رسخها السادات وخالفها مرسي... كيف احتفل رؤساء مصر بذكرى حرب أكتوبر؟

الرئيس الإخوانى استضاف متهمين بقتل بطل الحرب... ومبارك روَّج للضربة الجوية... والسيسي يحتفي بالشهداء

رسَّخ الرئيس السادات معالم إحياء ذكرى حرب أكتوبر وسار على دربه من جاؤوا بعده باستثناء مرسي (أ.ف.ب)

على مدار 46 عاماً تحتفل مصر على مستوياتها الرسميَّة والشعبيَّة في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) بذكرى النصر في حربها ضد إسرائيل.

ورغم اعتياد المصريين على مظاهر معينة تصاحب تلك الاحتفالات من أغانٍ وطنيَّة وزيارة رسميَّة على أعلى مستوى إلى "قبر الجندي المجهول وخطاب مصاحب للتذكير بمناقب النصر"، فإن المتابع من كثب 6 حقب رئاسيَّة مختلفة شهدتها البلاد منذ عام 1973 يلاحظ اختلافاً في الطقوس بين الرؤساء الذين حكموا مصر طوال العقود الماضيَّة.

وبين عروض عسكريَّة ومشاركة وفود رسميَّة عربيَّة وأجنبيَّة ميَّزت احتفالات أكتوبر خلال عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الملقّب بـ"بطل الحرب والسلام"، واحتفالات علت فيها نبرة "الضربة الجويَّة الأولى" خلال الثلاثين عاماً من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، بدت الأمور مغايرة في مظاهر وطقوس الاحتفال خلال السنوات التسع الأخيرة، التي تناوب فيها على رئاسة مصر 4 رؤساء، لكن في النهايَّة ووفق مؤرخين "ظلّت مناسبة السادس من أكتوبر على أهميتها ورمزيتها حاضرة في المشهد لشحذ همم المصريين وتذكيرهم بالنصر".

عروض عسكريَّة واحتفاظ بنكهة الحرب
على مدار السنوات السبع التي أحيا فيها الرئيس الراحل السادات ذكرى حرب أكتوبر قبل أن يطاله الاغتيال على الهواء مباشرة في ذكراها الثامنة (عام 1981)، حرص السادات على تنظيم عروض عسكريَّة كبيرة بحضور قادة القوات المسلحة وزعماء عرب وأجانب احتفالاً بذكرى الحرب.

وفي الاحتفالات التي شهدها السادات، كان المعتاد أن يستقلّ الرئيس سيارته المكشوفة، ماراً بساحة العرض العسكري، ومستعرضاً في ذلك مظاهر التسليح الحديثة للقوات المصريَّة من مركبات مدرعة، وطائرات، ووحدات وتشكيلات مقاتلة، وذلك قبل أن يستكمل يومه بحضور احتفالات فنيَّة تزخر بالأغاني الوطنيَّة، وهو ما عدَّه محمد رحيل أستاذ التاريخ الحديث بالجامعة الأميركيَّة، بمثابة "إصرار من القيادة العليا حينها على أن المعركة لم تنته بعد، وأن مصر مصممة على استرجاع كامل سيناء سواء بالسلام أو القوة".

لم يكن حينها استردت مصر كامل شبه جزيرة سيناء من إسرائيل رغم توقيع معاهد السلام عام 1979.

 

ولأنّه الرئيس الأوّل بعد الحرب، فقد رسَّخ السادات معالم لإحياء ذكراها ظلت باقيَّة على السنوات والعقود التي تلت وحتى الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي. فبعد إقامة نُصب الجندي المجهول في طريق النصر (شرق القاهرة) في عام 1975، باتت زيارة ذلك النُّصب من الطقوس المميزة للاحتفال في مصر، إذ يبدأ الرئيس بوضع إكليل الزهور بحضور كبار قادة الجيش وعزف موسيقى عسكريَّة ما يسمى "نشيد الشهيد".

ووفق رحيل في حديثه مع "اندبندنت عربيَّة"، "في عهد السادات تميَّز إحياء ذكرى أكتوبر بالعروض العسكريَّة قبل أن تختفي في مرحلة لاحقة بعد اغتيال الرئيس المصري في عام 1981".

مبارك وأولويَّة "الضربة الجويَّة"
على مدار 29 ذكرى، وإلى جانب الطقوس المعتادة من زيارة قبري الجندي المجهول وقبر الرئيس السادات، فضلاً عن إلقاء كلمة للأمة، كانت السمة الأبرز التي غلبت على الاحتفالات بأكتوبر خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك "مركزيَّة الضربة الجويَّة الأولى خلال الحرب"، في إشارة إلى منصب مبارك قائداً للقوات الجويَّة في أكتوبر 1973. إذ تزدحم وسائل الإعلام وحتى الأناشيد الوطنيَّة بمدح الضربة الجويَّة وتأثيرها في الحرب، مع تجاهل تدريجي لقادة القوات المسلحة والدور الشعبي في المعركة، بدا جلياً في شهادات بعض من قادة الحرب في مذكراتهم، ومن بينهم الفريق سعد الدين الشاذلي (رئيس أركان حرب القوات المسلحة خلال الحرب).

 

ومن بين أهم ما ميّز إحياء ذكرى أكتوبر خلال عهد مبارك، كانت العروض الفنيَّة المصاحبة الاحتفالات، التي حرص الرئيس حينها على الحضور برفقة زوجته إلى جانب قيادات الدولة، وكان آخر العروض التي شهدها مبارك عام 2010، أي قبل شهور من إطاحة حكمه بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2011. هو عرض تكتيكي للقوات المسلحة، إلى جانب عرض رمزي لما تم في الحرب من عبور خط بارليف على الضفة الشرقيَّة من قناة السويس.

3 مناسبات و3 رؤساء
بعد أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2011، وإطاحة حكم مبارك، توالى على إدارة البلاد 3 رؤساء مختلفين، بدأت بالمجلس العسكري في إدارة المرحلة الانتقاليَّة بقيادة المشير محمد حسين طنطاوي، تلاه الرئيس المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، ثم الرئيس عدلي منصور في مرحلة انتقاليَّة ثانيَّة بعد إطاحة حكم مرسي، عقب ثورة الثلاثين من يونيو (حزيران)، وهو ما شهد اختلافاً في طقوس إحياء ذكرى أكتوبر، كان أبرزها الاحتفال الوحيد لمرسي، إذ استضاف قتلة الرئيس الراحل أنور السادات، ما سبب حينها "موجة غضب غير معتادة في الأوساط الشعبيَّة".

وفي عهد المجلس العسكري، أحيت القوات المسلحة الذكرى الـ38 لحرب أكتوبر، بعروض للطائرات العسكريَّة في سماء البلاد وفرق موسيقيَّة بالميادين الكبرى بالقاهرة، وغلب المشهد الشعبي على الاحتفال من خلال تجمّع الآلاف في الميادين المصريَّة، وعلى رأسها ميدان التحرير.

 

وعزفت الفرق العسكريَّة في ميدان التحرير، ووزعت القوات المسلحة الهدايا على رواد الميدان، فضلاً عن حفل فني في مساء اليوم ذاته، حضره كبار رجال الدولة.

وعلى غير المعتاد، كان إحياء الرئيس الأسبق محمد مرسي، الأغرب في مشاهد الاحتفالات السابقة لذكرى حرب أكتوبر. فإلى جانب الطقوس الاعتياديَّة من زيارة قبر الجندي المجهول وكلمة موجهة إلى الأمة، فاجأ مرسي المصريين باحتفال ضخم في استاد القاهرة، حضره أنصار الرئيس من جماعة الإخوان، فضلاً عن عدد من القيادات الدينيَّة، منهم من اُتهم بقتل السادات وأبرزهم طارق الزمر (قيادي في الجماعة الإسلاميَّة)، وذلك دون حضور المشير حسين طنطاوي ورئيس أركان حرب القوات المسلحة السابق الفريق سامي عنان، أبرز اسمين في إدارة المرحلة الانتقاليَّة التي سبقت تولي مرسي السلطة، واللذان عزلهما الرئيس قبل ذلك بنحو شهرين.

ففي تلك الذكرى الـ39، دخل مرسي استاد القاهرة بسيارة مكشوفة محيياً أنصاره، وتحدَّث في كلمة استمرت نحو ساعتين عن "إنجازات حكومته" دون التطرق إلى ذكرى أكتوبر، ليأخذ بذلك الاحتفال "منحى سياسي للمرة الأولى"، وفق توصيف المؤرخ المصري عاصم الدسوقي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الذكرى الـ40، وبعد شهور من إطاحة حكم مرسي بعد ثورة الثلاثين من يونيو (حزيران) 2013، أحيا الرئيس الانتقالي عدلي منصور ذكرى أكتوبر بطريقة اعتياديَّة اقتصرت على زيارة قبري الجندي المجهول والرئيس السادات، فضلاً عن كلمة للشعب، بجانب احتفال للقوات المسلحة، حضره عدد من الشخصيات العامة، أبرزهم كان وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي.

السيسي وتكريم أبطال الحرب
ومنذ العام 2014، وحتى الذكرى السادسة والأربعين لحرب أكتوبر، تنوّع إحياء ذكرى الحرب في عهد الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي من مشاركة في عروض عسكريَّة وحضور قادة عرب، وكان أبرز ما ميّز تلك الاحتفالات "تكريم أسر أبطال الحرب".

وعلى غير المعتاد عن الرؤساء السابقين، بدأ السيسي الطقوس المعتادة لإحياء ذكرى أكتوبر، التي تضمنت زيارة قبري الجندي المجهول والسادات قبل السادس من أكتوبر (تشرين الأول) بيومين.

 

وحسب أستاذ التاريخ رحيل، فإن "الانطباع الأكبر خلال سنوات الرئيس السيسي لإحياء ذكرى أكتوبر هو الاحتفاء بالشهداء وأبطال حرب أكتوبر الباقين على قيد الحياة وتكريم أسرهم"، مضيفاً "من ضمن الانطباعات الأخيرة أيضاً تواري الأغاني القديمة عن المشهد وظهور أخرى جديدة مغايرة لتلك التي اعتاد المصريون على سماعها خلال العقود الأولى التي تلت 1973".

بدوره يقول المؤرخ عاصم الدسوقي، "جوهر الاحتفال بذكرى أكتوبر الذي لم يتخلف على مدار الـ46 عاماً، هو المتمثل في ملحمة العبور وتحطيم أسطورة الجيش الذي لا يُقهر الذي ظلت إسرائيل تردده سنوات"، مضيفاً "لا يوجد اختلاف في جوهر الاحتفال، وإن تغيرت بعض الأساليب".

المزيد من العالم العربي