ملخص
الاجتماع الثلاثي بين مصر والجزائر وتونس يشير إلى أن تلك الدول قد تنحي خلافاتها جانباً في الشأن الليبي، وذلك بهدف الوصول إلى حل يهدئ الأوضاع هناك، بالنظر إلى خطورة التهديد لأمن ليبيا بما يؤثر مباشرة في أمن الدول، وتحرك القاهرة لاستئناف تلك الآلية بعد ست سنوات من آخر اجتماع لها يؤكد استشعارها لخطورة الموقف في ليبيا.
بعد هدوء نسبي خلال السنوات الأربع الأخيرة عادت الساحة الليبية للاشتعال إثر الاشتباكات بين فصائل مسلحة موالية وأخرى معارضة لرئيس حكومة "الوحدة" عبدالحميد الدبيبة لتضيف مزيداً من الاشتعال لحلقة النار التي تحيط بحدود مصر، المحاصرة بحرب مستعرة على حدودها الشرقية في قطاع غزة، إضافة إلى صراع سوداني في جنوب البلاد من دون أفق للحل.
الاشتباكات التي اندلعت في طرابلس منتصف مايو (أيار) الماضي أعادت تسليط الأضواء على الاضطراب المستمر منذ عام 2011 في ليبيا، بما له من تبعات اقتصادية وسياسية وأمنية على الوضع في مصر، بالنظر إلى الحدود الممتدة بطول 1115 كيلومتراً، مما جعل القاهرة "الأكثر تضرراً من حال عدم الاستقرار في ليبيا"، بحسب تعبير الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال لقائه كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والشرق أوسطية والشؤون الأفريقية مسعد بولس في الـ18 من مايو.
ومنذ اندلاع تلك اشتباكات طرابلس دعت مصر جميع الأطراف إلى ضبط النفس وإعلاء مصالح الشعب الليبي، وسارعت بالتواصل مع أطراف دولية وإقليمية لبحث جهود التهدئة.
آلية التنسيق الثلاثي
كانت آخر تلك التحركات استضافة القاهرة اجتماعاً بين وزراء خارجية مصر والجزائر وتونس في شأن ليبيا، إحياءً لآلية تنسيق ثلاثي توقفت اجتماعاتها عام 2019، ما يشير إلى رغبة الدول الثلاث المجاورة لليبيا في احتواء التوتر هناك. وحمل البيان الختامي للاجتماع دعوة لجميع الأطراف الليبية إلى "تحقيق التوافق" بما يفضي إلى إنهاء الانقسام والمضي قدماً بالعملية السياسية نحو عقد انتخابات برلمانية ورئاسية متزامنة. وأكد الوزراء الثلاثة ضرورة الإسراع بحل الأزمة الليبية وإنهاء الانقسام السياسي تجنباً لاتساع دائرة الصراع، مشددين على أن "أمن ليبيا من أمن دول الجوار".
وفي وقت أكد فيه الوزراء ضرورة أن ينبع الحل من توافق جميع مكونات الشعب الليبي أعربوا أيضاً عن رفض التدخل الأجنبي في ليبيا بما يؤجج التوتر ويطيل الأزمة ويهدد استقرار ليبيا ودول جوارها، كما دعمت الدول الثلاث خروج جميع القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب والمرتزقة في مدى زمني محدد، وإعادة توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وسبق اجتماع القاهرة تنسيق مصري مع الأمم المتحدة، حيث التقى رئيس الاستخبارات العامة المصرية اللواء حسن رشاد مع الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه في القاهرة لبحث تطورات الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا. وأكد الجانبان ضرورة تهدئة الوضع في طرابلس ومنع مزيد من الاقتتال، وفق بيان للبعثة الأممية.
والتقى رئيس الاستخبارات المصرية رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، حيث أكد دعم القاهرة لحل ليبي توافقي مع الحد من التدخلات الخارجية، فيما شدد صالح على دور مصر في حلحلة الأزمة الليبية وحرصها على تحقيق الاستقرار وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين.
تفاهمات عربية
وأشار مساعد وزير الخارجية المصري السابق السفير صلاح حليمة إلى وجود تحركات من جانب الأمم المتحدة للتعاون مع دول جوار ليبيا لإيجاد تفاهمات لاحتواء الموقف في طرابلس ووقف أي صراع مسلح، مع التوصل إلى رؤية من شأنها التوصل إلى انتخابات تفضي إلى إنهاء عدم الاستقرار في ليبيا، مع احتمالية تشكيل حكومة جديدة تشرف على تلك الانتخابات.
وقال حليمة لـ"اندبندنت عربية" إن هناك حالياً اهتماماً عربياً متصاعداً بالوضع الليبي، بعدما كان الدور العربي "ليس على المستوى المنشود" في الفترة الماضية، مؤكداً أهمية التحركات المصرية بخاصة والعربية عامة لنزع فتيل مزيد من التوتر في ليبيا، في ظل اشتعال المنطقة بالأزمات سواء في السودان أو فلسطين وكذلك على نطاق أوسع في سوريا واليمن والمخاوف من حرب إقليمية في حال ضرب إسرائيل لإيران.
تفاهمات مع تركيا
لكن تحركات مصر الدبلوماسية في شأن تطورات ليبيا لم تقتصر على المحور العربي، إذ كان أول اتصال يجريه وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، بعد ساعات من اندلاع اشتباكات طرابلس، مع نظيره التركي هاكان فيدان، حيث أكد الوزيران دعمهما عملية سياسية من جانب الليبيين وإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وشددا على التمسك بوحدة وسلامة الأراضي الليبية.
ويفسر الدبلوماسي المصري السابق ذلك بوجود حال من التفاهم بين القاهرة وأنقرة في الفترة الأخيرة في شأن عديد من الملفات، ومن بينها ليبيا، في ضوء الدور المحوري الذي تلعبه تركيا في غرب ليبيا وتواصلها مع حكومة الدبيبة. كما لم يستبعد أن تنسق مصر أيضاً مع الإدارة الأميركية، وكذلك إيطاليا بما لهما من دور كبير في الملف الليبي.
كان الرئيس المصري بحث في القاهرة مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشرق الأوسط كيفية استعادة الاستقرار في ليبيا. وأكد أن القاهرة تعد الأكثر حرصاً على دعم جميع خطوات التسوية السياسية المطروحة بالملف الليبي، والتوافق على حكومة موحدة تحظى بدعم مجالس النواب والأعلى للدولة والرئاسي، وتكون مهمتها الأساسية إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وتحتفظ القاهرة بعلاقات جيدة مع الجيش الوطني الليبي بزعامة خليفة حفتر، ومجلس النواب الذي يعقد جلساته في شرق البلاد، والذي يعتبر حكومة عبدالحميد الدبيبة الموجودة في العاصمة منتهية ولايتها، فيما تحظى الأخيرة باعتراف أممي ودولي.
على النقيض، يسود التوتر علاقة مصر مع حكومة "الوحدة" في طرابلس، وكان أبرز ملامحه استنكار حكومة الدبيبة استقبال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي رئيس الحكومة المعينة من مجلس النواب الليبي أسامة حماد في أغسطس (آب) 2024.
استشعار الخطر
وبحسب المتخصص في مجال العلوم السياسية إسماعيل ترك فإن الاجتماع الثلاثي بين مصر والجزائر وتونس يشير إلى أن الدول الثلاث قد تنحي خلافاتها جانباً في الشأن الليبي، وذلك بهدف الوصول إلى حل يهدئ الأوضاع هناك، بالنظر إلى خطورة التهديد لأمن ليبيا بما يؤثر مباشرة في أمن الدول، مشيراً إلى أن تحرك القاهرة لاستئناف تلك الآلية بعد ست سنوات من آخر اجتماع لها يؤكد استشعارها لخطورة الموقف في ليبيا.
واتفق وزراء خارجية مصر والجزائر وتونس على عقد اجتماعين آخرين في شأن ليبيا قبل نهاية العام الحالي، على أن يكونا في الجزائر وتونس على الترتيب.
وقال ترك لـ"اندبندنت عربية" إن مصر تركز دائماً في خطابها على ضرورة خروج المرتزقة والقوات الأجنبية من الأراضي الليبية، ودعم مؤسسات الدولة وصولاً إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية متزامنة. وأضاف أن الدور المصري يحظى بقبول داخل ليبيا، بخاصة أن القاهرة تقف دائماً ضد الأخطار التي تهدد السيادة الليبية، مستشهداً بإعلان الرئيس المصري "سرت – الجفرة" خطاً أحمر لا يمكن السماح بامتداد الاشتباكات إليه بين قوات الشرق والغرب، وهو ما أسهم في التوصل إلى تسوية سياسية موقتة أفضت إلى تشكيل حكومة الوحدة الحالية، كما لفت إلى استضافة القاهرة عديداً من الاجتماعات لمسؤولي مجالس النواب والدولة والعسكريين الليبيين، سعياً إلى تقريب وجهات النظر والدفع نحو حل "ليبي – ليبي".
وأوضح المتخصص في مجال العلوم السياسية أن إسراع مصر في تحركاتها لتهدئة الأوضاع في ليبيا يأتي لإدراكها خطورة الأوضاع في المنطقة، في ظل ما سماه الحرائق المشتعلة في الإقليم، مثل الحروب في فلسطين والسودان والأوضاع في البحر الأحمر، مما يحتم على القاهرة محاولة الحفاظ على "ما تبقى" من الأمن القومي العربي، عبر السعي إلى تنسيق المواقف العربية والتوصل إلى حلول تنزع فتيل الأزمات، ومنها الاشتباكات في طرابلس، مشيراً إلى أنه على رغم التحركات المصرية فإن التحديات والصعوبات التي تواجهها تظل كبيرة، في ظل انشغال القوى الدولية بقضاياها مثل الحرب الروسية - الأوكرانية وأزمة الرسوم الجمركية الأميركية.