ملخص
الشبكة الكهربائية الفائقة هي شبكة واسعة تتجاوز الحدود الوطنية، ومن المتوقع أن تحدث نقلة نوعية في طريقة توليد الطاقة ونقلها، وستعتمد بصورة أساسية على الطاقة المتجددة.
ستحقق شبكات الطاقة العابرة للحدود بلا أدنى شك فوائد عدة، منها تحسين أمن الطاقة ولا مركزية الشبكة وتحسين استخدام تقنيات الطاقة المتجددة.
تسعى الدول المتقدمة حالياً لبناء ما يسمى الشبكات الكهربائية الفائقة وهي عادة ما تكون عابرة للقارات، تهدف إلى إتاحة تداول كميات كبيرة من الكهرباء عبر مسافات شاسعة، ويستخدم فيها التيار المستمر عالي الجهد (HVDC) لنقل الكهرباء لمسافات طويلة، حيث يستطيع أحدث جيل من خطوط الطاقة عالية الجهد نقل الكهرباء بخسارة لا تتجاوز 1.6 في المئة لكل 1000 كيلومتر.
وتنبع الحاجة إلى هذه الشبكات من عجز شبكات الكهرباء التقليدية عن الصمود في بعض الظروف الصعبة، فمثلاً ضربت عاصفة ثلجية شديدة ولاية تكساس الأميركية عام 2021، ونتيجة لذلك، حرم 4.5 مليون منزل وشركة من الكهرباء في الولاية التي تفتقر إلى مزايا الشبكة الفائقة.
وما ذكرناه أعلاه كمثال إضافة إلى تزايد الظواهر الجوية المتطرفة على مستوى العالم، يعد من أهم الأسباب التي تبرز الحاجة اليوم إلى شبكات الكهرباء الفائقة.
ما أهمية الشبكة الكهربائية الفائقة؟
الشبكة الكهربائية الفائقة هي شبكة كهربائية واسعة تتجاوز الحدود الوطنية، ومن المتوقع أن تحدث نقلة نوعية في طريقة توليد الطاقة ونقلها، وستعتمد بصورة أساسية على الطاقة المتجددة.
في حين أن التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة يعد تطوراً إيجابياً للغاية لقطاع الطاقة، إلا أنه يعرض النظام أيضاً لانقطاعات في التيار، مما يهدد استقرار الشبكة الكهربائية، فإذا كانت أشعة الشمس قليلة في أحد الأيام، فإن توليد الطاقة الشمسية سينخفض، والعكس صحيح.
من هنا ستكون الشبكة الكهربائية الفائقة أكثر مرونة في مواجهة هذه الانخفاضات والارتفاعات، بفضل مرونة أكبر في النظام واحتياط أكثر شمولاً، وهذا يعني أن الشبكات الكهربائية لم تعد في حاجة إلى أن تكون محلية أو وطنية، بل يمكنها عبور الحدود الوطنية وتحت المحيطات، وأن تجمع مناطق جغرافية واسعة إلى جانب الموارد المتجددة الهائلة المتاحة.
ما نتحدث عنه يعني أن الدول المختلفة يمكنها الاستفادة من موارد لم تكن لتتمكن من الوصول إليها عادة، على سبيل المثال يمكن للمملكة المتحدة الاستفادة من الطاقة الحرارية الأرضية الأيسلندية، بينما ستكون موارد رياح بحر الشمال في المملكة المتحدة والدنمارك وهولندا متاحة في أماكن بعيدة مثل إيطاليا وإسبانيا.
وتوجد حالياً في العالم شبكات مشتركة صغيرة النطاق، إذ تشترك المملكة المتحدة في وصلات صغيرة النطاق مع هولندا وفرنسا، بينما تشترك النرويج وهولندا في كابل "نورنيد"، إلا أن الشبكات الكهربائية الفائقة تتميز بمفهوم أوسع وتطال مساحات جغرافية أضخم.
فوائدها
ستحقق شبكات الطاقة العابرة للحدود بلا أدنى شك فوائد عدة، منها تحسين أمن الطاقة ولا مركزية الشبكة وتحسين استخدام تقنيات الطاقة المتجددة.
وتتمثل الفائدة الأبرز لها في تجميع موارد الطاقة المتجددة في أي قارة مهما كان حجمها، وهذا من شأنه أن يقلل من انقطاع التيار الكهربائي من خلال تسهيل تقاطع العرض والطلب، مع توفير احتياطات ضخمة.
وبما أن أمن الطاقة يرتكز على تنويع الشبكة الكهربائية وإزالة الاعتماد على مصدر واحد واستبداله بمصادر عدة والحد من خطر انقطاع أي مصدر، فيمكننا القول إن الشبكة الكهربائية الفائقة، بطبيعتها، أكثر أماناً من الشبكات الوطنية الحالية.
الصين وأكبر شبكة كهربائية فائقة في العالم
انطلاقاً من هدفها المتمثل في تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2060، تتقدم الصين بخطى حثيثة نحو بناء أكبر شبكة كهربائية فائقة في العالم. وباستخدام خطوط كهرباء فائقة الجهد تعمل بجهد 1.1 مليون فولت، ستنقل بكين الكهرباء المولدة من مصادر متجددة، مثل مزارع الرياح في وسط منغوليا أو الطاقة الكهرومائية في الجنوب الغربي، إلى المناطق المكتظة بالسكان.
لكن رؤية الصين لا تقتصر على حدودها، إذ تخطط لتوسيع نطاق الشبكة الكهربائية الفائقة لتشمل دولاً أخرى في شمال شرقي آسيا، بما في ذلك اليابان وكوريا وروسيا. ونظراً إلى مزاياها الاقتصادية والبيئية والجيوستراتيجية الهائلة، قللت الصين من أهمية قضايا مثل التأثير البيئي وامتلاك الأراضي وصعوبة دمج مصادر الطاقة المتجددة.
مبادرات عالمية أخرى
خارج الصين وضعت بعض المخططات لبناء شبكات كهرباء فائقة خلال العقد أو العقدين الماضيين، لم يبصر النور أي منها حتى الآن. ومن هذه المخططات شبكة كهرباء فائقة بحرية في بحار أوروبا الغربية قد تمتد من الدول الإسكندنافية وصولاً إلى البرتغال. والغرض من هذه الشبكة هو جلب طاقة الرياح البحرية من هذه المياه وتوصيلها إلى الدول الواقعة على طول الساحل الغربي لأوروبا.
وهناك مشروع آخر مقترح لإنشاء شبكة كهربائية فائقة تربط شبكات جنوب أوروبا بشبكات شمال أفريقيا التي تتمتع بكميات هائلة من الطاقة الشمسية، ويركز المشروع على بناء محطات طاقة شمسية كبيرة في المناطق الصحراوية بدول شمال أفريقيا، ومن ثم تصدير هذه الطاقة إلى مراكز الطلب في أوروبا عبر الشبكة الكهربائية الفائقة المقترحة.
من ناحية ثانية أطلقت مبادرة "شبكة الكهرباء الفائقة لأميركا الشمالية" في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، وتهدف إلى بناء شبكة كهرباء معظمها تحت الأرض، باستخدام تيار مستمر عالي الجهد عبر الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وتشير الدراسات إلى أن هذه الشبكة ستكون قادرة على خفض انبعاثات قطاع الطاقة بنسبة تصل إلى 80 في المئة، مع تعزيز كفاءة سوق الطاقة ومرونته. ومع ذلك واجه المشروع تحديات جمة، منها الحصول على التصاريح وارتفاع الكلف ومعارضة المجتمعات المحلية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الكلفة
تعد الكلفة من أكبر العوائق أمام بناء شبكة كهربائية فائقة، ويتوقع بحث جديد أجرته شركة "ريستاد للطاقة" النرويجية أن الحد من الاحتباس الحراري إلى 1.8 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، سيتطلب استثمارات في البنية التحتية للشبكة تبلغ نحو 3.1 تريليون دولار عالمياً بحلول عام 2030.
وعلى رغم التمويل الضخم المطلوب لتطوير الشبكة الفائقة، فإن الفوائد ستفوق الكلفة بكثير. فعلى سبيل المثال، حقق تكامل سوق الكهرباء والتجارة عبر الحدود على مدى العقد الماضي مزايا على مستوى الاتحاد الأوروبي تقدر بنحو 34 مليار يورو سنوياً.
وينطبق الأمر نفسه على الولايات المتحدة، حيث تقدر وزارة الطاقة الأميركية أن التوسع السريع في نقل الكهرباء من شأنه أن يؤدي إلى توفير كلف تراوح ما بين 270 و490 مليار دولار بحلول عام 2050. فمقابل كل دولار استثماري ينفق في تحسين نقل الكهرباء، سيجري توفير ما يقارب من 1.60 إلى 1.80 دولار.
التحديات
بعد كل ما ذكرناه آنفاً، ننوه بأن هناك بعض المشكلات التي تصعب بناء الشبكات الكهربائية الفائقة، ولعل المشكلة الأكثر تعقيداً هي أن شبكة كهربائية عملاقة دولية أو عابرة للقارات تتطلب تعاوناً كبيراً بين جميع الدول المعنية، في مرحلتي التخطيط والبناء.
ومن المخاوف الأخرى طبيعة نقل الطاقة من دولة إلى أخرى، فالتحديات اللوجيستية وغير المتوقعة قد تسبب صعوبات لا تحدث عند الاعتماد على محطة طاقة في بلد معين. وعلى سبيل المثال، اشتبهت السلطات الفرنسية عام 2016 في أن رسو قارب في البحر قد أدى إلى خفض سعة خط كهرباء حيوي بين بريطانيا وفرنسا إلى النصف. لذا، يعد تأمين الإمدادات أمراً بالغ الأهمية للتخطيط عند تشغيل الطاقة على نطاق واسع كهذا.
وتشكل الجوانب اللوجيستية لمثل هذا المشروع وتحديداً البنى التحتية، تحدياً، ناهيك بأن الكلف الأولية لنظام التيار المستمر عالي الجهد أعلى بكثير من الكلف المرتبطة بنظام التيار المتردد.