Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"شبيح" تهمة جاهزة تزيد من انقسام السوريين

يستخدم بعضهم هذه الصفة حالياً لتصفية الحسابات الضيقة

وحّدت قرارات الشرع أجهزة الأمن المتنوعة في جهاز سوري واحد (اندبندنت عربية)

ملخص

سجل عدد من حوادث قتل شخصيات موالية للأسد ضد مجهول من دون الكشف عمن يقف خلف هذه الهجمات المتكررة التي زادت بعد السادس من مارس (آذار) الماضي، إثر انتهاكات وصفت بالفردية بحق مدنيين في الساحل السوري.

ظلت سيارة الـ"مرسيدس بنز" منذ عام 1991 مركبة المسؤول في النظام السوري السابق لعقود من الزمن على رغم وصول سيارات حديثة وفاخرة في ذاك الوقت، ومنذ إدخالها إلى البلاد حجزت لنفسها مكانة بين أنواع المركبات الرئاسية واستحوذ عليها كبار القوم، كما سعى النظام حينها إلى مكافأة أجهزة الاستخبارات والأمن وكبار المسؤولين الحكوميين بتوزيع هذا النوع من السيارات لخدمتهم وسُميت في ما بعد بـ"السيارة الشبح".

خوف ولا بالأحلام

مع أن الـ"بنز" زمن صنعها كانت سيارة خارقة المواصفات لتفوقها وتفردها في تقنياتها العالية، لكن وصف السوريين لها بـ"السيارة الشبح" له تفسيرات مختلفة، أبرزها ما يتعلق بمن يقودها وامتلاكه حصانة وافرة ضد المخالفات المرورية، ولا سيما تجاوز الإشارات الضوئية، أو تخطي حدود السرعة على الطرقات العامة وغيرها، بالتالي هي مركبة خارجة عن السيطرة، أي "فوق القانون" تفعل ما يحلو لها من دون أن يستطيع رجال الأمن أو الشرطة التدخل لمنعها.

وقال شاب أربعيني عاصر إطلاق "السيارة الشبح"، "كنا نشاهد هذه السيارة فنشعر بالفزع، أذكر والدي حين كان يقود سيارته على الطريق العام، كان لا يستطيع تجاوز هذه السيارة، بل يتعمد الابتعاد منها تحاشياً للاصطدام بصاحبها، وفي يوم من الأيام أشاح أبي عن فكرة إطلاق صوت من بوق سيارته لوجود مسؤول يسير ببطء بتلك ’السيارة الشبح‘ قربه، ولا أحد يدري إذا ما تخطاه، في أي فرع من أفرع الاستخبارات قد يُحتجز".

من "الشبح" إلى "التشبيح"

ولعل الحديث عن "السيارة الشبح" منذ تسعينيات القرن الماضي وصولاً إلى اندلاع الثورة تغير كثيراً، فمفهوم "الشبح" لدى غالبية السوريين رافقهم منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011 وترك أثره على الشارع المنتفض ضد نظام آل الأسد بعد حكم نصف قرن من الزمن (1970 - 2024).

وكان الفريق المعارض مع اندلاع شرارة الانتفاضة الشعبية، يصف الممارسات والانتهاكات ولا سيما من مدنيين، وغالبيتهم ممن انضموا إلى قوى رديفة للجيش النظامي، منها ما تسمى "قوات الدفاع الوطني" أو "كتائب البعث" أو "اللجان الشعبية"، إضافة إلى القيادات العليا في حزب البعث الحاكم، بـ"التشبيح" الذي يرتكبه "الشبيحة" كوصمة عار.

 

 

ويروي أبو قاسم من ريف حلب الغربي أن "السوريين كرهوا الشبيحة أكثر من كرههم للجيش وقوات الأمن، فالعسكري مجند من أبناء الوطن، لكن هؤلاء الناس من ’الشبيحة‘ كانوا يتطوعون بكتابة تقارير كيدية بالأهل والأصدقاء وزملاء العمل، وتعدى الموضوع إلى حمل السلاح، بل أفرطوا بالقتل والتمثيل بالجثث".

المتاهة والخروج الصعب

في غضون ذلك ومع سقوط رئيس النظام السوري السابق بشار الأسد وهروبه في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 من البلاد، دخلت البلاد في حقبة جديدة فانهار الجيش النظامي بالكامل ودُمرت البنية التحتية العسكرية والأسلحة الاستراتيجية جراء قصف إسرائيلي متواصل، كما دار جدل حول تسريح ضباط وزارة الداخلية من شرطة وأمن لإنتاج جيش جديد واستعيض عنها بقوى "الأمن العام" ووحدت القرارات أجهزة الأمن المتنوعة من قبل الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع في جهاز واحد، علاوة على تغييرات طاولت سلك القضاء، وحلّ حزب البعث الحاكم سابقاً مع أحزاب "الجبهة الوطنية التقدمية" الموالية له نفسها.

كل ذلك جعل من يوصفون بـ"الشبيحة" مكشوفين، فمن بينهم من فضل الهروب إلى خارج البلاد، وآخرون اختاروا البقاء ليواجه بعضهم انتهاكات خطرة وصلت إلى التصفية الجسدية، مما رفضته السلطات الجديدة.

وفي مدينة حمص قُتل شاب سوري لأنه كان ينتمي إلى ما يسمى "الدفاع الوطني" التابع لنظام الأسد وعملت والدته قيادية في صفوف الحزب الحاكم آنذاك، وأثار اغتياله على يد مجهولين بعد وصفه بـ"الشبيح" استياء عارماً في الأوساط الشعبية، ولا سيما ممن يعرفونه عن قرب، ورفضوا هذه الطريقة "الانتقامية".

وتكرر الأمر في مدن سورية عدة من بينها حلب، حيث أصيب نقيب المحامين نجدت عكش بطلقات نارية من قبل مجهولين لينجو من موت مؤكد، لكن طلقات أصابت صدر الطبيب حسام الضرير الذي توفي في عيادته وتضاربت الأنباء حول أنها حادثة سرقة، لكن الأنباء تشير إلى عمليات تصفية منظمة تحصل تحت جنح الظلام والتهمة الجاهزة "شبيح".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وانتقد المدير التنفيذي لمنظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" بسام الأحمد تأخر العدالة الانتقالية والمحاكمات العلنية، في وقت يؤكد وجود انتهاكات كانت سائدة في ظل النظام السابق، لكنه في المقابل يرى أن هذا لا يبرر تلك الفوضى، مضيفاً أن "هناك قانوناً ومحكمة وكل شيء يتعلق بالعدالة، ولا ينبغي أن يقوم أي أحد باعتقال شخص أو تصفيته فقط لأنه كان بحسب رأيه 'شبيحاً'، فمن الضروري معرفة ماذا فعل الشخص من انتهاكات، والبحث بجد في شأن الانتهاك وما هي المخالفة القانونية، والذهاب إلى المحاكم للتعاطي مع الأمر وفق القانون".

حكاية لا تنتهي

إزاء ذلك سجل عدد من حوادث قتل شخصيات موالية للأسد ضد مجهول من دون الكشف عمن يقف خلف هذه الهجمات المتكررة التي زادت بعد السادس من مارس (آذار) الماضي، بعد انتهاكات وصفت بالفردية بحق مدنيين في الساحل السوري.

في المقابل ظهر شاب ملثم ضمن مقطع مصور يعرف عن نفسه بأنه من عناصر الجيش الجديد قتل أحد الأشخاص بعد جولات كثيرة من الدعاوى لمحاكمة من قتل عمه، من دون أية ردود من قبل المحاكم.

في الاثناء دقت منظمات أهلية ومدنية ناقوس الخطر حيال تأثر العدالة الانتقالية، وشرح الأمين العام للحركة الوطنية السورية الدكتور زكريا ملاحفجي في تعريف كلمة "شبيح" أنها كانت تُطلق باختصار على من قام بعمل عنفي ضد المتظاهرين السلميين.

ويعتقد ملاحفجي بأنه "أحياناً تتوسع المفردة لتصف كل شخص كان من مؤيدي النظام، وهذا توسيع لمفردة الاتهام فالقناعات والآراء من دون إيذاء الناس هذا أمر آخر، لكن بالنهاية اليوم لا تصح محاكمة الناس إعلامياً أو نلصق التهمة أو العبارة بأي أحد، فهذه مسألة يحكم فيها القضاء بالتحري عن الفاعل، هل ارتكب عملاً عنيفاً وألحق أذية بالناس وثبت عليه ذلك؟ تلك مسألة قضائية".

ويردف أنه "لا ينبغي الوقوع بالكارثية التي تضرب المجتمعات، وتشيطن أي أحد من دون تثبت أو تبيّن حتى الآية القرآنية أمرتنا بالتبين ’فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين‘".

وأكد تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان ضرورة تحقيق العدالة الانتقالية عبر "تشكيل هيئة وطنية متخصصة تتمتع بالكفاءة والنزاهة والخبرة، وتضم شخصيات مستقلة تمثل مختلف أطياف المجتمع السوري"، مشدداً على أهمية العدالة الانتقالية كركيزة لعملية الانتقال السياسي وضرورة المشاركة المجتمعية في هذا الملف الحساس.

ونشرت الشبكة ذاتها في أواخر ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 أسماء وصوراً لـ18 شخصاً من أبرز المتورطين في الجرائم المرتكبة من قبل النظام من بينهم جميل حسن وسهيل الحسن علي عبدالله أيوب وأديب سلامة، ولديها أكثر من 16 ألف اسم لأشخاص تورطوا بجرائم بحق السوريين من بينهم شخصيات من القوات الرديفة للأمن والجيش وميليشيات عسكرية للنظام من المدنيين.

 


في المقابل يفسر السياسي السوري المعارض لنظام الأسد والمقيم في الولايات المتحدة أيمن عبدالنور التأخر بإجراء محاكمات عادلة في هذا الوقت لأسباب من بينها العدد الضخم من القضايا، وتحدث في تصريح سابق عن "عدم وجود محاكمات عادلة في الوقت الراهن لأنه يأخذ وقتاً طويلاً، فلا توجد دولة في العالم تستطيع محاكمة 50 ألف شخص دفعة واحدة"، وتساءل "من سيحاكمهم من القضاة؟ لا توجد ثقة بالقضاة في زمن النظام السابق فـ60 في المئة منهم بحاجة إلى طرد، والباقون نحتاج من 30 إلى 40 عاماً لمحاكمتهم، وحين يؤتى بقضاة من المحاكم الشرعية هنا ستقوم الدنيا ولا تقعد".

الصورة الذهنية

ويعرّف السياسي والمعارض لنظام الأسد كمال لبواني كلمة "شبح" بأنها عربية - آرامية، تعود قديماً لإحدى الحرف اليدوية، إذ يمسكون جلد الخروف ويشدون الجلد تحت الشمس ومنها أتى شد الجلد يعني "شبح" الجلد، وبعدها استخدم النظام عملية مشابهة لتعذيب المساجين عبر شدهم على الجدران أي "شبحهم".

ويرى المدير التنفيذي لمنظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" بسام الأحمد أن لهذه الكلمة معنى وهو "الشخص الذي لا ينتمي إلى الحكومة ولكنه مدعوم من الحكومة ويقوم بانتهاكات. وجزء من الناس يصف طائفة كاملة بأنهم ’شبيحة‘، وهذه الأوصاف خطرة جداً وهي شيطنة الإنسان بالمحصلة"، ويقول "يجب أن نحاول تغيير العقلية والذهنية التي تتعاطى مع خطاب يتضمن اتهامات مثل ’إرهابي‘ أو ’شبيح‘ وغيرهما من المصطلحات واللجوء إلى القضاء، ولا يمكن بناء دولة بهذا الشكل من دون وجود معايير ومحاكم وقضاء مستقل".

ويعتقد الأحمد بأن إلصاق صفة "الشبيح" بأي شخص لدواعٍ انتقامية وغايات من دون وجه حق بات يندرج ضمن تصفية حسابات شخصية، ولعل البقاء في هذه الدوامة يعني أنه "لا يمكننا بناء دولة وتحول البلد إلى غابة، وإذا كامت السلطات الجديدة مهتمة ببناء هذه الدولة فيجب التوقف عن إطلاق هذه الأوصاف والالتفات للعمل مع بعض، وأي شخص متورط بالانتهاكات فأروقة المحاكم جاهزة لمحاسبته".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير