السودان... تيار إسلامي يناصر الداعية عبد الحي ووزير يتهمه بإثارة الفتنة

اتخذت قضية وزيرة الشباب والرياضة السودانية ولاء البوشي ضد الداعية الإسلامي منحى جديداً

وزيرة الشباب والرياضة السودانية ولاء البوشي (أ.ف.ب)

 

اتخذت قضية وزيرة الشباب والرياضة السودانية ولاء البوشي ضد الداعية الإسلامي عبد الحي يوسف، الذي اتهمها بـ "الردة والزندقة والخروج عن ملة الإسلام"، منحى جديداً بإعلان تيار "نصرة الشريعة" المؤيد لنظام الرئيس السابق عمر البشير، استنكاره للدعوى وتطوع 274 محامياً للدفاع عن الداعية عبد الحي، في حين وصف وزير الشؤون الدينية والأوقاف نصر الدين مفرح اتهام عبد الحي للوزيرة البوشي بـ "الفتنة ودعوة صريحة إلى القتل"، كاشفاً عن اتجاههم لوضع قانون جديد يضبط الخطاب الديني في المنابر المختلفة لا سيما المساجد، وهو ما ينبئ بجدل واسع قد تشهده الساحتان القضائية والإعلامية خلال الفترة المقبلة، بين فريقين مؤيد وآخر رافض لهذا الاتهام.

ضبط الخطاب

وأشار مفرح إلى "أن السلوك الذي سلكه عبد الحي يوسف في الزندقة أو التكفير أو التصفيق، منهج لا يمت إلى الدين بصلة بل الدين يرفض ذلك، ومنابر الدعوة والوعظ والإرشاد لديها شروط وضعها ربنا منها قول الله تعالى (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)، إلى جانب قوله تعالى (من أحسن قولاً مِن مَن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين). لذلك أية داعية عليه أن ينتهج هذا النهج، لأن هذا منهج النبي في الدعوة وهو قدوتنا، لافتاً إلى أن "الحجة تقارع بالحجة وليس بالهدر أو التكفير أو الرمي بالزندقة أو اتهام الآخرين في قبورهم، لأنهم أفضوا إلى ما صاروا إليه"، في إشارة إلى زعيم الحزب الجمهوري محمود محمد طه الذي أعدم في عهد الرئيس السابق جعفر نميري بعد اتهامه بالردة.

وحول كيفية معالجة مثل هذه القضايا حتى لا تحدث تطرفاً قال "من ضمن خطتنا الإستراتيجية إقامة ملتقى جامع للفرق والجماعات، ستكون فيه أوراق ترسي أدب الاختلاف، وإيجاد ميثاق شرف لضبط الخطاب الديني، ثم وضع قانون ولوائح تضبط الممارسة الدينية في الوعظ والإرشاد"، مبيناً أنهم سيعملون مع وزارة العدل لوضع تشريعات وقانون لا يتضمن عقوبات بالسجن أو التعنيف، وأعلى عقبة فيه إبعاد الداعية من ممارسة نشاطه في المنابر، فقط لكونه "يثير الفتن ولا داعي لإرشاداته"، وأيضاً لابد من وجود هيبة للدولة في ذلك.

ونوه مفرح بأن "الغلو والتطرف نتيجة سياسات إلغاء الآخر للنظام السابق، والآن عادت الأمور إلى طبيعتها وبإمكان أية مجموعة أن تطرح رؤاها، وفقاً لأسس الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بما هو أحسن، وطالما أننا متفقون في عقائد الإيمان وأركان الإسلام ومتفقون على القواعد الأخلاقية فليعذر بعضنا بعضاً على ما اختلفنا فيه"، مؤكداً أن متطلبات المرحلة الانتقالية تقضي "بإحلال السلام وإدارة التنوع وضبط الخطاب الديني وعدم الغلو والتطرف، على أساس هذا الحديث سوف نقوم بعمل لوائح ونظم من شأنها إرساء أدب مبدأ الاختلاف".

استنكار وتهديد

قال تيار "نصرة الشريعة" في بيان له رداً على الدعوى القضائية الموجهة ضده من وزيرة الشباب والرياضة، إن "ما قام به الشيخ عبد الحي يوسف في خطبة الجمعة هو عمل مشكور مؤيد مبارك يؤجر عليه، وهو مقتضى الميثاق المأخوذ على أهل العلم والمنابر جميعاً"، مشيراً إلى أن "اللجوء إلى مصادرة آراء الناس بالبلاغات الكيدية والتهم الملفقة هو حيل العاجزين عن المقارعة بالحجة وإقناع الناس، وأن لجوء هؤلاء لهذه الحيل هو من أبرز الأدلة على متاجرتهم بشعار الحرية الذي يستخدمونه كشعار مزايدة سياسية فقط لينتصروا به في معتركاتهم السياسية التي لا تتعلق حقيقةً بهذا الشعار". وهدّد "تيار النصرة" بما سماه "استمرار المعركة على جميع المحاور"، وأهاب بجميع خطباء الجمعة في ولاية الخرطوم وفي جميع ولايات السودان أن "يوظفوا منابرهم لنصرة الحق والدفاع عن ثوابت الشريعة ومحكمات الدين". في حين أشار القيادي في "تيار النصرة" محمد علي الجزولي، إلى أن "هيئة دفاع مكونة من 274 محامياً تطوعوا للدفاع عن الداعية عبد الحي يوسف في البلاغ الذي رفعته الوزيرة ولاء البوشي ضده".

وقف التطرف

وكانت البوشي دونت الاثنين 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، دعوى قضائية ضد الداعية الإسلامي عبد الحي يوسف أمام نيابة الخرطوم الجديدة، لاتهامه لها بـ "الردة والزندقة والخروج عن ملة الإسلام"، وذلك استجابة لدعوة عدد من المحامين السودانيين الذين طالبوها بالاتجاه للقضاء لوقف تمادي نمو حالات التطرف والغلو والشطط، التي ستقود البلاد على حد قولهم، إلى "عالم التفخيخ والتفجير والاغتيالات الذي يمارس حالياً في بلدان عربية عدة".

وبحسب العريضة القانونية التي تقدم بها سبعة محامين ممثلين للاتهام، فإن الدعوى القضائية استندت إلى مخالفة الداعية عبد الحي العديد من مواد القانون الجنائي لسنة 1991 تعديل 2005 بحسب وجهة النظر القانونية، وكذلك مخالفته بعض نصوص الوثيقة الدستورية 2019 في ما يخص الحريات الدينية، ممثلة في حرية العقيدة والعبادة والحق في الحياة الكريمة والإنسانية والمواطنة أساس الحقوق والواجبات. واعتبرت العريضة حديث الداعية في خطبة الجمعة الماضية في مسجد خاتم المرسلين في منطقة جبرة في الخرطوم بمثابة تحريض، ما يعرّض سلامة الشاكية وأسرتها وسلامتها العامة للخطر، فضلاً عن أن الخطبة تعزّز و"تكرّس إثارة وتحقير وإهانة المعتقدات والشعائر الدينية"، بالإضافة إلى أنه انتهاك صريح للحريات الدينية.

وبيّنت العريضة أن الشاكية ولاء البوشي من "أكثر الداعمين لحرية التعبير، وظلت تعمل على تعزيزها على مر السنين السابقة، لكن للأسف لم يمارس الداعية عبد الحي الحق في التعبير كما ينبغي"، موضحة أن "المادة 20 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية حظرت بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية، تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف"، مضيفة "نجد أن ما قام به المشكو ضده يشكل بكل تأكيد كل القيود التي وقعت على الحق في التعبير، إذ كان يجب عليه احترام حقوق الآخرين والابتعاد عن خطاب الكراهية القومية أو العنصرية الدينية، التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف". وأكدت العريضة أن أقوال الداعية التي تحط بمكانة المرأة والرياضة النسوية تمثل انتهاكاً صريحاً لحقوق المرأة وفقاً للوثيقة الدستورية، إذ تضمن الدولة هذه الحقوق في كل المجالات وتعززها من خلال التمييز الإيجابي.

حفظ الأرواح

وتأتي هذه التطورات عقب انطلاق أول دوري لكرة القدم النسائية في السودان السبت 28 سبتمبر (أيلول) 2019، واحتفاء قطاع عريض من المجتمع السوداني به، كونه يمثل نقلة نوعية في ممارسة وتطوير الرياضة النسائية، وخطوة تعكس الانفتاح صوب العالم المتقدم، فضلاً عن التأكيد على مشاركة المرأة السودانية في ممارسة دورها في المجتمع كأولوية للحكومة الانتقالية. إلا أنه سرعان ما أشعل آراء عدد من المتشددين بحرمة كرة القدم النسائية، مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض لهذه الخطوة، ما اعتبره البعض "بادرة فتنة قد تعيد الهوس الديني الذي كان يمارس في فترة نظام الرئيس السابق عمر البشير إلى الظهور مجدداً"، وهو ما دفع بمحامين سودانيين لدعوة وزيرة الشباب والرياضة ولاء البوشي بفتح بلاغ ضد هؤلاء المتشددين الذين اتهموها بالكفر والخروج عن الدين والملة من دون سند قانوني، وذلك لوقف تمادي نمو حالات التطرف والغلو والشطط الذي سيقود البلاد على حد قولهم إلى عالم التفخيخ والتفجير والاغتيالات الذي يمارس حالياً في عدد من البلدان، مؤكدين أن هذا "الإجراء فيه حفاظ على أرواح أمة وأمن وطن". في حين طالب ناشطون المجلس السيادي باعتباره الجهة المسؤولة الأولى في السودان، بحفظ الأمن والأمان للسودانيين كافة، باتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه المتشددين من أنصار النظام السابق، والعمل على تحمل الأمانة التي وضعت على عاتقه من الثوار للحفاظ على الفترة الانتقالية، من خلال وقف الأنشطة التكفيرية في المساجد والمنابر العامة.

المزيد من العالم العربي