ملخص
تحرك عسكري لقوات الجيش في بنغازي باتجاه سرت، وتوسيع شراكته الاقتصادية مع تركيا، وزيارة مرشح لرئاسة حكومة موحدة إلى واشنطن مؤشرات ارتبطت برحيل محتمل لحكومة عبدالحميد الدبيبة.
شهد المشهد الليبي في الأيام الخمسة الماضية تطورات متسارعة ومتزامنة دفعت كثيراً من المحللين إلى الربط بين خيوطها الخفية والبحث عمن يحركها ويصل في ما بينها، وربما يستعد لخلط الأوراق وإعادة ترتيبها من جديد لكسر الجمود السياسي الذي طال وأطال معاناة البلاد والعباد، وبات يدفع بها إلى حافة الانهيار الاقتصادي.
هذه التطورات كانت على أكثر من صعيد، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، وجميعها يقود إلى الغرب الليبي ويثير التكهنات في شأن المستقبل القريب لحكومة عبدالحميد الدبيبة، التي تعيش فترة عصيبة بسبب السخط الشعبي على الأوضاع الاقتصادية.
حشد في سرت
أول التطورات اللافتة مع بداية الأسبوع الحالي، كانت تحركات عسكرية لأرتال كبيرة العدة والعتاد انطلقت من بنغازي إلى سرت، وتتبع القيادة العامة للجيش برئاسة المشير خليفة حفتر، وحجم هذه القوة العسكرية والمكان الحساس الذي تمركزت به فتحا الباب مباشرة للتكهنات والإشاعات والمعلومات المتضاربة بخصوص الهدف منها والغاية التي تسعى إليها.
موقع التمركز العسكري لقوات الجيش في سرت بالذات لفت الانتباه لتحركها الجديد أكثر من حجمها وعدتها، فهي تعتبر الخط الفاصل بين شرق ليبيا وغربها، ولا يمكن تجاوزها إلا بمواجهة الطرف العسكري الآخر في الغرب الليبي، بداية من مصراتة وما تليها من مدن وصولاً إلى طرابلس العاصمة، وهذا الخط الساحلي كله يتبع قوات موالية لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، وما هو منها ليس مع هذه الحكومة فهو معارض للجيش وقائده العام خليفة حفتر.
هؤلاء الخصوم كانوا بالطبع أول من تحسس خطر هذه التحركات، فأصدروا بياناً تحذيرياً من أي تقدم عسكري باتجاه مناطق سيطرتهم ونفوذهم وتجاوز خطوط التماس المحددة في اتفاق وقف إطلاق النار الموقع عام 2020 في جنيف.
قادة "ثوار مصراتة والمنطقة الغربية" حذروا من تحركات قوات تابعة للقيادة العامة بقيادة المشير خليفة حفتر باتجاه المنطقة الغربية، وقالوا في بيانهم إن "كل أسلحتنا جاهزة للمواجهة".
كما حذر القادة العسكريون من أن "أي تحرك يقوده حفتر سيكون بمثابة إعلان حرب شاملة، وسيُتعامل معه بقوة وحسم كما حدث في أبريل (نيسان) 2019، ومن يوالونه في المنطقة الغربية سيصبحون أهدافاً مشروعة في تلك المعركة".
كما أبدى قادة القوى العسكرية في المنطقة الغربية دهشتهم من "صمت لجنة (5+5) ولجنة (3+3) العسكريتين إزاء تحركات حفتر في سرت، إذ من المفترض أنها منطقة منزوعة السلاح، ونعتبر صمتهم بمثابة تواطؤ وتهاون يصل إلى درجة الخيانة".
مؤشرات بالجملة
التحركات العسكرية الكبيرة هذه فاجأت أغلب المهتمين بالشأن السياسي الليبي، الذين أجمع أغلبهم على أنها لا يمكن أن تكون من دون هدف محدد وكبير يستوجب تحريك قوة بهذا الحجم.
المحلل السياسي محمد خليفة يقول إن تحرك القوات التابعة للجيش من بنغازي إلى سرت في هذا التوقيت "يعطي مؤشرات كثيرة، لأنه تمركز إستراتيجي وليس حشداً عابراً، بالنظر إلى أن سرت تعتبر نقطة فاصلة بين الشرق والغرب والقوى المتنازعة على السلطة فيهما".
ومن وجهة نظر خليفة، فإن هذه التحركات العسكرية "قد تكون تحضيراً لتغيير ميداني محتمل، وقد يكون الغرض منه خلق ضغط سياسي على حكومة طرابلس، أو تمهيد لصيغة جديدة لتقاسم النفوذ، وفي المجمل تشير هذه التحركات إلى بداية مرحلة جديدة، سواء على صعيد المواجهات العسكرية أو المفاوضات السياسية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويشرح المحلل السياسي الدلالات الإستراتيجية للتمركز في سرت بقوله، إنها "ذات طابع خاص، فهي ليست مجرد مدينة عادية، حيث تفصل جغرافياً الشرق عن الغرب، بل هي عقدة إستراتيجية ومفتاح سياسي ونقطة تقاطع لأكثر من مشروع طموح، وحين تبدأ القوات في التحرك من بنغازي تجاهها لا يكون ذلك من باب الاستعراض، بل هو إعلان ضمني بأن خارطة السيطرة على الأرض تعاد صياغتها بأدوات عسكرية، ولكن بحسابات سياسية".
تزامناً أعلن صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، برئاسة بالقاسم خليفة حفتر، نجل القائد العام للجيش في بنغازي توقيع 13 عقداً مع شركتين تركيتين لتنفيذ مشاريع تنموية، بينها مستشفيات في أربع مدن منها بنغازي.
صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا التابع للحكومة المكلفة من مجلس النواب، ذكر في بيان أن "هذه المشاريع وزعت على عدد من المدن الليبية، شملت بنغازي والبيضاء وشحات وطبرق"، وهي كبرى مدن الشرق الليبي.
وتركز هذه المشاريع، بحسب البيان، على "تطوير البنية التحتية، وإنشاء وصيانة الطرق، إضافة إلى تنفيذ مشاريع إنشاء مستشفيات عامة متخصصة بهدف رفع كفاءة الخدمات الصحية وتعزيز جاهزية القطاع الطبي".
مفاجأة في واشنطن
الصحافي الليبي هشام يوسف يرى أن ظفر تركيا بهذه العقود الاستثمارية الضخمة "خطوة تعكس تحولاً في العلاقات بين الأطراف المختلفة، إذ كانت تركيا في السابق داعماً مؤثراً لحكومة الوحدة الوطنية، لكن التعاون الاقتصادي بين معسكر الشرق وتركيا قد يكون بداية لشراكة إستراتيجية جديدة تحمل في طياتها تغييراً في موازين القوى والتحالفات ومستقبل أطراف كثيرة في المشهد الليبي، كذلك يعيد تموضع تركيا فيه، بحيث يميل بها شرقاً بعد أن كانت حتى وقت قريب داعماً رئيساً للقوى النافذة في الغرب الليبي"، ويتابع "قد يفسر هذا التمدد التركي شرق ليبيا على أنه ضوء أخضر إقليمي ودولي لإعادة تدوير النفوذ التركي في البلاد، لكن هذه المرة بشكل متوازن أكثر وليس حصرياً في طرابلس، لكنه عموماً خطوة ذكية تحسب لقيادات الشرق في توقيتها بالتحديد، الذي يأتي في عز أزمة اقتصادية وركود في الاقتصاد التركي يدفع أنقرة إلى اتخاذ مواقف براغماتية مفاجئة لكثر".
في الأثناء، فاجأ ظهور اسم مرشح محتمل لرئاسة الحكومة الليبية الجديدة بدأ الترويج له في دوائر السياسة الأميركية، الكل في ليبيا، بخاصة أنه لم يكن له حضور أو نشاطات سياسية طوال الأعوام الماضية التي عجت بالأحداث.
هذا الاسم المفاجئ هو العالم النووي والأكاديمي الليبي عبدالكريم مقيق، الذي التقى في واشنطن عدداً من الأعضاء البارزين في الكونغرس خلال الأيام الماضية، وقدم لهم رؤيته وبرنامجه الانتخابي، بحسب مصادر أميركية متطابقة.
والتقى مقيق، وفق المصادر ذاتها، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي جيم ريش، والسيناتور جوني إرنست، وهو عضو جمهوري عن ولاية أيوا، وكيرستن جيليبراند وهي عضو ديمقراطي عن ولاية نيويورك.
كذلك تحدث مقيق مع رئيس مجلس النواب مايك جونسون، ورئيس الشؤون الخارجية السابق في مجلس النواب مايكل ماكول، "في خطوة إستراتيجية غير نمطية، للحصول على مباركة واشنطن"، كما قالت مجلة "بوليتيكو" الأميركية.
من جانبه، نقل موقع "نيوز ماكس" الأميركي عن مصادر ليبية لم يسمها، أن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة سيكون خارج السلطة الشهر المقبل على أقصى تقدير.
لكن كاتب التقرير جون جيزي، وهو مراسل "البيت الأبيض" بالموقع الأميركي، يرى في الوقت ذاته أن رحيل الدبيبة ليس مؤكداً، حتى مع زيارة عبدالكريم مقيق الذي يرشح بشكل متزايد لمنصب رئيس الحكومة إلى واشنطن الأسبوع الماضي، وتحدثه عن خطته لقيادة الحكومة الليبية مع عدد من المسؤولين الأميركيين.