ملخص
على رغم تحرير الجيش السوداني منطقة الدبيبات بولاية جنوب كردفان من قبضة "الدعم السريع"، تعاني المدينة والقرى المجاورة من أزمات عدة، منها انقطاع خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات، وكذلك انعدام الغذاء والدواء ونزوح مئات الأسر.
تعيش ولايتا جنوب وغرب كردفان أوضاعاً إنسانية كارثية في ظل تصاعد وتيرة المعارك بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع"، إذ بلغ الوضع المعيشي ذروة السوء نتيجة انعدام السلع الغذائية وإغلاق الطرق، فضلاً عن الشح الحاد في مياه الشرب، ونقص الرعاية الصحية، وبات شبح الجوع والمرض يحاصر المواطنين الذين بالكاد يحصلون على وجبة واحدة في اليوم.
وأدى انقطاع الكهرباء، أكثر من ثلاثة أسابيع، إلى توقف عمل المطاحن في المناطق كافة، واضطر معظم السكان إلى استخدام حجر الرحى "المرحاكة" لطحن حبوب الذرة والقمح لتوفير الدقيق وإعداد الوجبات اليومية، فضلاً عن استخدام الأعشاب واللجوء للطب الشعبي من أجل التداوي من الأمراض، وصارت أوراق الأشجار المغلية في الماء مع بعض البهارات جزءاً من النظام الغذائي لعدد من الأسر.
نزوح وأزمات
يقول خضر أبكر من مواطني مدينة كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، إن "الوضع فاق حدود الاحتمال، خصوصاً مع استمرار القصف العشوائي على الأحياء السكنية من قبل الحركة الشعبية وتزايد أعداد الضحايا والجرحى، إضافة إلى أزمة الغذاء نتيجة إغلاق الطرق وتوقف إمدادات السلع والبضائع والأدوية". وأضاف، "القصف المتكرر أجبر مئات الأسر على النزوح إلى مناطق الدلنج والكرقل وأبوجبيهة بحثاً عن الأمن والحياة وسط ظروف إنسانية صعبة خصوصاً بعد نفاد المدخرات المالية وتوقف الأعمال"، وأوضح أبكر أن "السكان الموجودين في عاصمة ولاية جنوب كردفان يعانون أوضاعاً اقتصادية قاسية، إذ نفد كثير من السلع الضرورية مثل الدقيق والزيوت والرز والعدس، إلى جانب البصل المكون الرئيس في كل طبخة الوجبات السودانية"، وتابع "استغل التجار الظروف الحالية لرفع الأسعار لأعلى معدل واحتكار البضائع وتخزينها لإحداث ندرة في الأسواق ومن ثم بيعها بمبالغ خيالية".
حصار وجوع
تسبب الحصار على ولاية جنوب كردفان بشلل كامل لحركة انسياب البضائع والتبادل التجاري، مما أدى إلى تفاقم أزمة الغذاء والدواء.
في السياق قال الطيب عبدالعاطي، أحد مواطني مدينة الدلنج بجنوب كردفان، إن "الأوضاع المعيشية والإنسانية باتت متردية، ودهم الجوع غالبية السكان، ومعظم الجيران خلال يوم كامل لا يتناولون وجبة واحدة، واضطر العشرات إلى جمع أوراق أشجار المانغو والليمون والجوافة مع إضافة بعض الملح والبهارات وتقديمه كوجبة من أجل سد الرمق، لا سيما بعد ارتفاع أسعار الذرة والقمح لأرقام قياسية". وتابع "في ظل الحصار المستمر، أكثر من عام، توقفت إمدادات السلع والمواد الغذائية من ولاية شمال كردفان بسبب إغلاق الطرق، كما أن الحصول على البضائع من منطقة النعام الحدودية مع جنوب السودان أمر في غاية الصعوبة نظراً إلى تعرض التجار للنهب والسلب وكذلك الاعتقال من المجموعات المسلحة"، ونوه عبدالعاطي إلى أن "حالات الإصابة بأمراض الحميات وسوء التغذية والملاريا ارتفعت بصورة ملحوظة إلى جانب بعض الأمراض المعدية المنقولة عبر المياه، وانتشار الالتهابات الرئوية وسط الأطفال والكبار، فضلاً عن انعدام الرعاية الصحية".
أمراض وانتهاكات
على رغم تحرير الجيش السوداني منطقة الدبيبات بولاية جنوب كردفان من قبضة "الدعم السريع"، تعاني المدينة والقرى المجاورة أزمات عدة، منها انقطاع خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات، وكذلك انعدام الغذاء والدواء ونزوح مئات الأسر.
التجاني الصافي العائد إلى محلية القوز قال، إنه "مع استمرار حال الانفلات قبل دخول الجيش المنطقة"، انتشرت جرائم السرقة المسلحة، والسطو على المنازل، والاعتداءات في وضح النهار، و"تم نهب ممتلكات المواطنين بالكامل علاوة على رصد 12 حالة اغتصاب موثقة"، وأشار إلى أن "أزمة الكهرباء فاقمت المعاناة المعيشية بسبب توقف عمل المطاحن في ظل شح وندرة الدقيق، خصوصاً بعد نهب الأسواق، لذا لجأت النساء لاستخدام حجر الرحى لطحن حبوب الذرة والقمح للحصول على وجبة واحدة في اليوم"، ولفت الصافي إلى أن "صيدليات المنطقة تعرضت لعمليات سلب ونهب بالكامل، مما أدى إلى أزمة دواء تفاقمت مع مرور الوقت وجعلت المواطنين يلجأون للتداوي بالأعشاب لمجابهة الأزمة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أوضاع مأسوية
في ولاية غرب كردفان تشهد مدن النهود والفولة وأبوزبد أوضاعاً إنسانية مأسوية، إذ تستمر عمليات النزوح من مدينة النهود للأسبوع الثالث على التوالي عقب سيطرة "الدعم السريع" على المدينة في الثاني من مايو (أيار) الجاري.
في سياق متصل، أوضح معتز شعبان الذي نزح إلى منطقة أم صميمة، أن "السكان فقدوا كل ما يملكون حتى هواتفهم، بعد نفاد المواد الغذائية وإغلاق الأسواق، وانعدام كل أسباب الحياة، وبات الناس يعيشون ما دون حد الكفاف إذ لا يجد كثير من الأسر وجبة واحدة هزيلة في اليوم". وأضاف أن "معظم المواطنين أصبحوا مكشوفين أمام موجات الجوع المستشري بصورة مخيفة، خصوصاً في مدينة النهود والمناطق المجاورة حيث تسيطر ’الدعم السريع’".
معاناة النازحين
في غضون ذلك، استقبلت منطقة أبوزبد، بغرب كردفان، آلاف النازحين من مناطق الدبيبات والدبكر وقرى محلية القوز بولاية جنوب كردفان.
وفي هذا الصدد، قال بلال صالح، أحد مواطني أبوزبد، إن "الأسر التي نزحت من منازلها في المناطق التي تحتدم فيها الاشتباكات تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة من إيواء وماء وغذاء وعلاج، ويفترش مواطنون كثر الأرض في العراء وتحت ظلال الأشجار"، وطالب صالح المنظمات الوطنية والدولية بضرورة التدخل مراعاة للأوضاع الحرجة التي يعيشها النازحون، وتقديم خدمات إنسانية طارئة لهم، خصوصاً أن هناك عمليات نزوح جديدة ترتبت على أحداث منطقة الدبيبات".