ملخص
بدأ جيمس براون باستخدام "مونجارو" لإنقاص الوزن، ففوجئ بأثر نفسي غير متوقع: هدوء ذهني وتحسن واضح في التركيز طالما أعاقه اضطراب شبيه بفرط الحركة. بالنسبة إليه، كان هذا التغير أهم من فقدان الوزن.
أدرك أن شباباً كثراً يستهويهم التباهي بجسد رشيق ومشدود يليق بأجواء الصيف، وملابس البحر. ولكني عدت أخيراً وفي عمر 59 سنة إلى استخدام حقن إنقاص الوزن، علني أحظى بجسد يساعدني في حياتي اليومية [وليس من أجل المظهر الخارجي].
خلال مشاركتي في مباراة لكرة القدم للمحترفين القدامى على ملعب كامل الحجم في مواجهة فريق من الشباب يبلغون من العمر 35 سنة، بدا الأمر غير عادل إلى حد ما، إذ كنا، نحن فريق الخمسينيين وما فوق، نتعرض لهزيمة قاسية أمام فريق لم يمض على أحد من أفراده 24 عاماً إضافياً في تربية الأبناء أو احتساء الكحول أو الأكل، أو مواجهة التباطؤ الحاد في الأيض. وهكذا، وجدت نفسي خلال مارس (آذار) الماضي أعود إلى استخدام حقن إنقاص الوزن مجدداً، ولكن هذه المرة فوجئت بتأثير غير متوقع تركه الدواء في جسدي.
كنت جربت "أوزمبيك" أول مرة بعد زيارة لممرضة خاصة عام 2023، وتوقفت عن استخدامه فقط بسبب النقص الوطني في توافره، لكن ليس قبل أن أفقد نحو سبعة كيلوغرامات من وزني. هذه المرة، لاحظت أن الصيدلية المحلية تقدم حقناً لإنقاص الوزن إنما بنصف السعر الذي كنت أدفعه سابقاً. أغراني قرب المكان، وانخفاض الكلفة، ورغبتي في تحسين لياقتي البدنية من أجل مباريات كرة القدم، ووجدت نفسي أعود مجدداً إلى استخدامها.
كانت الخطوة الأولى استشارة أحد الصيادلة، الذي قاس محيط خصري ووزني. خلال منتصف يناير (كانون الثاني) كنت أزن نحو 94 كيلوغراماً بعد موسم أعياد لم أكن فيه آبهاً لما آكله، على رغم أنني شعرت أنني بدأت أفقد بعض الوزن منذ ذلك الحين. في المنزل، أستخدم ميزاناً رقمياً من نوع "رينفو" Renpho متصلاً بتطبيق على هاتفي. وبصراحة، إنه مذهل. صارم في نتائجه ولا يجامل، ولكنه ممتاز في أدائه ودقته. يعرض لي مكونات بنيتي الجسدية بتفصيل دقيق، من البروتين إلى نسبة الماء، وصولاً إلى حجم الكتلة العظمية، ومستويات الدهون، وحتى عمري الأيضي [العمر الذي يعكس كفاءة جسمي في حرق السعرات الحرارية أو تحويل الغذاء إلى طاقة] (لا تسألوني عن الرقم).
قبل نحو 20 عاماً، استخدمت ميزاناً مشابهاً خلال إعداد تقرير لمجلة "مينز هيلث" Men's Health، وكان سعره آنذاك يقارب ألف جنيه استرليني. أما الآن، فتباع هذه الأجهزة بأجزاء قليلة من ذلك المبلغ. إذا كنت جاداً في شأن إنقاص وزنك، عليك أن تكون صادقاً مع نفسك. ولا شيء أكثر رعباً من أن ترى كل يوم تقلبات وزنك البالغة الدقة. أقف على الميزان مرة أو مرتين أسبوعياً، وكما أشار الكوميدي جيسون مانفورد يوماً، لا أقبل أبداً النتيجة الأولى من دون محاولة أخرى، مع تحريك الميزان قليلاً إلى اليمين أو اليسار على بلاط الحمام.
في آخر مرة تعاملت فيها بجدية مع مسألة إنقاص الوزن، استخدمت "أوزمبيك" إلى جانب الركض وروتينات تدريب عالية الكثافة مدتها 20 دقيقة، مرات عدة في الأسبوع. حينها، فقدت سبعة كيلوغرامات ونصف الكيلو. ولو تمكنت الآن من النزول من وزني بعد العيد إلى نحو 82 كيلوغراماً ونصف الكيلو، سأكون راضياً. هذا هو أدنى وزن وصلت إليه في المرة الماضية، على رغم أن ميزان "رينفو" أوصى بفقدان 6.35 كيلوغرام إضافية.
توقفت عن استخدام الدواء قبل 18 شهراً فقط بسبب نفاد "أوزمبيك" من الصيدليات داخل البلاد. بعد ذلك، تعرضت لإصابة في غضروف الركبة عندما كنت أركض عبر جسر لندن كي ألحق بالحافلة. وللأسف، توقفت طوال نصف العام عن معظم تماريني الرياضية المعتادة، مثل الركض في الحديقة وممارسة كرة القدم للهواة. وفي المقابل، طلب مني اختصاصيو العلاج الفيزيائي في "مستشفى هيرتفوردشاير الجامعي" في إنجلترا، أداء تمارين تقوية للساقين في وضع الجلوس. كبرت ساقاي فعلاً، ولكن ازداد حجم بطني أيضاً.
هذه المرة، أخبرتني الصيدلانية أن لديها عقاراً يدعى "مونجارو" Mounjaro. يبدو كأنه اسم لحلوى فرنسية أو ربما لجبل لم يكتمل [في استعارة من Mount Kilimanjaro]، لكنني كنت سعيداً بتجربته، وكانت النتيجة مختلفة بل مذهلة، مقارنة بما عشته مع "أوزمبيك".
ولمن لا يعرف، يعد "مونجارو" العقار الثالث ضمن سلسلة حقن إنقاص الوزن المتوافرة في المملكة المتحدة. وتعمل هذه الأدوية جميعها عبر التأثير في هرمونات الجوع بغية خفض الشهية، إذ تحاكي عمل هرمون يسمى "جي أل بي 1" (1GLP-)، علماً أنه يساعد في تنظيم الشهية ويحافظ على استقرار نسبة السكر في الدم. ومع ذلك، يتميز "مونجارو" عن غيره بأنه يستهدف أيضاً هرموناً إضافياً يسمى "جي آي بي"GIP (أو الببتيد المثبط للمعدة)، مما يعزز فاعلية الدواء ويساعد المستخدمين على تناول كميات أقل من الطعام.
خلال الشهر الأول من الحقن، التي كانت صديقتي تتولى إعطاءها لي على أريكة غرفة المعيشة، لم أشعر بأي فارق يذكر. كانت الجرعة منخفضة جداً إلى درجة أن تأثيرها كان شبه معدوم وبالكاد استجاب لها جسدي. ولكن بحلول الشهر الثاني، بدأت ألاحظ تغيراً حقيقياً. أنا الآن في المرحلة الثالثة من الجرعات، ووزني حالياً 86.6 كيلوغرام. ولكن التغير لم يقتصر على جسدي فحسب، فحالتي الذهنية تغيرت أيضاً.
منذ أن كنت طفلاً، عندما كنت أشرب المكمل الغذائي بطعم البرتقال "هاليبورانج" مباشرة من الزجاجة، كان الناس لا يفوتون فرصة إطلاق النكات أو التعليقات على نشاطي الزائد. في المدرسة، كنت مشاغباً، وشغلي الشاغل لم يكن الدراسة بل إضحاك الآخرين وتشتيت انتباه المدرسين. أما في عملي ككاتب لمجلة "أن أم إي" NME، المتخصصة في الموسيقى، فقد وجدت بيئة يبدو فيها سلوكي ذلك طبيعياً. كانت فرصة اكتشاف موسيقى جديدة ومثيرة باستمرار، والتحدث عنها بحماسة أسبوعاً تلو آخر أكثر أهمية بالنسبة إليَّ من الجلوس بهدوء والتركيز.
قبل أن يصبح "اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه" (ADHD) مصطلحاً رائجاً، كنت أدرك تماماً الأنماط المتكررة من السلوك التي تصاحب عادة هذه الحال. لسبب ما، كل من يكابد هذا الاضطراب، أو من قرأ مقالاً عنه، يريد أن يخبر الجميع بأنه يعانيه أيضاً.
عشت هذه الحال من الفوضى الذهنية التي تعوقني عن التركيز والتفكير السلس وتنظيم الأفكار، وصار أصدقائي (وأخيراً صديقتي) يقترحون علي بإلحاح، عاماً بعد عام، الخضوع للفحوص اللازمة. ولكني في الواقع، اعتدت الضجيج والارتباك داخل رأسي، ولم أرغب حقاً في تناول أية أدوية تعالج ذلك الشعور. ولما كنت أمضيت 27 عاماً بعيداً من تعاطي المخدرات والكحول، لم يكن لدي أي ميل أيضاً لتناول الجرعات الصغيرة جداً من "الفطر السحري" magic mushroom [الذي يحوي مواد مخدرة]، المنتشرة الآن في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، باعتبارها وسيلة لتحسين التركيز والأداء الذهني.
لذا، كان هذا الأثر غير المتوقع الذي تمثل في هدوء الذهن أثناء استخدام "مونجارو"، مفاجأة سارة جداً. منذ أن لجأت إلى هذا الدواء، لم أعد أعاني أياً من تلك الأفكار أو الخواطر المزعجة والمشوشة التي كانت تقتحم رأسي باستمرار. إذا طلب مني أحدهم إنجاز أمر ما أثناء انشغالي بأمر آخر، أستطيع فعلاً أن أحسن ترتيب أولوياتي.
كانت المرة الأولى التي لاحظت فيها هذا التغير أثناء نزهة في الحديقة مع صديقي جيف. فجأة، أدركت أنني أسمعه بوضوح، وأستطيع التركيز على المحادثة من دون أن تشتت انتباهي أية أفكار أخرى أثارها أمر ما رأيته على الطريق، مثلاً. لم أكن أفكر في أربعة أو خمسة أمور دفعة واحدة. حتى عندما اتجه أحدهم صوبنا، تنبهت إلى وجوده من دون أن يشت تركيزي عن الحديث مع جيف. بدأ الأمر كأن غمامة انقشعت من ذهني. في العادة، مجرد تشتيت بسيط كفيل بأن يدفع عقلي نحو دوامة لانهائية من التشتت والتفكير المتشعب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كلما تأملت حالتي أكثر، ازداد التغير الذي طرأ على سلوكي وضوحاً. لم أعد أشعر بالحاجة الملحة إلى النهوض بمجرد أن أجلس أو أستقر في مكاني. وإذا نسيت سبب التقاط هاتفي، يمكنني أن أتذكره بسرعة. في السابق، كنت أمسك بالهاتف وفي نيتي القيام بأمر محدد، ثم أنسى تماماً ذلك وأروح أتصفحه طوال ثلاث ساعات وأنا أضحك على مقاطع فيديو لأشخاص لا يقوون على الوقوف من شدة الثمالة فيسقطون أرضاً.
الآن، أجد أن الفاصل الزمني بين الفكرة وتنفيذها أصبح أقصر بأشواط من السابق. أشعر حرفياً كما لو أن في الغرفة شخصين فحسب، وليس 27 شخصاً. عندما نشرت هذا الكلام على "فيسبوك"، أشار كثر إلى أدلة على أن بعض هذه الأدوية تخفض مستوى القلق والإدمان والاكتئاب. وبحث سريع على "غوغل" أكد لي أن كثيراً من الهيئات الطبية والعلمية أبلغت عن هذا النمط المتكرر من النتائج، مع أنه لم يكن متوقعاً.
"مونجارو" منبه لمستقبلات "جي أل بي 1" (ببتيد شبيه الغلوكاجون 1)، يعمل في الجهاز الهضمي حيث ينظم الشهية والهضم، وفي مركز المكافأة في الدماغ، وهو مركز الهرمون والناقل العصبي "الدوبامين" dopamine المسؤول عن الإدمان والاندفاع والسلوك القهري. وفي حين أن هذه الحقن معروفة بتهدئة "ضجيج الطعام" [الأفكار المتكررة المرتبطة بالجوع والرغبة في الأكل]، أشعر الآن وكأن مل الضجيج الآخر في رأسي خمد أيضاً.
حتى الآن، لم يؤكد لي طبيب ما أشعر به، ومن المهم أن نعرف أن "مونجارو" ليس علاجاً معتمداً لـ"اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه". لا ينبغي استخدامه كبديل للأدوية التقليدية من دون استشارة طبيب مختص. ولكن من واقع تجربتي الشخصية، كان التحسن الملحوظ في قدرتي على التركيز أكثر أهمية وقيمة بالنسبة إليَّ من خسارة الوزن التي حققتها.
مذكرات جيمس براون "بيت الحيوانات" Animal House متوافرة الآن.
© The Independent