإتاحة الفرصة لتغيير الأدوار أو الممثلين، على مدى ليالي العرض، وهو اختيار ذكي من المخرج، يجعل عرضه بمثابة جريدة يومية يمكن أن تتفاعل مع الأحداث الجارية، من دون أن يفقد العرض قوامه، أو يجري التشويش على رسالته وأسئلته.

يطلب أحد الشباب من رفيقته، عندما علم بحملها، التخلص من جنينها، ليس زهداً في الإنجاب، لكنه الخوف من مصير الطفل في عالم تأكله الصراعات، ويستيقظ أحدهم من بين أحضان جدته ليفاجأ بأن الغرفة أصبحت بلا سقف، وتنتظر طفلة أباها فلا يعود، وتردد أم بعد أن اختطفوا ابنتها، لا ذنب لها، لا ذنب لها، ويهرب حبيب من حبيبته ليتركها لجلاديها، ووسط كل ذلك يطارد خفر السواحل القارب، ويكررون النداء، عليكم الإخلاء فالمنطقة غير آمنة، ولا يمكن ضمان سلامتكم، وكأن الجميع هنا كمن يستجير بالرمضاء من النار، الكوابيس تطاردهم، والعجز يكبلهم، فيكون الغرق في عرض البحر، أفضل بكثير من العودة للعالم المظلم، أو الوطن المأزوم، الذي فروا منه.

دلالة العنوان

وعلى رغم أن العرض وفق في تجسيد كل تلك الحالات بإشارات دالة وسريعة، ولم ينزلق إلى المليودراما، فقد جاء عنوانه "جسور" غير دال، أو غير معبر عن مضمونه وأسئلته، فالجسور تعني التواصل، أو الربط، أو المساعدة في الوصول إلى هدف ما، فهل قصد المخرج بعنوانه هذا أن الأزمات الكبرى تؤدي بضحاياها إلى القبول بفكرة التعايش السلمي، أو الإلحاح عليها؟ العرض لم يطرح ذلك بصورة واضحة، وظني أن عنوانه أقل بكثير مما طرحه، ولم يشكل جزءاً من بنيته، تختل تلك البنية إذا حذفناه، أم أنه بجمعه هؤلاء الممثلين من مصر والسودان أقام جسراً بينهم للتعايش السلمي، هم متعايشون أساساً، كشعب واحد، ولا صراع بينهم، ولا أظنه يختزل تجربته المهمة في أمر ثانوي كهذا، هو غير موجود أصلاً.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة