ملخص
في بحر من السيارات المتوقفة يجد السائق أو حتى الراكب نفسه مكبلاً ومسجوناً داخل عربة يبلغ حجمها في أفضل الأحوال أربعة أو خمسة أمتار، إن افترضنا أنه في باص، وليس في سيارته الخاصة. يشعر بضيق تنفس واختناق وتصبح الثواني والدقائق ثقيلة جداً.
"كابوس يومي يتحول في بعض الأحيان إلى فرصة أو إلى أزمة نفسية قاسية أو ربما الاثنتين معاً"... مقولة قد يصعب فهمها على من لم يختبر الزحمة القاسية التي قد تبدأ بنصف ساعة، ولا تنتهي عند حدود الساعات الثلاث أو أكثر.
في بحر من السيارات المتوقفة يجد السائق أو حتى الراكب نفسه مكبلاً ومسجوناً داخل عربة يبلغ حجمها في أفضل الأحوال أربعة أو خمسة أمتار، إن افترضنا أنه في باص، وليس في سيارته الخاصة. يشعر بضيق تنفس واختناق وتصبح الثواني والدقائق ثقيلة جداً، وبخاصة إن كان مستعجلاً بالوصول إلى وجهته، كعمله صباحاً أو منزله وأطفاله مساء.
وداخل ما يصطلح على تسميته "الإقامة الجبرية" في السيارة وعلى الطرقات، يجد المرء نفسه أمام خيارات عدة للتمويه أو حتى الانتهاء من أعمال متكدسة يمكن إنهاؤها عبر الهاتف، إلا أن عدداً غير محدود من الناس يجد نفسه غير قادر على تحمل التبعات النفسية القاسية الناتجة من قضاء ساعات طويلة يومياً داخل الزحمة، فيتخذ قرارات جذرية في حياته، تبدأ من تغيير وسيلة التنقل وقد تصل أحياناً إلى قرار تغيير مكان المنزل أو حتى العمل نفسه والمهنة.
وصحيح أن الزحمة موجودة في كل دول العالم وحتى أكثرها تقدماً وتطوراً نظراً إلى ثقافة اقتناء المنزل الواحد عدداً من السيارات والتنقل بصورة فردية لا جماعية، إلا أن الدول العربية لديها تجاربها الخاصة مع هذه المشكلة، على رغم كل الخطط التي وضعت سابقاً لحلها.
وقت ضائع أم وقت مستعاد؟
في شوارع العاصمة السعودية الرياض لا تعد زحمة السير مفاجأة، بل أصبحت جزءاً من حياة يومية يتقنها السكان. وبينما تلتهم المركبات الوقت شيئاً فشيئاً، يختبر العالقون على الطرقات طقوسهم الخاصة في مقاومة الملل وتحويل لحظات الانتظار إلى مساحات بديلة للحياة.
في مشهد يتكرر كل صباح ومساء، تصطف السيارات كأنها جزر معزولة في بحر من الصمت والموسيقى وأصوات المذياع. بعض يراه وقتاً مسلوباً وآخرون يستثمرونه على طريقتهم، مثل شيرين حسين التي تقول "اعتدت على زحمة الرياض، لدرجة أنني أصبحت أجهز وجبة للسيارة قبل الانطلاق، وأختار حلقة بودكاست مناسبة ترافقني طوال الطريق، وبذلك يمضي الوقت بصورة أسرع، بل أشعر أحياناً أنني أنتظر هذا الوقت".
أما عبدالعزيز فذهب أبعد من التعايش إلى الاستفادة المباشرة من وقت الانتظار. ويقول "أحب هذا الوقت، وأصبحت أؤجل مكالماتي التي تأتيني خلال ساعات العمل إلى لحظة خروجي، أستغل الطريق في إنهاء مهام عالقة أو الرد على رسائل مؤجلة، وكأن الطريق صار مكتبي الموقت".
طقوس العالقين
تأخذ الطرقات وجوهاً متعددة، وبعضها أكثر حميمية مما يُتوقع. ضي موظفة في أحد مستشفيات العاصمة، لا تنكر أن الطريق بالنسبة إليها يحمل مساحة خاصة للتنفيس. وتكشف لنا "أقضي بعض الوقت في البكاء، وأحياناً أستمع إلى بودكاست… هو وقت لا يمكن الهرب منه، فأحاول أن أكون صادقة مع مشاعري خلاله".
فيما يجد ناصر عزاءه في الموسيقى، وأحياناً في الوثائقيات التي يشاهدها عبر هاتفه المحمول، فالطريق الطويل أصبح بالنسبة إليه مكاناً يراجع فيه ما فاته، ويقول "أتعلم شيئاً جديداً، أو أهرب من صخب يوم العمل إلى عوالم مختلفة".
أكثر من نصف ساعة يومياً في الطريق
تتقاطع هذه الشهادات الشخصية مع نتائج استطلاع أجراه المركز الوطني لاستطلاعات الرأي العام "رأي"، التابع لمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني مطلع فبراير (شباط) 2024. وشمل الاستطلاع 1549 مواطناً ومواطنة، كاشفاً عن أن 59 في المئة من سكان الرياض يقضون أكثر من نصف ساعة يومياً في طريقهم من المنزل إلى العمل، مقابل 35 في المئة داخل المدن المليونية الأخرى، كجدة ومكة والمدينة المنورة، و27 في المئة داخل بقية المدن والمحافظات والقرى.
وأظهرت النتائج أن 79 في المئة من المشاركين يبدأ عملهم اليومي بين السابعة والثامنة صباحاً، وهو وقت الذروة الذي يشهد أعنف حالات التكدس المروري، مما يضاعف من أثر هذا الوقت على الصحة النفسية والإنتاجية، بل وعلى سلوك القيادة نفسه.
الانزعاج حاضر… والمخالفات أكثر وضوحاً
في مؤشر الانزعاج من القيادة أثناء الزحام، عبر 29 في المئة من أفراد العينة عن تعرضهم لتجاوزات غير قانونية عند المخارج أو الإشارات، فيما اشتكى 18 في المئة من السرعة الزائدة و14 في المئة من التغيير المتكرر للمسار. أما في شأن استخدام الهواتف، فقد أفاد 23 في المئة أنهم تلقوا مخالفة مرورية العام الماضي، نصفهم بسبب إجراء مكالمات أثناء القيادة، و35 في المئة بسبب استخدام تطبيقات الخرائط.
وأقر 80 في المئة من العينة بتعرضهم لموقف مزعج يتمثل في تجاوز قائد مركبة أخرى لدورهم في صف الانتظار، في إشارة إلى حجم التوتر النفسي والانتهاكات اليومية التي تتخلل هذا الروتين الناتج من الزحمة.
مختبر نفسي واجتماعي متحرك
ما بين الموسيقى والبودكاست والمكالمات المؤجلة وحتى البكاء الصامت، تحولت الطرقات المزدحمة إلى مختبر اجتماعي متحرك يعكس مزاج المجتمع، وتحدياته اليومية، وقدرته على تكييف الواقع بما يخدم حاجاته النفسية أو العملية.
وخلال وقت تحاول فيه الجهات المتخصصة تحسين البنية التحتية، تبقى الحلول الذاتية التي يبتكرها الأفراد شاهداً على مرونة الإنسان في مواجهة الضغط، وعلى الدور الذي يمكن أن يلعبه الوعي الجمعي في تحييد أثر ما لا يمكن تغييره على المدى القصير.
ثقافة الانتظار… بين قبول الواقع وصياغته من جديد
يعد المراقبون أن أزمة الزحام لم تعد مجرد مشكلة بنية تحتية، بل تحولت إلى ظاهرة ثقافية تتشكل من خلالها عادات وطقوس وحتى علاقات جديدة مع الوقت، إذ لا يستطيع العالقون في الزحام تغيير الواقع، لكنهم بطريقة ما أعادوا تشكيله وفق ما يناسبهم، ساعة من الانتظار أصبحت ساعة تأمل أو تعلم أو تواصل مؤجل، وفي مدن تسابق الوقت أصبح التوقف لحظة استراحة… أو ربما بداية لحياة موازية لا تشبه سوى ساكنيها.
أعمار مهدرة على طرقات القاهرة
على رغم المدن الجديدة وتطوير الكباري داخل المدن المصرية الكبرى وعلى رأسها العاصمة القاهرة، لا يزال الزحام منتشراً. وفيما يجد بعضهم في النوم وإنهاء المهام والتأمل حلولاً موقتة، لا يحتمل بعضهم الآخر هذا الوضع، فيفقدون أعصابهم وفي بعض الأحيان مهنتهم.
ووفقاً للتصريحات الرسمية، يوجد ما يقارب 11 مليون شخص يسكنون القاهرة ومثلهم يترددون عليها يومياً، أي نحو 22 مليون إنسان في بقعة أرض مساحتها تزيد قليلاً على 3084 كيلومتراً مربعاً، بينما المساحة المأهولة فعلياً وفقاً لمنشور خطة أهداف التنمية المستدامة لا تزيد على الـ6.2 في المئة من هذه الكيلومترات. وبحسبة بسيطة، سيتضح أن الكثافة السكانية في العاصمة تزيد على الـ50 ألفاً، وإذا ما أضفنا إليهم عدد المترددين يومياً سنحصل على رقم مفزع، يجعل من إنجاز المشاوير الحياتية البسيطة في هذه البقعة أمراً يحتاج إلى معجزة، لكن المفاجأة أن كثيراً من المعجزات الصغيرة تتكرر يومياً، بفضل التطوير المستمر في شبكة الطرق والقطارات.
لكن في المقابل بالنسبة إلى كثر، أصبح الوقت المهدر على الطرقات بمثابة أزمة تؤرق الساعين إلى رزقهم وإنهاء مصالحهم الضرورية.
وإن كان كل فرد عامل في هذا العالم عليه أن يكتسب مهارات شتى كي يتمكن من الصعود والترقي الوظيفي، أو حتى من تأمين مكانته في مهنته، فإن هناك مهارات أخرى تقع على عاتق سكان العاصمة المصرية وعليهم إجادتها تماماً كي لا يفقدوا أعصابهم وصحتهم النفسية، وربما علاقاتهم العاطفية والأسرية، وهي تلك المتعلقة بالمناورة مع الطريق واقتناص الأوقات الأقل ازدحاماً لضمان أقل خسائر ممكنة للوقت والمجهود، وكي لا يفوتوا مواعيدهم سواء كانت متعلقة بالعمل أو بمناسبات شخصية، وأن يتعلموا أيضاً أنهم حتى وهم متمرسون في استهداف الطرق الأقصر وخبراء في خبايا الشوارع الأقل اكتظاظاً، قد يفاجأون بأمور لم تكن في الحسبان، وهنا عليهم أن يتعلموا التكيف واكتساب مزيد من الوسائل للتعامل مع مفاجآت من هذا النوع، دون أن يصابوا بضغوط عصبية تؤثر سلباً فيهم عقلياً ونفسياً وجسدياً، حينما يجدون أنفسهم متوقفين ساعات في نقطة واحدة بفعل زحام مروري غامض، وكأن العالم من حولهم تحول إلى "جراج" (مرأب) كبير على مرمى البصر.
ربع العمر على الطرقات
تتحدث استشارية الصحة النفسية الدكتورة أمل محسن من واقع تخصصها الطبي وكذلك خبراتها الشخصية مع هذا المشهد، إذ تقول إن بعضاً قد يقضي في المشاوير الأساس فقط أكثر من ربع عمره على الطرقات، لذا الأفضل هنا هو استثمار الوقت بأية صورة، وتتحدد الطريقة بناءً على كونه يقود مركبته أو مجرد راكب، وتضيف "بعض يفضل المهام الروحية والصلاة، وآخرون ينجزون فروضاً مدرسية أو مهنية أو يتأملون. والخلاصة، أنه يجب تعلم مهارت تخلص العالقين في الطرقات من هذا العبء الذي يتولد بعدم الحركة والثبات، لا سيما حينما يكون الطقس سيئاً، فهذه المهام من شأنها أن تشعر صاحبها بالرضا والإنجاز وتحفيز الذات وتحويل الطاقة السلبية إلى إيجابية".
تلوث الهواء بسبب الزحمة
في تقرير سابق، أكد البنك الدولي أن الزحمة الكبيرة على طرقات القاهرة تسببت بتلوث الهواء بمعدلات كبيرة. وفي السياق نفسه كشفت صحيفة "الغارديان" أن تلوث الهواء يقلل من العمر الافتراضي للإنسان بسنتين تقريباً، فيما قال البنك الدولي عام 2021 إن نسبة الجسيمات الدقيقة العالقة التي يقل قطرها عن 10 ميكروغرامات تشكل خطراً كبيراً على صحة سكان القاهرة الكبرى، إذ إن نسبتها الحالية أضعاف مضاعفة من النسبة الموصى بها من قبل منظمة الصحة العالمية.
في المقابل، قالت وزارة البيئة المصرية عام 2024 إن جهود الوزارة نجحت في تقليل تلوث الهواء بنسبة 25 في المئة، داخل القاهرة الكبرى.
ويوصي البنك الدولي سكان القاهرة باستبدال وسائل النقل العامة المحسنة بالمركبات الخاصة، لإحداث فارق ملموس في مستويات نقاء الهواء الذي سينعكس مباشرة على الصحة، فيما تقول بيانات حصر المركبات المرخصة إن العاصمة لديها نصيب الأسد من عدد السيارات بـ2.6 مليون سيارة، أي ما يزيد على 26 في المئة من إجمال عدد سيارات الجمهورية، أي إنها بصورة مباشرة تتمتع بالهواء الأقل جودة في مصر، نظراً إلى كل هذا الكم من السيارات. وإن دل هذا الواقع على شيء فهو أن سكانها عالقون في زحام الطرقات، ويخسرون أيضاً صحتهم وهم محاصرون تماماً.
يقول يحيى لطفي الذي يعمل مهندس برمجيات في إحدى الشركات الكبيرة، إنه جرب شتى أنواع المواصلات اليومية وهو ذاهب إلى عمله من مدينة بدر، التي تعد امتداداً للقاهرة وضمن ما يسمى مدن الجيل الثاني، إلى شارع الهرم في محافظة الجيزة، مشيراً إلى أن شركته توفر وسيلة مواصلات للموظفين تغطي مناطق عدة، ولكن لا تزال منطقة سكنه بعيدة من تغطية شبكة المواصلات هذه فيضطر إلى استقلال سيارة خاصة يطلبها من طريق تطبيقات النقل الإلكترونية، تصل به إلى أقرب نقطة يوجد بها باص العمل، وفي أثناء عودته يقوم بالشيء نفسه معكوساً. ويقول "بداية بدلاً من أن أوفر كلفة المواصلات، فإنني أنفق يومياً ما يعادل دولارين في الأقل، إضافة إلى أن الوقت المتوقع للرحلة اليومية من المنزل إلى العمل من المفترض أن يستغرق نحو ساعة، لكن هذا لا يحدث إلا نادراً حيث نصل خلال ساعتين في الأقل، وأثناء العودة قد يصل الأمر إلى ساعتين ونصف الساعة وذلك بفعل التزاحم المستمر... والحقيقة، أنني لم أجد أفضل من النوم لقضاء هذا الوقت الطويل لا سيما أنني أكون مرهقاً تماماً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"القاهرة القديمة" زحام مزمن
في ظل هذه الأوضاع يحول من يستقلون سياراتهم في مسافات طويلة إلى منزل موقت، يلبي حاجات الطريق بمستلزمات كثيرة تعلموها من تجاربهم، والأمر نفسه بالنسبة إلى طلبة المدارس الذين ينام غالبيتهم أثناء الطرق المزدحمة، وبعضهم لا يصل منزله إلا بعد نحو ثلاث ساعات من خروجه من المدرسة.
ناهيك بمشاحنات سائقي السيارات التي تمثل عبئاً إضافياً، وكذلك زيادة احتمالية الحوادث باعتبارها سبباً بارزاً من أسباب الوفيات داخل مصر.
ولكن هل الوضع هكذا في المدن الجديدة أيضاً؟
يكشف عضو مجلس أمناء مدينة القاهرة الجديدة المهندس مروان فارس أن زحام المدينة مختلف تماماً عن القاهرة القديمة، إذ يكون عادة موقتاً وهناك حلول سريعة له وطرق بديلة، ويشرح الاستشاري العقاري كيف أن التخطيط الجيد يخفف كثيراً من تداعيات الزحام، ويقول "القاهرة القديمة تكون مقارها الإدارية عادة متاخمة للأماكن السكنية، مما يولد زحاماً هائلاً بسبب عدد السيارات في مسارات ضيقة بعكس المدن الجديدة، إذ المراكز الإدارية توجد في أماكن محددة، إضافة إلى وجود طرق بديلة كثيرة يمكن أن تخفف سريعاً من أي زحام مروري طارئ".
وحول تفسير سبب كون المساحة المأهولة داخل القاهرة تتجاوز فقط الستة في المئة بقليل من مساحتها الكلية، يقول فارس إن طريقة حساب المساحات يجب أن تتم بالفدان وليس بالأمتار، كي يكون الأمر دقيقاً، مشيراً إلى أن كل منطقة لها ظهير صحراوي شاسع المساحة، لذا تكون المساحة الإجمالية ضخمة.
الاستغناء عن الطموح المهني
إدارياً، تقع محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية في إطار ما يسمى القاهرة الكبرى، بإجمال عدد سكان يزيد على 25 مليون نسمة فيما عدد سكان البلاد يزيد قليلاً على 114 مليوناً، ولكن عاماً بعد آخر تمتد المحافظات الثلاث لتشمل مناطق سكانية جديدة ممتدة، مثل القاهرة الجديدة والتجمع والشروق والأخيرة ضمن مدن الجيل الثالث في القاهرة، ومدينة السادس من أكتوبر وضواحيها المترامية في الجيزة. والنتيجة أن بعض الأشخاص يسكنون اسماً فقط في نطاق القاهرة الكبرى ولكنهم قد يقطعون مسافات للوصول إلى بعض المناطق في هذا الحيز تستغرق وقتاً أطول بكثير من الوصول إلى محافظات أخرى مثل المنوفية على سبيل المثال، وذلك لأن الأمر يتحدد بسلاسة الطرق وعدد مرات التوقف ومستوى الزحام، فالقاهرة والجيزة تتمتعان بضغط هائل على الطرقات لأنهما تعدان مركزاً مهماً في ما يتعلق بالمصالح الحكومية والمدارس والمؤسسات المهنية، ومن ثم استقطاب الباحثين عن فرص العمل.
ولكن هذه الفرص أياً كانت رائعة وتمثل حلماً لكثر يمكن أن يُستغنى عنها بعد أن تكون سبباً مباشراً في إفساد العلاقات الاجتماعية وإصابتها في مقتل.
تقول منال رشوان إنها تخلت عن منصب مرموق كانت تتقاضى نظيره ألفي دولار شهرياً، من أجل الحفاظ على صحتها النفسية وصحة أبنائها وأمانهم، وذلك بسبب تعطل طرق السير المتكررة يومياً أثناء عودتها من عملها إلى منزلها، وتواصل "إدارياً منزلي يقع ضمن محافظة القاهرة وعملي في الجيزة، وهما المحافظتان الأقرب لبعضها بعضاً بل حدودهما متشابكة، ومع ذلك أقود سيارتي لمدة تزيد على ثلاث ساعات يومياً في طريق العودة، وإن كان طريق الذهاب أكثر سلاسة، وحينما استعنت بسائق خاص لم يتغير الأمر أيضاً فقد ارتحت بدنياً من القيادة ولكنني كنت أقضي الطريق في توتر وضيق يصل حد البكاء، نظراً إلى القلق على أبنائي الذين أضطر إلى تركهم بمفردهم. وعلى رغم أن مواعيد انتهاء الدوام تضمن لي في الظروف العادية العودة إلى البيت خلال توقيت عودتهم من المدرسة نفسه، فإن هذه الظروف العادية لا تأتي إلا نادراً، فاخترت الاستقالة والتضحية بمستقبلي المهني مقابل راحة عائلتي".
إنجاز المهام على الطريق
التطور المهني يواجه بعوائق كثيرة بالنسبة إلى غير محترفي التعامل مع الزحام وضغوطه، ولكن بعضاً يجد حلولاً خصوصاً لو كانت التزاماته الأسرية أقل.
ويقول عبدالله خالد الذي يعمل في مجال التسويق العقاري إنه وجد نفسه في المهنة التي يمارسها ضمن شركة لها وزنها داخل السوق وتقع في منطقة المعادي التابعة للقاهرة، ولكن نظراً إلى أنه يسكن في محافظة جنوبية نائية وجد من الأنسب أن ينقل مقر سكنه إلى العاصمة ويترك أسرته، ولكنه فوجئ أنه لم يكسب إلا الغربـة، فمكان سكنه الجديد على رغم أنه جغرافياً لا يبعد كثيراً من الشركة فإن الزحام يجعله يضيع ساعة وربع الساعة في الطريق، وبعيداً من الاستنزاف المالي فهو أيضاً استنزاف للوقت ويجعله يتأخر على الدوام مما قد يعرضه لخصومات، مضيفاً "أصبحت أقضي الوقت في الاتصال بالعملاء أو الاستماع للأغاني وللبودكاست التحفيزية، والحقيقة جربت القراءة ولكن لم أستطع التركيز، وكذلك حاولت أن أتنقل بالتاكسي الخاص أو استعمال سيارات التطبيقات الإلكترونية وأيضاً المواصلات المشتركة، ولم أجد أي فارق في توفير الوقت مقارنة بالمواصلات العامة التي لم تعد رخيصة أيضاً".
الهاربون إلى العاصمة الإدارية الجديدة
بينما تحكي زميلته في الشركة رحاب عليوة بتندر أنها تعلمت كيف تتجاهل الوقت والخلافات مع مديرها بسبب التأخير، لافتة إلى أن الأمر يخضع للصدفة ولا يمكن التنبؤ به أبداً، على رغم كل المخططات ولو كان الشخص يستيقظ مبكراً، متابعة أنها لديها أسبوعياً زيارات لبعض العملاء في العاصمة الإدارية الجديدة وخلال بعض الأوقات يستغرق الطريق ساعة وفي أوقات أخرى يصل إلى ساعتين، وقد يكون نصفهم فقط في الدائرة المحيطة بشارع مقر العمل.
وتشير إلى واقعة فارقة في حياتها "عدت في إحدى المرات من إحدى الدولة العربية على متن طائرة واستغرقت الرحلة أقل من ساعتين، ولكن المسافة بين مطار القاهرة ومنزلي الذي لا يبعد أكثر من ساعة استغرقت أربع ساعات ونصف الساعة بفعل الزحام، ودفعت مبلغاً ضخماً ثمناً للرحلة الطويلة بالتاكسي، لذا لم أعد أُدهش".
وفي حين تعمل الهيئة القومية للأنفاق على مشروع "قطار المونوريل" الذي من شأنه أن يقلص ساعات السفر بين المناطق البعيدة، وبينها السادس من أكتوبر والعاصمة الإدارية الجديدة التي أنشئت أصلاً للتخفيف من زحام القاهرة، إلا أنه على رغم بعد المسافة للعاصمة الإدارية الجديدة التي انتقلت إليها مؤسسات وزارات مهمة وأصبحت تستقبل موظفين وعمالاً بالآلاف يومياً، تعد بالنسبة إلى المترددين على المكان أفضل حالاً من القاهرة نظراً إلى قلة الزحام وتوافر كبار عدة تختصر الطريق، وإن كانت لا تزال الرحلة طويلة ولكنها أقل إرهاقاً بالنسبة إلى كثر.
اللبنانيون في "الإقامة الجبرية" داخل سياراتهم
باتت الحياة داخل السيارة جزءاً من يوميات المواطن اللبناني العالق في الاختناق المروري، وتشكل مداخل العاصمة بيروت "كابوساً" حقيقياً خلال أوقات الذروة في السابعة والنصف صباحاً مع التحاق الطلاب بصفوفهم والعاملين بمؤسساتهم، وعند الخامسة عصراً موعد مغادرة الموظفين مكاتبهم. وتحسبت بعض قنوات الراديو اللبنانية لتلك المسألة، وأطلقت برامج صباحية ومسائية للدردشة مع سائقي السيارات أو بث الأغاني الشعبية.
يتزمر كثر من "الإقامة الجبرية" على طرقات العاصمة، إلا أنهم في آن يحاولون التكيف والبحث عن حلول، تبدأ بالبحث عن طرق بديلة لتقليل الوقت الضائع وتناول وجبات وإنهاء بعض الأعمال... أو حتى بالنسبة إلى بعض السيدات وضع المكياج كما تقول الشابة زينا، فيما بعض يقرر الاتجاه عكس السير، وكلها إجراءات "تتضمن مخالفة لقوانين السير"، والحجة الدائمة "لا خيار آخر أمامنا للوصول في الموعد المحدد إلى الدوام والمواعيد".
الغناء والموسيقى
تضغط الازدحامات المرورية على حياة اللبنانيين ومسيرتهم المهنية، تقول الشابة نسم "أقضي حياتي متنقلة على طرقات العاصمة، ولا يكاد يمر يوم واحد من دون الزحمة، إذ يفرض علي عملي الانتقال بين بلدة بشامون في جبل لبنان وبرج البراجنة وسن الفيل في ضواحي بيروت، بالتالي معايشة أكثر المناطق ازدحاماً في البلاد صباحاً ومساء"، و"تتحول الانسيابية إلى استثناء لا نشهده إلا في الأعطال (الإجازات الرسمية) والسبت والأحد"، منوهة "يرافقني هاجس التعرض لحادثة سير وتصادم كل وقت وحين".
تلفت الشابة إلى أنه "لا سبيل إلى الخروج من الازدحام المروري، وأن الحل الوحيد هو الغناء بالصوت العالي، أو الاتصال برفيقاتي من أجل شحن الطاقة الإيجابية". وتستهجن الكلفة المالية العالية المترتبة عن هذا الزحام اليومي "كنت أملأ خزان الوقود، ويكفيني لمدة أسبوعين، إلا أنه لم يعد كافياً لأسبوع واحد".
وفق دراسة أجرتها "الدولية للمعلومات"، ارتفعت كلفة الكيلومتر الواحد من 1311 ليرة لبنانية خلال أغسطس (آب) 2021، إلى 4085 خلال مايو (أيار) 2022، وصولاً إلى 15800 خلال مارس (آذار) 2023 بفعل رفع الدعم وانهيار سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي. وبلغت كلفة الرحلة من طرابلس شمال البلاد إلى العاصمة قرابة 2 مليون ليرة لبنانية، أي 10 في المئة من الحد الأدنى الرسمي للأجور البالغ 200 دولار أميركي، ومن بيروت إلى مدينة جونية 600 ألف ليرة، ومن بيروت إلى بنت جبيل جنوباً قاربت الكلفة 3 ملايين ليرة لبنانية.
ووفق سعر الصرف 89500 ليرة لبنانية للدولار الواحد، فإن كلفة المشوار الانسيابي تساوي 33.5 دولار أميركي.
وكما تلجأ نسم إلى الموسيقى لتخفيف وطأة الزحام في يومياتها، يفعل الأمر نفسه الشاب كريم المقيم في الطريق الجديدة، الذي يلجأ إلى سماع الموسيقى واصفاً إياها بـ"روح الحياة"، وقبل خروج الشاب من منزله يقوم بإعداد "مجموعة موسيقى كلاسيكية خاصة به ومنوعة، لأن نوعية ما تبثه قنوات الراديو مستفزة أكثر من الانتظار في الطابور"، وقد "ساعدته الزحمة في التعرف على كثير من المغنين القدماء، والأغاني التراثية والشعبية العربية عبر شبكة الإنترنت".
البحث عن طرق بديلة "شطارة"
هرباً من الازدحام المروري، لجأ مواطنون إلى النقل العام بعد الاستغناء عن قيادة السيارة الخاصة. وهو ما حصل تحديداً مع الشاب علي الذي تفرض عليه وظيفته الانتقال يومياً من منطقة بشارة خوري في بيروت إلى منطقة الحدث في الضواحي. سابقاً كان يقود سيارته، إلا أن الكلفة المالية والنفسية الكبيرة دفعته للبحث عن حل بديل مقرراً الذهاب نحو خيار النقل العام، إذ "يتحمل السائق مسؤولية القيادة" ويستغل الشاب وقته إما للقراءة أو تصفح شبكة الإنترنت أو تناول الطعام"، مضيفاً "تستهلك الزحمة كثيراً من الجهد والوقت، وأحياناً تمضي ساعة داخل الباص لقطع بعض مئات من الأمتار"، و"يلجأ السائق للدخول في أحياء وشوارع لا نعرفها، وفي بعض الأحيان نستكشف أماكن جديدة، أو حتى التعرف على آثار الحرب والدمار، ولكن المشكلة في الحقيقة أننا نصل إلى العمل وقد أُنهكت قوانا".
ويفتخر اللبنانيون في ما بينهم بما يقولون إنه "شطارة" (ذكاء) في معرفة طرقات فرعية تخلص السائق من الزحمة "القاتلة". وتتحدث المربية ديانا عن مسارها من مكان سكنها إلى مركز عملها في إحدى مدارس قضاء المتن، إذ تقوم بالبحث عن طرق بديلة والدخول إلى الطرق الفرعية، لأنه "لا خيار أمامها لكي تصل إلى صفها خلال الوقت المحدد". ومن جهته، يتطرق معتصم الموظف ضمن شركة توصيل إلى "دراسته لجغرافية منطقة البترون الشمالية التي يعمل في نطاقها"، مؤكداً "ما إن أصل إلى الإشارة وألاحظ وجود طابور سيارات، حتى انتقل إلى الشوارع الفرعية". ويعبر عن سخطه من الازدحام الموجود في كل مكان، وأنه "لا مشكلة لديه في الدخول إلى طريق بديلة وإن امتدت لمسافات طويلة، مقابل ألا يقف دقائق منتظراً في الازدحام المروري".
لا مكان للانتظار
يستغل اللبنانيون أوقات الانتظار الطويلة، فبعضهم ينهي صفقات أونلاين أو يتفقد إيميل العمل أو حتى بعض الرسائل السابقة غير المقروءة، ويعد هؤلاء أن "الوقت هو مال". ويقر ويليام أن "استخدام الهاتف مخالفة لقوانين السير، إلا أنه لا سبيل آخر لقضاء الوقت"، مؤكداً "في تنقلي اليومي أجري أحياناً نحو 40 اتصالاً". ويضيف "لو كنا نتبع سلوكات الأجانب والمغتربين، ربما أصبنا بالاكتئاب لشدة الخسائر من الازدحام الذي أصبح لا يُطاق، لكن اللبناني حقيقة لا يقيم توازناً بين مداخيله ونفقاته".
المركزية عامل إضافي
تشكل المركزية الإدارية واضطرار المواطنين في الأطراف للتوجه إلى العاصمة لإنجاز معاملاتهم أو حتى للالتحاق بالدوام في المؤسسات الرسمية سبباً إضافياً لازدحام السير، فيما تشكل مناطق معينة ومحددة "هاجساً" بالنسبة إلى كثر إن اضطروا إلى الذهاب إليها، ومنها مثلاً مناطق جونية والضبية وجل الديب والدورة الواقعة شمال العاصمة بيروت.
"كأن قدر اللبناني أن يقضي نصف يومه عالقاً في الاختناقات المرورية"، هكذا يختصر مازن الموظف العمومي المقيم في طرابلس تجربته اليومية مع مشوار العمل، إذ يضطر للانتقال إلى العاصمة بمعدل أربعة أيام أسبوعياً. ويلفت الشاب الثلاثيني إلى أنه "يستيقظ عند الرابعة فجراً ليتجهز، ومن ثم ينتظر الباص المنطلق عند الخامسة ليصل إلى الدوام في حينه".
المسؤوليات كبيرة والزحمة ثقيلة
يحضر الهاتف بقوة في سلوكات السائقين اللبنانيين، ولا يُخفي هؤلاء تصفح وسائل التواصل الاجتماعي أو إجراء اتصالات، واعتماد وسائل التسلية والألعاب الإلكترونية، مما يهدد السلامة المرورية بقوة على طرقات البلاد. يصف الناشط في جمعية "يازا" المتخصصة في سلامة الطرقات زياد عقل وضع الطرقات اللبنانية بـ"المأسوي"، منوهاً بالبيان الوزاري للحكومة التي يترأسها نواف سلام لأنه "للمرة الأولى في تاريخ لبنان تعد الحكومة باتباع سياسة تهتم بالسلامة المرورية". ويضيف عقل "نتطلع لإجراءات واقعية وجدية على أرض الواقع".
ويأمل عقل أن تقوم البلديات، التي سينتخبها المواطنون بعد أيام في لبنان، بدورها في الحفاظ على السلامة المرورية، منطلقاً من تجارب الدول المتطورة، إذ "أظهرت دوراً كبيراً للبلديات المحلية في التخفيف من وطأة المشكلات المرورية، وبعضها فرض على كل بلدية تعيين شخص متخصص في الحفاظ على السلامة المرورية ضمن نطاق صلاحياته". ويشدد عقل على "ضرورة التوعية وقمع سلوك الكتابة أو الاتصال أثناء القيادة، نظراً إلى خطورته على السائق والمارة، لأنه لا بد من التركيز على القيادة حصراً".