ملخص
الاختفاء القسري أزمة إنسانية أخرى في غزة، لكن إسرائيل ترفض التعامل مع منظمات حقوق الإنسان. في هذا التقرير ترصد "اندبندنت عربية" قصص الضحايا وعائلاتهم، وتسلطت الضوء على الأثر القانوني لتلك الجريمة.
ضمن واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في حرب غزة، سجلت منظمات حقوق الإنسان اختفاء نحو 3500 غزي قسرياً، ولا يزال مصيرهم مجهولاً بعدما اعتقلهم الجيش الإسرائيلي خلال عملياته البرية في القطاع.
يعتقد ماجد الرواغ أن أخاه ناصر وقع في قبضة الجيش الإسرائيلي، لكن العائلة لا تعرف مصير ابنها، ما إذا كان على قيد الحياة أم أسيراً في السجون الإسرائيلية، وإذا كان فعلاً ينام في الزنازين المظلمة فما التهمة الموجهة إليه؟
لا معلومات
عندما كان ناصر نازحاً داخل مدرسة مرفوع عليها علم الأمم المتحدة ويحتمي بين جدرانها من جنود الجيش الإسرائيلي المدججين بالأسلحة، داهمت القوات المرفق التعليمي وفصلت الرجال عن النساء واقتادت الذكور إلى مكان مجهول.
وثق جنود الجيش الإسرائيلي عمليات اقتياد الغزيين، وكانوا عراة ومعصوبي الأعين ومكبلي الأيدي والقدمين، وظهرت صور الرجال أثناء اقتيادهم إلى جهة مجهولة. يقول ماجد "تفحصت الصور ورأيت أخي ناصر بينهم، تأكدت حينها أنه على قيد الحياة ولم يسقط ضحية في المعارك".
اتصل ماجد بالصليب الأحمر لمعرفة مصير شقيقه ناصر، لكن لا معلومات لدى اللجنة الدولية، ثم حاول التواصل مع مؤسسات حقوق الإنسان للاطمئنان على أخيه، لكنه لم يحصل على أي خبر، وحينها أدرك أن شقيقه وقع ضحية للاختفاء القسري.
صعوبة التوثيق
بحسب بيانات مركز الدراسات السياسية والتنموية الفلسطيني، فإن من بين 14 ألف شخص مفقود في غزة هناك ما يزيد بكثير على 3500 شخص مختفون قسرياً، بعدما جرى اعتقالهم تعسفياً من قبل قوات الجيش الإسرائيلي.
يؤكد مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة أنه لا توجد أية معلومات عنهم، لا أماكن وجودهم أو أوضاعهم، مشيراً إلى أن الأرقام المهمة عن المختفين قسرياً ليست نهائية ولا تعد دقيقة، لصعوبة التوثيق في ظل استمرار الحرب وغياب آليات الرصد المستقلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في عمليات التوغل البري للجيش الإسرائيلي، نفذت القوات عمليات اعتقال جماعية داخل مناطق بيت حانون ومخيم جباليا شمالاً، وخان يونس جنوباً، وطاولت مدنيين بمجرد أن نقلوا إلى إسرائيل تحولوا إلى مختفين قسرياً.
في بيان للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، جاء أن "إسرائيل تعتقل الفلسطينيين داخل قطاع غزة بصورة جماعية، من دون أن تنشر معلومات في شأن مكان احتجاز كثر منهم أو سبب ذلك، هذه الانتهاكات المرتبطة بالاختفاء القسري يجب أن تتوقف".
ورصدت منظمة العفو الدولية اختفاء آلاف الرجال والفتيان والنساء والفتيات، وقالت "رصدنا حالات اختفاء قسري بالجملة، يجب التحقيق في هذه الجرائم. إسرائيل ترفض الإفصاح عن أية معلومات عن المعتقلين، وهذا يجعل الشك يساورنا في شأن وقوع جرائم التعذيب والإعدام".
إفراج بعد عزاء
حمزة اعتقله الجيش الإسرائيلي من غزة ونقله إلى سجن "سيديه تيمان" وظل هناك 50 يوماً. وخلال فترة اعتقاله طلبت عائلته من الجيش تحديد مكانه، لكن جاء الرد "لا يوجد مؤشر إلى اعتقاله أو احتجازه"، وحينها قررت الأسرة اعتباره ضحية للقتال العسكري.
أقامت العائلة عزاء لحمزة، وفي اليوم نفسه خرج الشاب من السجون الإسرائيلية وأطلق سراحه نحو القطاع. ويقول "كنت محتجزاً من قبل الجيش داخل غزة وكانوا ينقلونني من مكان إلى آخر ولكن ليس إلى السجون الإسرائيلية، أعتقد أنني كنت مختفياً قسرياً، وربما لأنني لم أدخل السجون أبلغ الجيش عائلتي بأنه لا مؤشر إلى اعتقالي".
لا يزال مصير الغزيين الذين اقتادهم الجيش من غزة إلى أماكن احتجاز غير معروفة مجهولاً، ولمعرفة مصيرهم قدم أهاليهم إلى جانب منظمات حقوقية أكثر من 27 التماساً للمحكمة العليا الإسرائيلية لمعرفة مصير المفقودين، لكن المحكمة والجيش رفضا هذه الالتماسات.
وفي تعليق للمتحدث العسكري نداف شوشاني على المختفين قسرياً، قال "لا يوجد لدى الجيش أية مؤشرات في شأن اعتقالهم أو احتجازهم"، لكن صحيفة "هآرتس" العبرية تقول إنهم شوهدوا آخر مرة محتجزين لدى الجنود.
وتعرف الأمم المتحدة الاختفاء القسري بأنه "يحدث عند اعتقال الأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم على رغم عنهم وحرمانهم من حريتهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ثم رفض الكشف عن مصير الأشخاص المعنيين أو عن أماكن وجودهم، ورفض الاعتراف بحرمانهم من حريتهم، مما يجرد هؤلاء الأشخاص من حماية القانون".
وعلى مدار أشهر الحرب رفضت إسرائيل مراراً تقديم معلومات للعائلات حول مصير المعتقلين، وفي الوقت نفسه أوقفت السماح لممثلي الصليب الأحمر بزيارة مراكز الاعتقال داخل أراضيها.
واعتمدت الأمم المتحدة اتفاقاً دولياً لحماية الأشخاص من الإخفاء القسري، واعتبرته جريمة ضد الإنسانية إذا ارتكبت في ظل هجوم واسع النطاق أو منهجي، ووسط هذه البنود لم تنضم إسرائيل لهذا الاتفاق، وهو ما تعده يحميها من المتابعة القانونية.
مقاتل غير شرعي
يقول أحمد النجار "ابني اختفى عندما دهم الجنود محافظة رفح أخيراً، واتصلت بالصليب الأحمر مرات عدة في مسعى لمعرفة مصيره وكان رد المنظمة الدولية أنها لا تمتلك أية معلومات. وتواصلت مع منظمة حقوقية داخل إسرائيل، وبعد أيام ردت عليَّ أن ابني لم يمض على اعتقاله 45 يوماً، لذا فإن الجيش لم يقدم لها أية معلومات عنه".
يعتقل الجنود الإسرائيليون أثناء عملياتهم العسكرية في غزة المواطنين بموجب قانون "المقاتلين غير الشرعيين"، الذي تعمل به تل أبيب ويسمح باحتجاز الشخص 45 يوماً من دون أي يلتقي محامياً، ومن دون لوائح اتهام أو محاكمات، وبعيداً من الرقابة القانونية والإنسانية.
عندما بدأت إسرائيل الحرب ضد حركة "حماس" داخل غزة عدلت قانون المقاتل غير الشرعي، ومن أبرز هذه التعديلات تمديد حبس المعتقل لمدة 45 يوماً، وإتمام المراجعة القضائية بعد 75 يوماً، ومنع المعتقل من لقاء المحامي لمدة 180 يوماً.
ويقول رئيس هيئة شؤون الأسرى الفلسطينيين قدورة فارس "الجهاز القضائي الإسرائيلي رفض تقديم معلومات عن المختفين قسرياً، وتعامل مع قوانين يقرها الكنيست الإسرائيلي تخل بالحقوق المطلقة التي لا تخضع لقيد، مثل حق العلاج والحق في الحياة".
ويضيف "القضاء الإسرائيلي يسهم في جريمة الاختفاء القسري لأسرى قطاع غزة، ويجب محاسبة تل أبيب على هذه الجريمة، هؤلاء الأشخاص الذين لا نعرف عنهم أية معلومات ليسوا أرقاماً وإنما خلفهم مأساة إنسانية، عائلاتهم تعيش على وقع سؤال مؤلم لا يلقى جواباً ’أين ذهبوا بأبنائنا؟‘".
خلال عملية التفاوض على المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار داخل غزة، اتفقت "حماس" وإسرائيل على الكشف عن مصير المختفين قسراً وتقديم معلومات عنهم، لكن الأخيرة لم تلتزم بتنفيذ هذه النقطة.
نتجاوب مع الجميع
يقول المتحدث العسكري شوشاني "نتجاوب مع جميع الطلبات في شأن المعتقلين لدينا، أرسلنا ذلك في بريد إلكتروني للمؤسسات الحقوقية، وحددنا أنه يمكن للمعتقل لقاء محام، وهذا يعني أننا لا نخفي مكان اعتقاله".
لكن مدير مركز "الدفاع عن الفرد" جيسيكا مونتيل تقول "اختفى أثر مئات الأشخاص بعد أن كانوا في حوزة الجنود. إما أن الجيش يرفض تقديم معلومات في هذه الحالات أو، وهذا هو الأسوأ، أن الجنود لا يوثقون التعامل مع السكان المدنيين على الإطلاق".
مركز "الدفاع عن الفرد" كان واحداً من المنظمات الحقوقية التي تواصلت مع الجيش الإسرائيلي في شأن المختفين قسراً، وتضيف مونتيل "قدمنا عشرات الحالات والالتماسات إلى المحكمة العليا التي رفضت إجراء أية مراجعة قضائية، في هذه الحرب رصدنا حالاً من الفوضى، إذ يختفي المعتقلون من دون عودة وتحدث انتهاكات خطرة للقانون".