ترك الموارنة بصمة في تاريخ لبنان، لا بل ارتبط هذا التاريخ بوجودهم إلى حد كبير، يؤكد المؤرخون أن وجود "نساك الشرق" ارتبط بهوية لبنان عبر التاريخ، بحيث يصعب الفصل بينهما، فمن نسبوا إلى القديس مارون (الأب الروحي للموارنة)، عاشوا الحياة النسكية في البراري في سوريا قبل أن ينضم كثر إليهم، ويلتحقوا بروحانية هذا القديس.
في تاريخهم حكايا كثيرة تعكس كل معاني التضحية والحرية والصمود في أدائهم رسالتهم، ففي حقبات كثيرة تعرضوا إلى ضغوط، وتمكنوا من الصمود بوجهها، وإن كانوا قد دفعوا الثمن بأرواحهم في مراحل معينة، رافضين التخلي عن كنيستهم وتعاليمهم، في العقود الأخيرة حصلت تغييرات كثيرات انعكست على انتشارهم ووجودهم في الشرق ولا سيما في لبنان، حيث تعرضوا إلى ضغوط كثيرة أسهمت في هجرتهم بأعداد كبيرة، فكيف انعكست المتغيرات على وجود الموارنة في دول الشرق التي انتشروا فيها؟
الموارنة عبر التاريخ
"عند التحدث عن تاريخ لبنان لا بد من المرور بتاريخ الموارنة والعكس صحيح، لأن تاريخ بلاد الأرز ارتبط بهم بشكل مباشر"، بهذه العبارات يتحدث المتخصص في التاريخ السياسي عماد مراد عن وجود الموارنة في الشرق.
وينقل أن القديس مارون الذي ينسب الموارنة إليه، عاش بين عامي 350 و410، أي بين منتصف القرن الرابع وبداية القرن الخامس، وفي البدايات هو لم يؤسس بطريركية أو كنيسة كما قد يُتصور، بل أسس نمط حياة نسكية كواعظ وقديس ومبشر، وشفى كثراً من أمراض نفسية، وفي تلك المرحلة عاش في منطقة قوروش على ما يعرف اليوم جغرافياً بالحدود السورية – التركية، إذ لم تكن الدولتان موجودتين آنذاك.
في تلك الحقبة كان الفينيقيون في الجبال والوديان لا يزالون من الوثنيين، بينما بدأ المسيحيون ينتشرون على الساحل من القرن الأول على يد تلامذة يسوع المسيح، وفي القرن الخامس حضر اثنان من تلامذته لتبشير أهالي الجبل في لبنان بالمسيحية، وانطلق تلامذة القديس مارون في التبشير، وخلال ما لا يزيد على 30 سنة غلبت المسيحية على جبل لبنان وأصبح مسيحياً، عندها تحولت معظم مراكز العبادة الوثنية إلى أديار وكنائس ومناسك للمسيحيين، وهم فينيقيون في الأصل.
"في نهاية القرن السابع انتخب أول بطريرك ماروني، هو يوحنا مارون الذي كان مطراناً لمدينة البترون شمال لبنان، حينها كانت هناك حاجة إلى بطريرك وقائد للكنيسة، فاجتمع الكهنة والمطارنة وانتخبوا أول بطريرك ماروني عام 685، وقد أقام في البترون وبقي مركزه في لبنان، علماً أن مركز البطاركة عامة في الكنيسة المارونية في لبنان دائماً بما أن لبنان والموارنة توأمان"، بحسب مراد.
وتابع المتخصص في التاريخ السياسي "تميز الموارنة عن باقي الطوائف، من لحظة انتخاب البطريرك الأول بفكرة إقامة كيان خاص بهم، ومن حينها يتمتعون بالاستقلالية، ورافقهم حلم إقامة هذا الكيان طوال 1400 عام إلى اليوم في مختلف الحقب، وهذا ما تحقق عام 1920 مع إقامة دولة لبنان الكبير، ثم مع استقلال لبنان عام 1943، لذلك ارتبط دوماً تاريخ الموارنة في الحقب التي تعرضوا فيها إلى الاضطهادات مع المماليك والعثمانيين بحلم الحرية في ممارسة طقوسهم من دق الأجراس إلى الصلاة بحرية وغيرها".
يذكر أنه حتى عندما قدم الصليبيون إلى الشرق واستقبلهم الموارنة لم يقبلوا بأن يذوبوا فيهم وأن يصبحوا من اللاتين، بل بقوا من المسيحيين السريان الموارنة، وطوال فترة وجودهم تعرضوا لمراحل عديدة من الاضطهاد، لكن حمتهم الجبال والوديان، فقتل كثر منهم لكنهم كانوا يختبئون ويحققون مزيداً من الانتشار، وتسجل بينهم نسبة ولادات مرتفعة منذ بداية وجودهم، فمن تأسيس البطريركية المارونية حتى عام 1960 كانت نسبة الولادات بين الموارنة مرتفعة للغاية مما سمح لهم بالحفاظ على انتشارهم، وإن كانت نسبة الولادات قد خفت في فترات الحروب، إلا أنها كانت تعود وترتفع لاحقاً.
في أيام العثمانيين كان هناك استقلال ذاتي وحرية للموارنة في الصلاة والتبشير، مع تأسيس الرهبانيات والأديرة والكنائس في مختلف الأراضي اللبنانية، وطوال تلك المراحل كان التاريخ يشهد على وجود بطاركة عظماء لاهوتياً ووطنياً وفلسفياً يقودون الشعب، مما ميز الكنيسة المارونية بخط سيادي لا تنازل عنه، فنسبة مرتفعة من البطاركة الموارنة الـ77 كانت من العظماء الذين يعرف عنهم بكونهم من المفكرين وقادة الرأي.
انتشار في الشرق الأوسط
تشكلت نواة الموارنة في لبنان، حيث الدور السياسي والعلمي والاجتماعي والثقافي الأساس لهم، كما أن الأكثرية وجدت فيه، وبقي للموارنة الدور الأساس فيه حتى أيامنا هذه "حتى إن رئيس الجمهورية بقي من الموارنة، على رغم مواجهة خطر انتزاعه من هذه الطائفة في مراحل عدة منذ الاستقلال، وعلى رغم انتزاع صلاحياته في اتفاق الطائف عام 1989، فلا يزال دوره كبيراً وهو رئيس البلاد"، يقول مراد.
في مختلف المراحل يقوى الموارنة حيناً ويضعفون أحياناً، وفي كل فترة يكون لديهم زعيم مدني قوي، ويكون له أثر وطني ومسيحي مهم للموارنة بشكل خاص وللمسيحيين عامة، مثال يوسف بك كرم وكميل شمعون وبيار الجميل وريمون إده وفؤاد شهاب وبشير الجميل، وغيرهم ممن يعتبرون منقذين، وكانت لهم خطة مستقبلية للموارنة وللبنان، كذلك فإن موارنة لبنان المنتشرين في مختلف قارات العالم حققوا نجاحاً باهراً في كل مكان وجدوا فيه.
يقدر عدد الموارنة في لبنان بما يقارب مليوناً إلى مليون و100 ألف، ويقول المؤرخ عماد مراد "حتى اليوم يسجل للموارنة دور سياسي فاعل، ويسلط البطريرك الماروني الضوء في عظاته الوطنية على الشوائب مع إرشادات لتقويم الأمور، وعلى رغم أن الموارنة لم يعودوا يشكلون أكثر من نسبة 20 في المئة من الشعب اللبناني، وعلى رغم تقلص عددهم في الوظائف العامة بالمقارنة مع ما كان يحصل في السابق، ما زالوا يتبوأون مناصب مهمة مثل رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش وحاكمية مصرف لبنان ورئاسة مجلس القضاء الأعلى، فجميعهم من الموارنة، كذلك فإن المناصفة في الوزارة أو في النيابة وفي الفئة الأولى أبقت على دورهم في الوظيفة العامة. وتعتبر النظرة إلى الماروني في الوظيفة العامة، دوماً، إيجابية، لأنه عندما كان في السلطة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي كانت هناك سلطة ووفرة مادية ونجاح ودور إقليمي للبناني في العالم العربي، كما يؤكد الواقع" بحسب مراد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أدوار متفاوتة في الشرق
في سوريا لعبوا أيضاً دوراً عبر التاريخ، واستحوذوا على مناصب رفيعة، ووصل عددهم بين 52 ألفاً و55 ألف ماروني، كان لهم حضور، خصوصاً في شمال البلاد وفي حلب ودمشق، حتى إنه من فترة قصيرة جرى تطويب الأخوة المسابكيين الثلاثة في البلاد (هم ثلاثة إخوة موارنة دمشقيين قتلوا أثناء صلاتهم في كنيسة بدمشق)، مما يؤكد حضور الموارنة في سوريا.
في الأردن للموارنة أيضاً حضور ويقدر عددهم بنحو 1000 نسمة، ولهم ممثل للبطريرك وكنيسة ودور ووجود، وهم يلقون في البلاد احتراماً وتقديراً.
أما في إسرائيل فعلى رغم أنهم موجودون فإن دورهم يعتبر خجولاً بحسب مراد، ويقدر عددهم بنحو 6 آلاف ماروني.
بالنسبة إلى موارنة قبرص لا يعتبر عددهم كبيراً، إلا أنهم يحظون باحترام فائق وتقدير في المجتمع القبرصي ومن قبل السلطات، كما لهم دور مهم، ويقدر عددهم بين 10 آلاف و11 ألفاً، حتى أنه في عيد القديس مارون يحضر الرئيس القبرصي احتفالاً بالمناسبة في قبرص اليونانية، ويشير مراد إلى أن الموارنة كانوا قد عانوا كثيراً في قبرص وتهجروا وانتقلوا من قبرص التركية إلى قبرص اليونانية.
أما عدد الموارنة المهاجرين فليس معروفاً لأن الهجرة حصلت في مراحل عدة، ولا تتوافر أرقام دقيقة في هذا الشأن، فمن القرن الـ19 بدأت الهجرة المارونية، ويقدر عددهم في البرازيل بالملايين وبمئات الآلاف في الأرجنتين وفرنسا، وينتشرون في مختلف أصقاع العالم، وفي فرنسا هناك مطران لهم، ويحظون باحترام كبير، كذلك فإن هناك علاقة تاريخية بين فرنسا والموارنة، وبفضل الموارنة يعتبر لبنان بلداً فرنكوفونياً، وقد استمرت العلاقة المميزة لجميع الرؤساء الفرنسيين مع لبنان لهذا السبب.
ضغوط شيعية وتحديات أخرى
على رغم المناصب التي يتبوأها الموارنة والدور المهم الذي يلعبونه في لبنان، يتعرضون إلى كثير من الضغوط، يرى مراد معتبراً أنه بسبب هذه الضغوط والظروف السياسية تراجعت أعداد الموارنة في لبنان وهم يهاجرون، وقد سجلت بين الموارنة أعلى نسبة هجرة بين مختلف الطوائف، وعلى رغم أنهم كانوا قد قاوموا سابقاً الفلسطينيين والسوريين والهيمنة الإيرانية في الأعوام الـ20 الأخيرة، وكافحوا مراراً من أجل البقاء، رفعوا شعاراً في فترة من الفترات: هذا البلد ليس لنا، وقد هاجر الموارنة بمراحل عدة بسبب الوضع السياسي"، كما قال مراد.
في سوريا، بسبب ما تعرض له الموارنة من ضغوط لم يعد لهم حضور مهم، كما في السابق، فبسبب الوضع وعلى رغم حماية نظام آل الأسد للأقليات حماية لوجودها، هاجر كثر منهم، ومن فترة الثورة عام 2011 إلى اليوم تراجعت أعدادهم إلى حد كبير بسبب الثورة وظروف الانقلاب، وهرب كثر خوفاً من الانتقام منهم.
في الأردن، يبدو الوضع السياسي مناسباً لهم، فالملك الأردني عبدالله الثاني يحب المسيحيين، ويكرمهم من موارنة وغيرهم، وكذلك في إسرائيل حيث لا يتعرضون إلى ضغوط تجبرهم على الهجرة، وإن كانت أعدادهم قد تراجعت.
في قبرص، تهجرت أربع بلدات مارونية عام 1974 وانتقل أهلها من قبرص التركية إلى قبرص اليونانية، ومنهم من غادروا قبرص بشكل تام، وبعد مرور 50 عاماً على الانقسام بين قبرص التركية وقبرص اليونانية، لا يزال الماروني يحلم بالعودة إلى قبرص التركية والقرى الأربع التي غادرها قسراً، خصوصاً كورماجيتي التي تعتبر مهد الموارنة في قبرص، وعلى رغم ذلك يحظى الماروني في قبرص اليونانية بالتكريم والتقدير والاحترام، وله دور مهم في الحياة الاجتماعية والسياسية.