ملخص
تغيرت ملامح العمل الجمعياتي في تونس بين جمعيات أقفلت أبوابها بسبب تقلص التمويل وتشديد الرقابة عليها، وأخرى تصارع من أجل البقاء في ظل تصاعد الأصوات التي تعتبر أن "العمل الجمعياتي أصبح واجهة ناعمة لشبكة تمويل أجنبي تعيد تشكيل وعي الشباب في تونس وتتدخل في شؤون البلاد".
في الأعوام الأخيرة تغيرت ملامح العمل الجمعياتي في تونس بين جمعيات أقفلت أبوابها بسبب تقلص التمويل وتشديد الرقابة عليها، وأخرى تصارع من أجل البقاء في ظل تصاعد الأصوات التي تعتبر أن "العمل الجمعياتي أصبح واجهة ناعمة لشبكة تمويل أجنبي تعيد تشكيل وعي الشباب في تونس وتتدخل في شؤون البلاد".
فكيف يمكن للدولة التونسية إيجاد التوازن بين الحفاظ على أمنها من الجمعيات الممولة من الخارج والتي تنشط تحت يافطة "حقوق التعبير والإنسان"، وبين الحفاظ على نسيج المجتمع المدني الذي أرسته تونس من أجل معاضدة الدولة في دعم التنمية؟
مسار محفوف بالأخطار
يقول الباحث في علم الأورام محمد جمعة وهو ينشط في جمعيات تعنى بمرضى السرطان، "إن الجمعيات الناشطة في المجال الصحي أصبحت تصارع البقاء كما يصارع مريض السرطان هذا المرض الخبيث"، ويواصل في تصريح خاص "أغلقت جمعيات كثيرة خصوصاً تلك التي تنشط في مجال معاضدة جهود الدولة في مكافحة مرض السرطان، أبوابها بسبب نقص التمويل الذي يأتي من الدولة أو من خلال أنشطة ثقافية أو عن طريق منظمات أجنبية"، ويوضح أن الحصول على تمويل من الدولة في ظل هذا الوضع الاقتصادي أصبح أمراً مستحيلاً، كما أن تنظيم أنشطة ثقافية أو حفلات خيرية لم يعد مجدياً نظراً لتدهور القدرة الشرائية للتونسيين، أما التمويل الذي كنا نحصل عليه عن طريق منظمات عالمية أو جهات أجنبية بات صعب المنال ومساره القانوني محفوف بالأخطار".
ويواصل جمعة "كل هذه العقبات أسهمت في تقليص نشاطات هذه الجمعيات التي كانت تقوم بدور توعوي كبير للكشف المبكر عن المرض، أيضاً بعض الجمعيات التي كانت تملك مبيتات يقيم فيها بعض المرضى الذين لا يملكون مسكناً قرب مستشفيات العاصمة، هي أيضاً أغلقت أبوابها لأنها لم تعد قادرة على الصمود من دون تمويل". وفي ظل هذه الصعوبات التي تعيشها بعض الجمعيات يرى طبيب الأورام أن على الدولة إيجاد حلول قانونية واضحة لمواصلة هذه الجمعيات عملها.
إلا أن المنسق العام لمبادرة القرار الحر مهدي العوني يرى أن "أي جمعية تتلقى تمويلاً من جهة أجنبية فهي تخدم أجندة الجهة الممولة"، وقال في تصريح خاص "أنا كمواطن تونسي أرفض أن يكون الهدف فرض خطاب أو سياسة معينة، لا مشكلة لدينا مع العمل الجمعياتي لكن المعضلة في القوى الناعمة لبعض الدول الغربية التي تريد فرض سياسات معينة عن طريق المجتمع المدني الممول من طرفها".
ويضيف العوني "على الدولة التونسية أن تضع سياساتها وخياراتها وتفرضها على الشركاء، فالتعامل مع المنظمات الأممية ومع صناديق دولية على غرار صناديق الانتقال الطاقي، مقبول بالطبع، نحن لا نرفض أن تجلب الدولة تمويلات تحترم سيادة الشعب التونسي وتخدم مصالحه، ولكن الأفضل أن يكون هذا عن طريق الاستثمارات الخارجية".
مجتمع مدني وطني
وفي سياق متصل، يقول العوني إنهم كمبادرة سياسية اقترحوا أن يكون المجتمع المدني ممولاً من التونسيين وموجهاً للتونسيين.
وبالنسبة لتضرر بعض الجمعيات من تقلص التمويلات الأجنبية بخاصة التي لها علاقة بالتنمية والصحة وغيرهما، يقول العوني "نحن طرحنا دولة اجتماعية توفر تغطية صحية واجتماعية لكل التونسيين من دون تمييز، من حق المريض أن تتكفل به الدولة من دون الحاجة إلى جمعيات، فالصحة والتعليم من القطاعات التي لا يمكن ولا يحق لأي جهة أن تُعنى بها، فهذا من واجب الدولة وحدها".
وتابع "من المعروف أن المجتمع المدني مؤسسة تتبنى العمل التطوعي وهذا روح العمل الجمعياتي، ومن يعتبر أن العمل الجمعياتي باب لتدفق الأموال من الخارج فهو يتاجر بالقضايا المهمة، لأن من يؤمن بقضية ما يضحي بماله ووقته وجهده في سبيلها".
وبخصوص أهداف التمويلات الأجنبية يقول العوني "العديد من الدراسات في العالم تناولت موضوع القوى الناعمة وما يسمى بالمجتمع المدني ‘المحترف‘، الذي خلق ليكون وسيطاً بين حكومات تسعى للتدخل في بلدان وحكومات أخرى سيقع عليها التدخل من أجل خلق جهة ثالثة محايدة قابلة للانحياز مع الجهة الممولة تحت غطاء الاستقلالية، لجعلها أداة تضغط بها على المجتمع أو الحكومة المستهدفة".
وأكمل "القضايا التي تشتغل عليها بعض الجمعيات الممولة من الخارج لا علاقة لها بالمجتمع التونسي، على غرار نشر مفاهيم جديدة". وأضاف "نعتقد أن هذه المفاهيم قادرة على خلق فتن في المجتمع التونسي". هذا إضافة إلى العمل الاستخباراتي الذي تقوم به بعض الجمعيات من خلال جمع البيانات الخاصة بالمسؤولين لاستقطابهم.
تمويلات أجنبية ضخمة
خلف شعارات "التمكين الثقافي" و"الإعلام البديل" و"صحافة الجودة" و"المواطنة الفعالة" وغيرها من الشعارات الأخرى التي لها علاقة بالديمقراطية والانتخابات، انتشرت في تونس بعد عام 2011 جمعيات عدة بتمويل أجنبي ضخم، على شكل مشاريع تشغل آلاف الشباب وتتخذ شكل المبادرات المستقلة.
وقد كشف آخر إحصاء نشرته الإدارة العامة للجمعيات والأحزاب السياسية برئاسة الحكومة، أن 481 جمعية طلبت حلّها تلقائياً حتى تاريخ 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، في وقت تشدّد الهيئات الرقابية جهودها لكبح جماح "إشكالية تأثير التمويل الأجنبي لهذه الجمعيات وضلوعها في أنشطة مخالفة لمجال نشاطها الأصلي".
ولم يخفِ عدد من داعمي الجمعيات امتعاضهم إزاء ما يصفونها بـ"حملات الشيطنة" والصعوبات التي باتت تعترض العمل الجمعياتي في تونس، وانتقدوا التوقيفات في صفوف بعض الناشطين بجمعيات تعنى بالمهاجرين ممولة من الخارج والتتبعات القضائية التي طاولت العديد منهم. واعتبروا أنه من الممكن تسجيل تجاوزات تهم عمل عدد من الجمعيات على مستوى التمويلات الأجنبية، ولكن ذلك لا يمكن أن ينسحب على كل الجمعيات الناشطة في تونس، بخاصة أن الجمعيات تلعب دوراً اجتماعياً وتنموياً واقتصادياً وتسهم في تشغيل الطاقات الشبابية والرفع من درجة انخراطها في الحياة العامة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضم نسيج الجمعيات في تونس ما يزيد على 25 ألف جمعية، وفق آخر الأرقام الصادرة عن رئاسة الحكومة، وتتركز معظمها في تونس العاصمة.
يعود أول نص قانوني حول تكوين الجمعيات في تونس وفق النموذج الحديث لهذه الهياكل، إلى عام 1888 حين أصدر علي باي أمراً بتاريخ 15 سبتمبر (أيلول) 1888، وضع فيه الإطار العام لممارسة حق تكوين الجمعيات، مما سمح للتونسيين بإنشاء العديد من الجمعيات الثقافية والعلمية والشبابية والرياضية، إلا أن في سياقات كثيرة عاشتها البلاد ترافقت مع تعديلات على قانون الجمعيات وأبرزها المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المنظم للجمعيات، الذي اعتبر ثورة في المجال التشريعي بما يتميز به من روح تحررية.
لكن هذا التحرر والسهولة في تكوين الجمعيات يرى البعض أنهما أسهما في نوع من الفوضى وتفاقمت الإخلالات ما جعل البعض من نواب الشعب يتقدمون بمشروع قانون جديد.
في هذا السياق، قالت النائبة في مجلس نواب الشعب فاطمة المسدي إنها مع مجموعة من النواب، قاموا منذ أواخر عام 2023 بمبادرة تشريعية لتعديل قانون الجمعيات من أجل الحد من التمويل الأجنبي وإعلام رئاسة الحكومة مسبقاً، عكس ما يحدث الآن، والحد من ضلوع بعض الجمعيات في أنشطة مخالفة لمجال نشاطها الأصلي. وأضافت المسدي في تصريح خاص "يجب أن تتحصل الجمعيات الأجنبية الناشطة في تونس على ترخيص نشاط من وزارة الخارجية التونسية"، إلا أن المسدي عبرت عن قلقها من المماطلة في تعديل القانون.
وأعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية في وقت سابق عن أهمية مراجعة الإطار القانوني المنظم للجمعيات، مشيرة إلى ضرورة الموازنة بين حرية العمل الجمعياتي والرقابة على مصادر التمويل.
وفي هذا الصدد وفي يوليو (تموز) 2024، أعلنت الحكومة التونسية عن إعداد مشروع قانون أساسي يتعلق بتنظيم الجمعيات، يهدف إلى تنظيم وتحديث آليات تأسيس الجمعيات وطرق سيرها، مع الموازنة بين تكريس حرية العمل الجمعياتي والرقابة على مصادر التمويل، لكن إلى اليوم لم يعرض على مجلس نواب الشعب.