ملخص
أعادت كتب المذكرات الصحية تعريف السرد الذاتي، حيث تتحول المعاناة الجسدية والنفسية إلى لغة أدبية آسرة تكشف هشاشة الإنسان وقوته في آن. في زمن فقد فيه الناس الإحساس بالثبات والمعنى، تلعب هذه الكتب دوراً تعويضياً عاطفياً وروحياً، تُقرأ طلباً للعزاء وفهماً أعمق للحياة.
يمكن القول إن مذكرات المرضى لم تجد نفسها في حال صحية أكثر مما هي عليه اليوم، بل إنها تنبض بالحيوية. فالجناح الذي تحتله هذه الفئة الأدبية في المكتبات - غالباً في الزوايا الخلفية من المتجر في مكان آمن بعيداً من روايات "جاك ريتشر" Jack Reacher الرحالة العسكري السابق الذي ابتكره لي تشايلد، و"نادي جريمة الخميس"The Thursday Murder Club - يشهد حركة مستمرة لا تهدأ، حتى بات السجاد الذي تطؤه الأقدام شبه بالٍ آلياً من كثرة التردد والتجوال والتأمل الطويل بين العناوين.
ويجد هؤلاء القراء أنفسهم أمام وفرة لا تنضب من الخيارات. فكل شهر يطل عليهم مزيد من السير الذاتية المكتوبة بضمير المتكلم، تحكي عن الصراع مع السرطان أو النجاة منه، أو عن تجارب الاضطرابات النفسية، أو التشخيصات - وأحياناً سوء التشخيص - بأنواع من الأمراض المزمنة التي تفتقر صفحات "هيئة خدمات الصحة الوطنية" إلى معلومات عنها.
تنطلق هذه الكتب من دوامات الحيرة والألم، لكنها مشبعة بروح الإنسان العنيدة التي تأبى الاستسلام. (وما يميزها بحق هو ابتعادها التام من النبرة الواعظة التي تميز كتب المساعدة الذاتية، رفيقتها الأقرب في هذا النوع).
تقول هولي داوسون، مؤلفة مذكرات صحية جديدة بعنوان "جميعنا ذرات" All of Us Atoms التي تصدر هذا الأسبوع: "قبل 20 عاماً، كانت كتابة السيرة الذاتية نوعاً من الترف الأرستقراطي. أما الآن، فيبدو أن الجميع يكتب عن حياته".
إذا كان هدفنا من القراءة هو الهروب من الواقع، فإننا نسعى من خلالها أيضاً إلى فهم الحياة ومفاجآتها غير المتوقعة. وكما تقول داوسون: "في مرحلة ما... سيصيبنا مرض ما، أو سيطاول أحد أحبائنا".
ويلاحظ أن هذا النوع الأدبي غالباً ما يتميز بجودة كتابية عالية، كأن المعاناة تولد نصوصاً أكثر قوة. الكاتبة جوان ديديون التي ربما لم تخط فقرة طويلة طوال حياتها، بلغت أقصى درجات الصدق العاطفي في مذكراتها عن الفقدان "عام التفكير السحري" The Year of Magical Thinking الصادرة عام 2005. وفي الآونة الأخيرة، جاء كتاب سايمون بوس "دليل المبتدئين إلى الموت" A Beginner’s Guide to Dying الصادر عام 2024، ليقدم وصفاً رقيقاً ومتفائلاً لرحلته مع سرطان الحلق الذي أودى بحياته بعمر 47 سنة، قبيل نشر الكتاب بقليل. ومن قبل، كان هناك كتاب روبرت ماكرم "سنة من الغياب" My Year Off الصادر عام 1998، وصوّر فيه بتأثير بالغ معاناته بعد إصابته بسكتة دماغية مدمرة في سن الـ42. أن يمر الإنسان بهذه الانهيارات الحادة في حياته، ثم يمتلك القوة ليسجلها بقلمه، فهذا إنجاز بحد ذاته.
وإلى هذه القائمة، تنضم الآن مذكرات داوسون "جميعنا ذرات" التي تعد من أكثر الكتب اللافتة من ناحية الأسلوب هذا العام. داوسون، الكاتبة المسرحية ومدرسة الكتابة الإبداعية، أُصيبت بالمرض قبل ستة أعوام، حين كانت في الـ35 من عمرها، حين أصبح جسدها فجأة ساحة لمجموعة من الأعراض الصحية المحيرة التي عجز الأطباء عن تشخيصها لفترة.
في نهاية المطاف، تبين أن داوسون مصابة بداء "لايم" [عدوى بكتيرية تنقل إلى البشر من خلال لدغة قرادة مصابة - غالباً ما تعرف بقراد الغزال]، وهو تشخيص لم يفاجئها تماماً، إذ تقول: "كنت أمضي ساعات ممددة على العشب بين القنافذ والقراد المنتشر في كل مكان".
غير أن تأخر الأطباء في اكتشاف المرض جعل "حالي تتدهور أكثر فأكثر. فأصبت بالتهاب المفاصل حتى عجزت أصابعي عن الانبساط، وبدأت أعاني صعوبة في التنفس. ثم تسلل المرض إلى مجرى دمي، وبدأت نوبات الصرع الكبرى تنهش جسدي".
عندما أدخلت داوسون إلى المستشفى لإجراء مجموعة من الفحوص الشاملة - أخيراً - كانت في انتظارها مفاجأة غير مرحب بها. تقول: "لقد اكتشفوا ورماً في دماغي ومناطق متكلسة، ثم جاءت جائحة كورونا، فلم أتمكن من رؤية الطبيب المتخصص في الأعصاب، ولم يستطيعوا لأشهر عدة إخباري ما إذا كان الورم حميداً أو لا. كنت أتساءل: يا إلهي، هل سأموت؟" .
كثيراً ما اعتادت داوسون كتابة مذكراتها اليومية، لتتحول هذه الملاحظات في النهاية إلى كتاب يقرأ وكأنه حلم رائع يراه شخص محموم، إذ تستخدم فيه مجموعة من الأصوات - من المتكلم إلى المخاطب إلى الغائب؛ بين الماضي والحاضر - لتتأقلم مع ما كان يحدث لها وسبب حدوثه. وتؤثر نوبات الصرع في ذاكرتها ومهاراتها اللغوية، وكذلك أثرت الأدوية التي تتناولها أيضاً. فما قيمة أن تكون كاتباً إذا خانتك اللغة؟
ومع أن المرض جعل حياتها اليومية مرهقة، فقد أضفى على كتاب "جميعنا ذرات" شعوراً مستعجلاً بالحياة، وهي تتأمل الزمن الباقي لها. كما أنه يحمل أيضاً إشادة جميلة بالأمومة، وبالحب العميق الذي تشعر به تجاه أبنائها الصغار. ومع ذلك، فإن الإفصاح عن ذلك للعامة يعد خطوة صعبة ومخيفة.
تقول داوسون وهي تغلق عينيها بتوتر: "هذه أول مقابلة لي... لذا أنا أشعر بوعي شديد بذاتي!" حتى إن الإشارة إلى كتابها على أنه مذكرات جعلتها تشعر بحكة (بالمعنى المجازي بالطبع). فقد دار كثير من المناقشات مع ناشريها حول هذا الأمر - وكسبت النقاشات في النهاية. تقول بفخر: "الآن لا يحمل الغلاف كلمة ’مذكرات‘!" وعندما سألتها عن سبب أهمية ذلك بالنسبة إليها، ضحكت وقالت: "تسميته بالمذكرات، بالنسبة لي، تشعرني وكأنني دوقة في العهد الفيكتوري - وأنا لست دوقة!".
تشرح داوسون أنه، ولكونها معلمة في مجال الكتابة، فقد استخدمت بعض الحرية الإبداعية في السرد، وتقول: "ليست هذه مذكرات أسجل فيها كل خطوة على طول الطريق، أو حيث ينسجم كل شيء بصورة مرتبة ومنظمة. الأمر فوضوي. أنا مهتمة أكثر بما يسميه جون أبدايك ’الحياة المُدرَكة‘، أو كما يصفها فيرنر هيرزوغ بـ ’الحقيقة الوجدانية‘ والذي قال: ’إذا كنت تريد الحقائق، إقرأ دليل الهاتف‘".
ليس هدفها إذاً كتابة سيرة ذاتية مباشرة، بل سلسلة من الرسائل المفككة التي تهدف إلى نقل شعور الحياة كما تعيشها. وهي تنجح في هذا على نحو باهر.
تشخيص الأمراض المزمنة مهمة صعبة. وهذا يترك المريض المنتظر في حال من الترقب المربك، المليء بالشك والخوف. عندما كتبت جوزي جورج كتابها "حياة راكدة" A Still Life عام 2019، كانت قد أمضت أعواماً طويلة تعيش مع مجموعة من الأمراض التي لم يتمكن الأطباء من الاتفاق على تسميتها، ناهيك عن كيفية علاجها. وكانت تعاني الألم المستمر والإرهاق الدائم. غير قادرة على مغادرة المنزل لفترات طويلة، ومعتمدة على دراجة كهربائية للمساعدة في التنقل عندما تفعل ذلك، وكان احتكاكها بالعالم الخارجي مقتصراً في الغالب على حديقتها الخلفية الصغيرة.
تقول جورج: "كتبت كتابي لأنني أردت إظهار أنه لا يزال لدى الأشخاص مثلي صوت يستحق سماعه... العيش بطريقة مختلفة يغيرك. يغير طريقة تفكيرك، وطريقة رؤيتك للأشياء، وقد شعرت برغبة ملحة في أن أشارك الناس الفوائد، وربما شيئاً من الحكمة التي اكتسبتها من هذا النوع من الحياة".
أثّر كتابها في الأطباء تماماً مثل تأثيره في القراء. وتقول جورج: "لقد أخبرني الأطباء العامون أنهم بدأوا يعرّفون المتدربين لديهم إلى ’حياة راكدة‘ لمساعدتهم في رؤية الشخص وراء المرض... هذا أمر يسعدني كثيراً". وبدلاً من الحصول على تشخيص قاطع - فكان جرى اقتراح مرض الذئبة في إحدى الفترات، إضافة إلى مجموعة من الحالات النفسية - أدركت في النهاية أن لا أحد أفضل من نفسها ليعلمها كيف تعيش ضمن حدودها، مما حققته بمفردها وبشروطها الهادئة والمتمردة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
جورج على وشك نشر كتابها الثاني "رسائل من بلاد العجائب" Letters from Wonderland الذي يتخذ شكل سلسلة من الرسائل المكتوبة للأطفال في محاولة لتشجيعهم على التفاعل مع العالم الطبيعي من حولهم. وتقول: "يجري الضغط بصورة كبيرة على هذا الجيل الجديد لإنقاذ كوكب نحن انشغلنا عنه بتدميره... لكن لا يمكننا أن نتوقع منهم إنقاذ العالم إذا لم يتعلموا أولاً أن يحبوه، أليس كذلك؟".
تلك الروح الكريمة التي تنبض بها كتب المذكرات الصحية قد تكون سمتها الأبرز، بل الفريدة أحياناً. فمن المعاناة ينبثق منظور يمكن للآخرين أن يتعلموا منه.
في دروس الكتابة الإبداعية التي تُدرّسها، لاحظت داوسون تحولاً متزايداً نحو كتابة المذكرات، فجميع طلابها باتوا يرغبون في تأليف مذكراتهم الخاصة. وترى أن النجاح التجاري الذي حققته "السير الذاتية الحيّة" التي كتبتها ديبرا ليفي كان دافعاً رئيساً لهذا الاتجاه. فقد ألفت ليفي ثلاثة كتب ضمن هذه السلسلة - "أشياء لا أرغب في معرفتها" Things I Don’t Want to Know الصادر عام 2013 و"كلفة الحياة" The Cost of Living الصادر عام 2019 و"حيّز خاص" Real Estate الصادر عام 2022 – وقد كتبت جميعاً "وسط زوابع الحياة اليومية" وتقوم بتوثيق تفاصيل العيش كما هو، بكل ما يحمله من تعقيدات ولحظات تضع الإنسان في مكان تواضع قسري.
تقول داوسون: "قد تكون كتابة المذكرات أمراً مثيراً، لأنك، بخلاف الرواية، لا تملك مكاناً تختبئ فيه... وأن تجد نفسك مريضاً هو بداية تحقيق داخلي، بحث عن إجابات، عن شخص أو شيء تلقي اللوم عليه". كثيراً ما تجاهلت داوسون نداءات جسدها، لكنها لم تعُد قادرة على ذلك. وتقول: "كنت قد تدربت كراقصة باليه، ونحن راقصات الباليه يعلموننا أن نتجاهل الألم، أن نواصل الأداء على رغم كل شيء، وأن ننقل فقط صورة الصفاء. وقد فعلت ذلك؛ كنت أرى نفسي عقلاً يسير على ساقين. لكن عندما يصبح الألم صارخاً - عندما يصرخ الجسد قائلاً: ’أرجو الانتباه!‘ – فإن الصراع يصبح محتوماً". وهذا، برأيها، خبر سار بالنسبة إلى الكاتب، فتقول: "تولد الأفكار الجيدة من الصراع والفضول".
وهكذا، يتجه الكاتب إلى كتابة المذكرات، فيما يقرؤها القارئ بحثاً عن تخفيف شعوره بالوحدة. وتتساءل داوسون، كيف يمكن للمرء إيجاد العزاء الذي يتوق إليه بطريقة أفضل من هذه؟
تقول داوسون: "في عالم ما بعد جائحة كورونا، تلاشى كثير من الروابط التي كانت تجمعنا. أين يمكننا أن نجد المعنى الآن، في مجتمع يفتقر إلى الإطار الروحي المشترك، وفقدنا فيه الثقة بالحكومات والهياكل السلطوية التي كانت سابقاً تمنحنا شعوراً بالثبات. لم نعُد نعيش ضمن أنماط العائلة والمجتمع التقليدية التي اعتدناها، ولهذا نلجأ إلى كتب مثل هذه لنقول عبرها: ها أنا أعرض عليك جوهري، فماذا عن جوهرك؟ وهل تتقاطع ذراتنا معاً؟".
ثم تتوقف فجأة، تضع يدها على فمها وتضحك بخفة، وقد احمر وجهها خجلاً: "هل أتحدث أكثر من اللازم؟ أظن أنني أتحدث كثيراً، أليس كذلك؟"، فأطمئنها بأنها لا تفرط في الكلام.
تؤمن داوسون بأن الحديث عن أجسادنا وما يعتريها من ألم أمر حيوي ومطلوب. تقول: "عندما نتحدث عن ذلك، نصبح قادرين على تطبيع عيوبنا لأننا جميعاً، في نهاية المطاف، معطوبون بطريقة أو بأخرى".
يصدر كتاب "جميعنا ذرات" لـهولي داوسون هذا الأسبوع، كما سيصدر كتاب جوزي جورج "رسائل من بلاد العجائب" في الخامس من يونيو (حزيران) المقبل.
© The Independent