ملخص
لحظات النوم فجأة أمام الجميع هي الأسوأ وتظل إما سبة أو سخرية أو عبرة وعظة لصاحبها والآخرين. إنه النوم الذي تلتقطه الكاميرا خلال فعالية رسمية بالصوت والصورة، إذ صوت الشخير الأجش أو مجرد شهيق وزفير النائم المختلف عن المتيقظ يُبث للجميع على الهواء مباشرة.
بينما المتحدث يشرح وجهة نظر بلاده في شأن الصراع المحتدم بين روسيا وأوكرانيا أمام الجمع الأممي الحاشد تصاعد صوت "شخير" أحدهم، لينال من جدية الشرح ويفجر ضحكات مكتومة بدلاً من الموافقة أو الاعتراض على مقترح حل الصراع.
وفي أثناء حفل العشاء الملكي المقام على شرف زيارة رئيس دولة كبرى، وبينما الملكة تلقي كلمة الترحيب، إذ برقبة الرئيس تترنح للوراء ليكشف عن وجه غارق في نوم عميق.
وبينما مديرو قطاعات الشركة والزملاء مجتمعون عبر "زووم" للقاء رئيس مجلس الإدارة الجديد، إذ بأحد الموظفين استسلم تماماً للنوم أمام كاميرته المفتوحة.
إنها لحظات النوم الأسوأ التي تظل إما سبة أو سخرية أو عبرة وعظة لصاحبها وللآخرين. النوم في مكان عام وضمن فعالية رسمية وأمام الكاميرا، إذ صوت الشخير الأجش أو مجرد شهيق وزفير النائم المختلف عن المتيقظ.
"قيلولة تنشيطية"، "غفوة تجديد طاقة"، "إغلاق العينين للاسترخاء" وغيرها من جهود تجميل أو تمويه لحظات الحرج، التي يغط خلالها أحدهم في نوم عميق على مسمع من الجميع وعلى مرأى من الكاميرات، تظل تأكيداً بأن "النوم سلطان".
سلطان النوم لا يُفرق بين غني وفقير، رئيس وخفير، رجل وامرأة، وإن كان أشهر من استسلموا له في محافل وفعاليات سيتذكرها التاريخ هم من الرجال، لا سيما كبار رجال الدول. أما غير المشاهير من موظفين ناموا أمام كاميرات الاجتماعات الافتراضية، أو في قاعات اجتماعات الشركات والأعمال، أو داخل حفلات وفعاليات عامة فيمثلون فئات المجتمعات كافة، ولكن تظل الأسباب كثيرة وغير محددة ولا تعطي إجابات شافية للسؤال، لماذا ننام في الأماكن العامة؟
واحد من بين كل خمسة أميركيين ينام أو يقاوم شعوراً جارفاً بالرغبة في النوم خلال مواقف تتطلب مستوى عالياً من التركيز والمشاركة، وأبرزها الاجتماعات الرسمية والفعاليات الاجتماعية.
لذة التداول
يحلو للجميع تداول صور وفيديوهات القادة والزعماء والمشاهير الذي غطوا في نوم عميق خلال فعالية عامة أو جلسة برلمان أو في عشاء رسمي. وخلال السنوات القليلة الماضية، هيمن الرئيس الأميركي السابق جو بايدن بصورة واضحة على ما يجري تداوله، من النوم أثناء جنازة الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، بينما السيدة الأولى السابقة جيل بايدن تحاول إيقاظه من دون أن يلحظ أحد، إلى إغفاءة قصيرة لنحو 80 ثانية أثناء مشاركته في مؤتمر أفريقي عن خطوط السكك الحديد داخل أنغولا في بداية فترة الرئاسية، إلى إغفاءة أطول قليلاً أثناء قمة المناخ "كوب 26" الذي انعقد داخل اسكتلندا خلال عام 2021 وصفتها "سي أن أن" بـ"النسر يغفو"، وغيرها من حالات التقطتها الكاميرات وعلقت عليها، وأسهم بعضها في إضعاف موقف بايدن ضمن السباق الرئاسي.
وأمام تواتر الانتقادات، والمجاهرة بمشاعر القلق على صورة رئيس أقوى دولة في العالم نائماً على الملأ في دوائر قريبة منه وأخرى تناصبه العداء والمنافسة، خرج بايدن خلال يوليو (تموز) 2024 "يطمئن" الجميع بأن خطته المستقبلية ستتضمن التوقف عن جدولة الفعاليات التي يجب عليه حضورها بعد الثامنة مساءً، وذلك ليتمكن من النوم لعدد ساعات أكبر. وبدلاً من أن تطمئن "إعادة الجدولة" الناخبين والمحيطين زاد قلقهم، واستغل "الاعتراف" أنصار المنافس دونالد ترمب ليثبتوا أن الرئيس ينام أينما يذهب، وهو ما يعضد –بحسب ما رددوا- من موقفهم الداعي إلى انتخاب المرشح الجمهوري الذي لا ينام في المناسبات العامة.
ووصل الأمر إلى درجة أن ترمب أثناء استعراضه لـ"إنجازاته" خلال المئة يوم الأولى من رئاسته استعاد نوم سلفه، فقال "خسرنا مليارات ومليارات الدولارات يومياً مليارات، لا ملايين، في ظل جو بايدن النائم. أيهما أفضل، جو المتعجرف أم النعسان؟".
جو ليس وحده
لكن ليس جو وحده من ينعس على الملأ، وعلى الهواء مباشرة. نام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام الكاميرات خلال دورة الألعاب الأولمبية في بكين عام 2022. ونام رئيس وزراء بريطانيا السابق بوريس جونسون في "كوب 26"، التي وصفها بعض ساخراً بـ"قمة النوم" نظراً لانتشار عدوى العيون المغلقة والشهيق والزفير الرتيبين أثناء الجلسات.
ونام رئيس وزراء بريطانيا السابق غوردون براون في اجتماع لمجلس الأمن في الأمم المتحدة عام 2008. وكثيراً ما نام رئيس وزراء إيطاليا السابق الراحل سيلفيو برلسكوني خلال فعاليات دولية ومحلية، سياسية واجتماعية. ونام رئيس بيرو السابق ألبرتو فوجيمورو أثناء محاكمته على انتهاكات لحقوق الإنسان ارتُكبت في عهده. ونام الزعيم الكوبي الأيقوني الراحل فيديل كاسترو على الملأ مرات عدة خلال أعوامه الأخيرة، وهو الذي توفي في عمر الـ90.
التقدم في العمر يقفز إلى مقدمة الأسباب أو المبررات، وأحياناً أدلة الاتهام التي تستخدم لشرح النوم خلال الفعاليات العامة. ودراسات عديدة تجرى حول نوم المسنين في الأماكن العامة، تبين الأسباب والعوامل وأبرزها الاكتئاب والتعب واضطرابات النوم وتقلص الأنشطة البدنية والآثار العكسية لبعض الأدوية وأمراض مثل السكري والقلب، وسبل تقليص ذلك حماية لهم من التعرض لأخطار مثل سرقة ممتلكاتهم، لكن حين يكون المسن شخصية عامة، لا سيما في منصب سياسي بارز مثل رئيس أو رئيس وزراء أو ما شابه، يُستخدم النوم في المؤتمرات واللقاءات للتراشق السياسي وتشويه السمعة، لا سيما في مواسم التجهيز للانتخابات.
غفوة السياسي
للمؤيدين، غفوة السياسي هي "قيلولة إعادة الشحن"، وللمعارضين هي "دليل العجز وانعدام القدرة"، وللمتابعين هي صورة أو مقطع يحقق ملايين المشاهدات، وللمنصات تعد وسيلة لتحقيق الانتشار وجني الأرباح.
ملايين المشاهدات أيضاً تحصدها صور ومقاطع ممثلين وممثلات ينامون في حفلات وفعاليات عامة، أبرزها الأوسكار. من عارضة الأزياء كريسي تيغن التي التقطتها الكاميرا نائمة على كتف زوجها المطرب جون لجند في حفل أوسكار عام 2017 مرتين مختلفتين. وحظيت تيغن بدعم الجمهور والمتابعين الذين دافعوا عنها، بل وعدُّوا نومها أثناء الفعالية السينمائية الأهم دليلاً على الأمومة الجيدة والمتفانية لرعاية صغيرتها، والتي كان عمرها 10 أشهر حينئذ.
المخرج العالمي مارتن سكورسيزي أيضاً شوهد نائماً خلال حفل أوسكار عام 2020. والقائمة طويلة، لكن لحسن الحظ أن الجماهير تتعامل مع نوم الفنانين في الفعاليات الكبرى بصورة ألطف وأهدأ وأكثر قبولاً وتفهماً، مقارنة بنوم الساسة.
وللنوم في المؤتمرات والفعاليات العامة وجوه أخرى تجعل بعضاً يبحث عن سبل للوقاية تحسباً للحرج. والتفسير الأسهل للنوم في الاجتماعات والمؤتمرات أن النائم لم يحصل على القدر الكافي من النوم خلال الليلة السابقة، لكن بسؤال الجانب الأكبر من النائمين في المؤتمرات تأتي الإجابات لتنفي ذلك.
مطالب الجسم
بعد استبعاد عدم الحصول على قدر كاف من النوم خلال الليلة أو الليالي السابقة يبقى عاملان رئيسان، الأول أن جسم النائم في الفعالية العامة يحاول أن يخبر صاحبه شيئاً ما، والثاني أن العوامل أو البيئة المحيطة ربما تدفع بعضهم للنوم رغماً عنهم.
رسائل الجسم كثيرة، منها الحاجة إلى شرب الماء وتفادي الوصول إلى مرحلة الجفاف التي لا يعالجها شرب الشاي والقهوة، فقط الماء، وارتفاع درجة حرارة الغرفة حيث درجات الحرارة المرتفعة، لا سيما أن الأماكن المغلقة تجعل الجسم يتعرق في محاولة لخفض درجة حرارته وهو ما يجعله منهكاً، واستهلاك كميات كبيرة من السكر التي تجعل معدله في الجسم يعلو بشدة فجأة ثم سرعان ما ينخفض، مما يجعل الجسم في حال إنهاك تدفعه إلى النوم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الدراسات والبحوث تطرح عدداً من الأسباب، لكن يبقى عنصر نقص الأوكسجين داخل الأماكن المغلقة العامل الأقوى، وذلك في حال استبعاد الأمراض التي قد تؤدي إلى نوم الشخص في مكان عام أو فعالية رسمية أو اجتماعية من دون أن يدري.
النوم في الباص
وسائل المواصلات العامة والفصول الدراسية وقاعات المحاضرات وغيرها من الأماكن المغلقة سيئة التهوية تدفع بعضاً للنوم. وإذا كان النوم في الفصل أثناء شرح المعلم أو داخل قاعة الاجتماع أو المؤتمر أثناء خطبة الرئيس أو كلمة المدير يثير السخرية أو الغضب أو كليهما، فإن النوم في وسائل المواصلات العامة يعرض بعضهم لمشكلات كبرى، منها الاستيقاظ في آخر خط المترو أو الباص على بعد عشرات المحطات من المحطة الأصلية، والسفر إلى مدينة تبعد مئات وربما آلاف الكيلومترات من الوجهة الأصلية، بل هناك من استيقظ من النوم ليجد نفسه في دولة غير تلك التي كان يقصدها.
الطريف أن أسئلة عديدة يطرحها مستخدمو "أمتراك" (المؤسسة الوطنية للسكك الحديد الأميركية) حول إجراءات وأخطار ومحاذير النوم في القطارات، لا سيما أن المسافات الشاسعة في أميركا تعني أن من تفوته محطة قطار واحدة قد تكلفه كثيراً من الوقت والمال ليعود إلى وجهته الأصلية.
الوجه الآخر للنوم في الأماكن العامة اجتماعي. بعضٌ يتبرع بإيقاظ النائم خوفاً من تعرضه لمخاطر، أو حفاظاً على مكانته لو كان في اجتماع أو مؤتمر رسمي يجري تصويره، أو ليلحق بمحطته أو وجهته. وآخرون ينظرون إلى النائم داخل مكان عام نظرة عدائية، إذ يربطون بين النوم في مكان عام وصور نمطية للمشردين ومدمني المواد المخدرة والمرضى النفسيين، وهي فئات تعاني الوصمة في بعض المجتمعات والثقافات.
التسامح مع النوم
رد الفعل تجاه النوم في مكان عام يختلف من ثقافة إلى أخرى، قلة تتقبله بحكم أن النائم مضطر، وغالبية ترفضه، وثقافة فريدة ومجتمع بعينه ينظر إليه بعين الإجلال والاحترام. النوم داخل مكان عام في اليابان عادة يعد علامة من علامات اجتهاد وتفاني النائم في عمله.
"إنميوري"
تعني النوم أثناء الحضور، أي النوم في مكان العمل أو المؤتمر أو الاجتماع ليس مقبولاً فحسب، بل مشجع ومحبذ. وربما يعود هذا إلى معرفة يقينية بأن النائم سيغفو أربع أو خمس دقائق ثم يعود إلى عمله أكثر نشاطاً وكفاءة، ولن يستيقظ قبل موعد الانصراف بربع ساعة مثلاً.
الاستثناء الوحيد يحدث حين ينام أحدهم أثناء العمل حال كانت طبيعة العمل تجعله مسؤولاً عن أرواح وسلامة آخرين. وخلال مطلع أبريل (نيسان) الماضي، أصدرت شركة شرق اليابان للسكك الحديد بياناً قالت فيه إن سائق قطار في الأربعينيات من عمره نام أثناء قيادة القطار، وهو ما نجم عنه تجاوز محطة "كاواساكي"، ولحسن الحظ لم تحدث إصابات، ولكن حدث تأخير في حركة القطارات، ووصل هذا التأخير إلى خمس دقائق، وهو ما يستوجب الاعتذار، والوعد بألا يتكرر مثل هذا الحدث.