ملخص
على مدى 75 عاماً، كانت المظلة النووية الأميركية هي حجر الزاوية الذي حال دون تحول تنافسات القوى العظمى في شرق آسيا إلى صراعات نووية، لكن إعادة ضبط دونالد ترمب هذه الاستراتيجية تهدد الآن بتصدع المظلة النووية.
على رغم أن أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران يمكن أن يمنع أو يعطل سعي طهران إلى الحصول على قنبلة نووية، سيعد نجاحاً موقتاً أو نسبياً لإدارة دونالد ترمب، تظل جهود الرئيس الأميركي لمنع الانتشار النووي في آسيا غير واضحة أو مثيرة للقلق.
على مدى 75 عاماً كانت المظلة النووية الأميركية هي حجر الزاوية الذي حال دون تحول تنافسات القوى العظمى في شرق آسيا إلى صراعات نووية، لكن إعادة ضبط ترمب هذه الاستراتيجية تهدد الآن بتصدع المظلة النووية، مما فجر في كوريا الجنوبية واليابان وحتى تايوان، فكرة تشييد أسلحة نووية والتي كانت غير واردة في السابق، مما جعل السباق النووي في شرق آسيا يبدو محتملاً، فما دوافع ترمب، وكيف تغيرت الاستراتيجية الأميركية عبر العقود الماضية؟ وهل ينذر ذلك بأخطار حقيقية على العالم؟
تحول مفاجئ
كثيراً ما كان دونالد ترمب مهووساً بمنع كارثة نووية منذ أن كان شاباً في الثمانينيات، فقد اقترح أنه إذا عينه الرئيس رونالد ريغان سفيراً مفوضاً، فسينهي الحرب الباردة في غضون ساعة واحدة، ومنذ ذلك الحين لم ينقطع ترمب عن الحديث حول الحد من خطر الأسلحة النووية التي وصفها في ولايته الرئاسية الأولى بأنها أكبر مشكلة في العالم، ثم في ولايته الثانية حذر مراراً من حرب عالمية ثالثة، مطالباً بالامتناع عن بناء أسلحة نووية جديدة لأن هناك كثيراً منها بالفعل.
لكن بعد أقل من ثلاثة أشهر على انطلاق ولايته الثانية، سار ترمب في اتجاه معاكس ربما يقود إلى أسرع وأخطر تسارع في انتشار الأسلحة النووية حول العالم منذ بداية الحرب الباردة، إذ إن القوى النووية المحتملة قريباً لم تعد فقط هي الدول المارقة التي كانت فترة طويلة محور قلق الولايات المتحدة، مثل إيران وكوريا الشمالية، بل الدول الحليفة للولايات المتحدة التي أصبحت تفكر في امتلاك أسلحة نووية، من ألمانيا إلى كوريا الجنوبية، ومن اليابان إلى تايوان بسبب خشية هذه الدول من خطر انسحاب الولايات المتحدة من التزاماتها الدفاعية، في حال اندلاع أعمال حربية من دول معادية.
ومن الواضح أن إشارة ترمب إلى تقليص شامل للمظلة الدفاعية الأميركية، أدت إلى اتجاه متسارع لدى حلفاء الولايات المتحدة نحو بناء أو في الأقل إعادة النظر في نشر أسلحة نووية.
مظلة نووية تتآكل
تعود مخاوف حلفاء أميركا إلى أن المظلة النووية التقليدية بدأت تتآكل، إذ إن مفهوم الردع الموسع الذي يتعهد بأن تستخدم الولايات المتحدة أسلحتها النووية، عند الضرورة، لصد أي هجوم على حليف، لم يعد قائماً أو في الأقل مشكوكاً فيه، ففي الماضي كان المنطق بسيطاً للغاية كما يقول خبير الأمن والدفاع في جامعة نيو ساوث ويلز، إيان لانغفورد، وهو أنه إذا فكرت كوريا الشمالية في توجيه ضربة لكوريا الجنوبية، فلا بد من أن تخشى ضربة أميركية انتقامية أيضاً، مما سمح لحلفاء أميركا بالتخلي عن قنابلهم النووية، مما أسهم في الحد من الانتشار النووي وعزز النفوذ الأميركي.
تعود هذه الفكرة إلى استراتيجية الرئيس دوايت أيزنهاور العسكرية، التي اعتمدت على التهديد برد شامل ضد الاتحاد السوفياتي للدفاع عن أوروبا وآسيا بكلفة أقل، أي قوات أقل، ورؤوس حربية أكثر، ثم استبدل جون كينيدي عقيدة الزناد هذه، باستراتيجية دفاعية هي الرد المرن والتي وسعت نطاق خيارات الرد على الهجمات السوفياتية المحتملة، ولكن مع الإبقاء على الحماية النووية قائمة.
لكن بحلول تسعينيات القرن الماضي بدت المظلة مجرد زينة أو شكلاً رمزياً فحسب، إذ بدت الترسانة النووية الروسية وكأنها صدأت، بينما التزمت الصين استراتيجية الردع الأدنى أي الحفاظ على مخزون صغير من الأسلحة النووية، في حين بدت الهيمنة الأميركية ساحقة.
وعلى رغم أن الرئيس باراك أوباما أعرب عن تطلعاته إلى إلغاء الأسلحة النووية على المدى الطويل، فإنه عام 2010 أعاد مراجعة الوضع النووي التي أكدت الضمان الشامل، ثم تبنت إدارة بايدن مصطلحاً جديداً هو الردع المتكامل، الذي دمج الأدوات السيبرانية والفضائية والاقتصادية مع الأسلحة النووية لردع الأعداء المحتملين.
ومع ذلك شهدت الأعوام الأخيرة اندفاع كوريا الشمالية نحو إنتاج الصواريخ الباليستية العابرة للقارات وزيادة ترسانتها النووية وتحديث وتوسيع الترسانة النووية الصينية في اختبار لثقة الحلفاء في الولايات المتحدة.
إعادة ضبط الاستراتيجية
غير أن ترمب عزز شكوك الحلفاء عبر إعادة ضبط الاستراتيجية التي يقترحها، وربط الحماية الأميركية بدفع هذه الدول إلى مستحقاتها المالية للولايات المتحدة تعويضاً عن هذه الحماية، كما شهد الحلفاء في آسيا ما فعله ترمب مع الحلفاء الأوروبيين بأن جعل المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (ناتو) التي تلزم الأعضاء بالدفاع عن بعضهم بعضاً، مشروطة بدفع حلفاء الولايات المتحدة حصتهم التي يراها عادلة في الموازنة الدفاعية بنسبة خمسة في المئة من الناتج القومي الإجمالي لكل دولة، مما جعل الحلفاء في آسيا يتساءلون عما إذا كانت منطقتهم ستختلف عن هذا المنطق.
كما كان وكيل وزارة الدفاع الأميركية للسياسات إلبريدج كولبي أكثر وضوحاً وصوتاً حازماً في الضغط على الحلفاء الأوروبيين والآسيويين لتعزيز دفاعاتهم، إذ صرح قبل فترة لوكالة "يونهاب" للأنباء، بأن كوريا الجنوبية ستضطر إلى تحمل المسؤولية الساحقة عن دفاعها، مشيراً إلى أن واشنطن لا ينبغي أن تفرض عقوبات على سول إذا قررت امتلاك أسلحة نووية، ونقل عنه أيضاً قوله إنه ليس من المنطقي خسارة مدن أميركية متعددة لمجرد التعامل مع كوريا الشمالية.
وفي شهادته أمام مجلس الشيوخ في مارس (آذار) الماضي قال كولبي إن ترمب يعتقد أن تايوان في حاجة إلى زيادة إنفاقها الدفاعي من نحو ثلاثة في المئة إلى نحو 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لردع أي حرب مع الصين، وهي زيادة وصفها رئيس الوزراء التايواني تشو جونغ تاي بأنها مستحيلة.
ولهذا يشعر كثير من حلفاء واشنطن الآن بأن ترمب يتخلى عن النظام العالمي الذي أرست قواعده الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، ويعيد العالم إلى صراع شرس على النفوذ، إذ تهيمن القوى الكبرى على مناطقها، بينما تدافع الدول الأصغر عن نفسها، وهو ما انتقده المتخصص في أمن شرق آسيا بمجلس شيكاغو للشؤون العالمية كارل فريدهوف الذي اعتبر أن الرسالة القادمة من الولايات المتحدة هي أن سياسة ترمب الخارجية تدور حول مناطق النفوذ، ووفقاً لذلك يمكن لروسيا أن تستحوذ على أوكرانيا، ويمكن للصين أن تستحوذ على تايوان.
ونتيجة لهذا، يحذر بعض متخصصي الأمن القومي من أن هذه الفترة قد تتحول إلى أكثر فترات عدم الاستقرار منذ بداية الحرب الباردة، إذ يتوقع أن تشهد انتشاراً أكبر للأسلحة النووية في أماكن أكثر، وبخاصة مع التقارير التي تفيد بأن البيت الأبيض يدرس استئناف التجارب النووية تحت الأرض وتوسيع الترسانة الحالية، مما يثير قلقاً بالغاً بين الدبلوماسيين المتخصصين بسياسات منع الانتشار النووي حول العالم.
قلق الخصوم والحلفاء
يقول خصوم الولايات المتحدة، وكذلك حلفاؤها، إنهم في حيرة من أمرهم إزاء عدم رغبة أي شخص في إدارة ترمب، أو قدرته على معالجة هذه القضية، ففي بكين يتزايد قلق المسؤولين الصينيين من تفكك الأمن الإقليمي، إذ سيتعين عليهم في النهاية التعامل مع مزيد من الدول النووية أو ما تسمى الدول الكامنة نووياً في آسيا، بحسب ما تشير فرانشيسكا جيوفانيني، رئيسة مشروع إدارة الذرة في كلية كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفرد، التي التقت مسؤولين صينيين أواخر مارس الماضي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم أن إدارة ترمب أكدت علناً في بيان ثلاثي مع اليابان وكوريا الجنوبية في فبراير (شباط) 2025، التزامها الدفاع عن هذين الحليفين، بما في ذلك بأسلحتها النووية، وبنزع السلاح النووي الكامل لكوريا الشمالية، فإن ترمب اقترح خلال حملته الانتخابية وأيضاً كرئيس، أن تتحمل كوريا الجنوبية حصة أكبر من العبء المالي للدفاع، وشكك في منطق دعم الولايات المتحدة الرادع والموسع لليابان، ومن غير المرجح أن يحظى أي من الرأيين بقبول جيد في سول وطوكيو، بخاصة أنهما تراقبان الأحداث في أوروبا.
استعدادات نووية
في ظل ترسانات كوريا الشمالية النووية والصاروخية المتنامية، دعا مسؤولون كوريون جنوبيون رفيعو المستوى مراراً إلى التسلح النووي، وهي فكرة يتبناها الآن 70 في المئة من الشعب الكوري الجنوبي وفقاً لاستطلاعات الرأي، كما يدرس الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان، للمرة الأولى منذ عام 1945، اتفاق تقاسم نووي مع الولايات المتحدة، حتى إن بعض مسؤولي الدفاع السابقين دعوا إلى نقاش حول امتلاك اليابان الأسلحة النووية، بينما يتهامس المشرعون في تايوان الذين منعوا عقوداً من الحديث في هذا الموضوع، حول رادع قوي قائم على حرب غير متكافئة وقدرة نووية متواضعة.
وإذا انقلبت قطعة دومينو واحدة من المحتمل بقوة أن تتبعها قطع أخرى، ومن شبه المؤكد أن برنامجاً للأسلحة النووية في كوريا الجنوبية سيحفز اليابان على التحرك والعمل بالمثل، وهذا بدوره سيقوي النظرة الاستراتيجية للصين، ويدعو إلى سباق تسلح إقليمي، ويمزق معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية الهشة.
ولا يكمن الخطر في زيادة الرؤوس الحربية النووية فحسب، بل أيضاً في قصر مدة اتخاذ القرار في شأن استخدامها، لأنه مع تكدس ثلاث أو أربع جهات نووية في أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم بصواريخ فرط صوتية "هايبرسونيك" وأنظمة إنذار مبكر تعمل بالذكاء الاصطناعي، من شأنه أن يفرز حالاً من عدم الاستقرار الشديد، لأن أي خطأ بسيط في قراءة إشارة الرادار فوق بحر الصين الشرقي قد يؤدي إلى كارثة.
تهديد مختلف
يتشكل الخطر الذي تشكله الأسلحة النووية في القرن الـ21 ليمثل تهديداً مختلفاً عما كان عليه الوضع في القرن الـ20، فعلى مدى عقود خلال الحرب الباردة، بنت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ترسانات هائلة من الصواريخ النووية التي يمكن إطلاقها جواً أو براً أو بحراً، ودفعت القوة التدميرية لتلك الأسلحة الدولتين إلى إبرام سلسلة من اتفاقات الحد من الأسلحة، مما أدى في النهاية إلى تقليص حجم تلك الترسانات.
وعلى النقيض من نهج إدارة ترمب، عمل أسلافه في المكتب البيضاوي منذ خمسينيات القرن الماضي لمنع ظهور دول نووية جديدة، وطوال فترة الحرب الباردة وما بعدها، قادت واشنطن حملة مكثفة لاحتواء انتشار الأسلحة النووية، وخلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، أطلقت ما بين 30 و40 دولة برامج للطاقة النووية لأغراض عسكرية فعلية كما يقول براد روبرتس، مدير مركز أبحاث الأمن العالمي في مختبر لورانس ليفرمور الوطني.
واستلهاماً من برنامج دوايت أيزنهاور "الذرة من أجل السلام"، سعى الرئيسان جون كينيدي وليندون جونسون لإبرام معاهدة حظر الانتشار النووي، التي وقعت عام 1970، والتي تعد منذ ذلك الحين حجر الزاوية في منع الانتشار النووي العالمي، ووقعت عليها 191 دولة.
لكن في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات ساد القلق من أن يؤدي تفكك الاتحاد السوفياتي إلى انتشار الأسلحة النووية وتسليح الدول المستقلة حديثاً بأسلحة نووية، ونتيجة لذلك، مارست روسيا والغرب ضغوطاً على ثلاث جمهوريات سوفياتية سابقة وهي أوكرانيا وكازاخستان وبيلاروس، للتخلي عن الأسلحة المتمركزة على أراضيها، وفي عام 1998 وجه الرئيس بيل كلينتون نداءً ملحاً إلى رئيس الوزراء الباكستاني آنذاك نواز شريف لعدم إجراء أي تجربة نووية، وعندما رفض شريف فرض كلينتون عقوبات.
وفي منتصف التسعينيات نجحت إدارة كلينتون في تمديد معاهدة حظر الانتشار النووي من 25 عاماً إلى أجل غير مسمى، ومن بين الدول التي تخلت في نهاية المطاف عن برامجها النووية النشطة الأرجنتين وأستراليا والبرازيل، وكذلك إيطاليا وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية، إلى جانب السويد وسويسرا وتايوان ويوغوسلافيا.
ونتيجة لهذه الدبلوماسية المحمومة التي قادتها واشنطن لم يتبق في العالم سوى تسع قوى نووية، هي الولايات المتحدة وبريطانيا والصين وفرنسا، مع الهند وإسرائيل وباكستان، إضافة إلى روسيا وكوريا الشمالية.
رحلة طويلة وموحشة
على مدى عقود، اعتبرت الولايات المتحدة توسيع نطاق الردع النووي أمراً قيماً، فقد عزز الروابط الدفاعية والسياسية الأميركية مع حلفائها، ووفر لها عمقاً استراتيجياً أكبر، والأهم من ذلك، خفف الضغط على حلفاء الولايات المتحدة للسعي وراء إنتاج أسلحة نووية إذا ما وجدوا أنفسهم مهددين، ولهذا يمكن القول إن فرضية الردع الموسع أسهمت في بناء نتائج قوية لمنع الانتشار، وأهمها كان نتيجة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.
غير أن إدخال ترتيبات جديدة لتقاسم الأسلحة النووية سيشكل ضربة لمعاهدة ضعيفة أصلاً، حيث من المرجح أن يشير المعارضون إلى عدم شرعيتها بموجب معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية بحسب ما تقول مديرة برنامج التحليل الدفاعي والعسكري في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية زوزانا غواديرا.
وفي حين أن منطقة المحيطين الهندي والهادئ تشكل مصدر قلق أكثر إلحاحاً في ما يتعلق بالانتشار النووي، إلا أن كثيراً من الدول قد ترى الرحلة نحو الحد الأدنى من الردع الموثوق طويلة وموحشة ومحفوفة بالأخطار، إذ تفتقر كثير من الدول غير الحائزة الأسلحة النووية إلى البنية التحتية اللازمة لإنتاج المواد الانشطارية، وهي ملزمة باتفاقات حظر الانتشار، بما في ذلك معاهدة حظر الانتشار النووي واتفاقات 123 مع الولايات المتحدة.
ومن المرجح أن تجد هذه الدول صعوبة في إيجاد شركاء مستعدين للمساعدة في برنامج أسلحة نووية صريح، ومن المحتمل جداً اكتشاف أي مساعدة من هذا القبيل، مع عواقب وخيمة على اقتصاداتها وتحالفاتها وتعاونها الدفاعي، وربما تتعرض لحملة تخريب، أو في أسوأ الظروف، تدخلاً عسكرياً يهدف إلى القضاء على برنامج أسلحتها من جذوره.
ومع ذلك ربما تسهم سياسات إدارة ترمب الثانية تجاه حلفائها القدامى في تحقيق اكتفائهم الذاتي بصورة كبرى، لكن الثمن الذي يتعين على المجتمع الدولي دفعه قد يكون عالماً يضم عدداً أكبر من الدول التي تمتلك أسلحة نووية، وهو عالم قد يترك الولايات المتحدة مع التزامات أقل، لكنه لن يكون أكثر أمناً.