ملخص
ما بين الدعوة إلى إغلاق القواعد الأميركية والدبلوماسية الهادئة والتفاهم مع واشنطن، تعددت المواقف إزاء مطالب ترحيل الفلسطينيين في غزة إلى الأردن.
اختار الأردن التعامل بحكمة وحنكة دبلوماسية مع العاصفة التي أثارتها تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وكشف فيها عن طلبه من العاهل الأردني استضافة لاجئين فلسطينيين من غزة، إذ تصدى وزير الخارجية أيمن الصفدي للموقف بالتقليل من شأن تلك التصريحات ووضعها في حجمها الطبيعي، مؤكداً أن "الأردن للأردنيين وفلسطين للفلسطينيين"، ليجدد موقف المملكة الراسخ الرافض أي مشاريع للتهجير أو التوطين.
لكن هذا الهدوء الدبلوماسي قوبل بحال من الغليان الشعبي التي اجتاحت الشارع الأردني، مطالبة الحكومة باتخاذ موقف صارم وواضح يعكس حجم الاستفزاز الذي أثارته تصريحات ترمب، التي وصفت على منصات التواصل بأنها "صفقة القرن الثانية".
تجميد المساعدات
وربط مراقبون بين تصريحات ترمب التي تتعلق بتوطين فلسطينيي غزة في الأردن، وقرار واشنطن قبلها بساعات فقط تجميد المساعدات للمملكة كنوع من ممارسة الضغط السياسي لتحقيق أجندة معينة، أو اتخاذ مواقف سياسية تتعلق بالقضية الفلسطينية، إذ تشمل هذه المساعدات دعم الموازنة العامة ومشاريع تنموية ومساعدات عسكرية، وتصل نسبتها إلى ثمانية في المئة من مجمل الموازنة.
يعد الأردن حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، ويستضيف قواعد عسكرية أميركية عدة على أراضيه، ومنذ عام 1951 قدمت له الولايات المتحدة أكثر من 20 مليار دولار مساعدات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي عام 2022 وقع الطرفان مذكرة تفاهم تقدم بموجبها الولايات المتحدة مساعدات سنوية بقيمة 1.45 مليار دولار للأردن من عام 2023 وحتى 2029. أما في 2023 فقدمت الولايات المتحدة منحة مالية بقيمة 845.1 مليون دولار لدعم موازنة الأردن.
ومن شأن تجميد هذه المساعدات الإضرار بالاقتصاد الأردني المكبل بمديونية ناهزت 50 مليار دولار، كذلك فإن تعليقها قد يؤدي إلى عجز في الموازنة، مما يضطر الحكومة إلى البحث عن مصادر تمويل بديلة أو تقليص النفقات أو حتى فرض رسوم وضرائب جديدة، فيما يعبر البعض عن خشيته من قرارات أخرى من قبيل احتمال فرض رسوم جمركية بموجب اتفاق التجارة الحرة بين البلدين.
لكن مصدراً رسمياً قال في تصريحات صحافية إن الأردن لن يتأثر كثيراً بقرار تعليق المساعدات، كونه تلقى كامل المساعدات الأميركية عن عام 2024، وسيتلقى المساعدات المخصصة لـ2025 كما جرت العادة، ووفق التفاهمات الموقعة مسبقاً بين الجانبين.
إرث ثقيل
يتوقع مراقبون أن يشهد البرلمان الأردني خلال الأيام المقبلة جلسات صاخبة، إذ اعتبر حزب جبهة العمل الإسلامي الذي يحظى بـ31 مقعداً نيابياً أن تصريحات ترمب هي بمثابة إعلان حرب على الأردن ومقدمة لتهجير فلسطينيي الضفة، ودعا الحزب إلى تشكيل جبهة وطنية شعبية ورسمية في مواجهة مخطط التهجير والضغوط الأميركية.
في هذا السياق يستذكر مراقبون المواقف التي عبر عنها ترمب في ولايته الأولى وطاولت الأردن، ودفعت رئيس الوزراء السابق بشر الخصاونة إلى القول في مقابلة مع "اندبندنت عربية"، "كنا هدفاً لإدارة ترمب".
ففي عام 2020 أطلق ترمب خطة السلام في الشرق الأوسط أو ما عرف بـ"صفقة القرن" التي تتضمن بنوداً تضعف حل الدولتين، وتهدد الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، فضلاً عن بنود تدعو إلى تحويل الأردن إلى وطن بديل للفلسطينيين، وترافق ذلك مع تقليص الدعم المالي الأميركي لـ"أونروا" وبعض المشاريع التنموية في الأردن.
على رغم ذلك ووفقاً لمراقبين حافظ الأردن على موقف دبلوماسي حذر، إذ رفض علناً "صفقة القرن" وسياسات ترمب المتعلقة بالقدس، وبدأ في تعزيز تحالفاته وعلاقاته مع الاتحاد الأوروبي، وحرص على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع واشنطن لحماية المصالح الأردنية.
وفي أغسطس (آب) الماضي، قال ترمب إن "مساحة إسرائيل تبدو صغيرة على الخريطة، وكثيراً ما فكرت كيف يمكن توسيعها". وتساءل ترمب أمام الجالية اليهودية في الولايات المتحدة "هل هناك طريقة للحصول على مزيد من الأراضي لإسرائيل، لأنها صغيرة على الخريطة مقارنة مع الدول الأخرى في الشرق الأوسط؟"، وبعدها بأسابيع نقلت صحف إسرائيلية عن ترمب قوله لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن "من الضروري الاستعداد لاحتمال اضطرار إسرائيل إلى غزو الأردن في حال وقوع انقلاب إسلامي".
دعوة مستحيلة
يعتقد المحلل السياسي ماهر أبو طير أن طلب الرئيس الأميركي من الأردن استقبال غزاويين هو في حقيقته رسالة إلى مصر الأقرب جغرافياً إلى غزة، ورسالة للأردن في مسار مزدوج للتوطئة لملف الضفة الغربية الأقرب جغرافياً إلى الأردن.
ويضيف "تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى الأردن يبدو أمراً مستحيلاً بسبب عدم وجود جوار جغرافي، وهناك مشاريع قديمة من الخمسينيات لتهجير أهل غزة نحو سيناء، وهذا كله يأتي في توقيت حساس، إذ استقالت السفيرة الأميركية في عمان كونها تنتمي للحزب الديمقراطي وقُبلت استقالتها، وسيعين سفير جمهوري قريباً".
يرى أبو طير أن الأردن في حاجة إلى جهد سياسي ودبلوماسي من نوع مختلف، من خلال علاقات الأردن العربية والدولية، وعلاقاته المباشرة داخل واشنطن والمؤسسات الثابتة الأكثر تأثيراً في السياسة الخارجية الأميركية، مطالباً مصر بإغلاق بوابة الضغوط، مما سيؤدي إلى نتائج مفيدة استراتيجياً للأردن.
خيارات عقلانية
يصف المتخصص في مجال العلوم السياسية في الجامعة الأردنية محمد أبو رمان تصريحات ترمب بأنها الأخطر في ما يتعلق بالأردن، وتؤشر إلى أن هنالك شيئاً ما يتم التحضير له في ما يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية، ويقوم على أدوار إقليمية للأردن ومصر.
ويضيف أن الحديث عن استقبال فلسطينيين من غزة في الأردن من قبل ترمب مؤشر إلى المستقبل في ما يخص الضفة الغربية، ويبدو أن ترمب لديه تصور لدور أردني بخاصة في الضفة الغربية.
يؤكد أبو رمان أن تصور ترمب لحل القضية الفلسطينية يستند إلى معطيات من بينها حديثه الأخير، إضافة إلى معطيات أخرى حين تحدث قبل أشهر من إعادة انتخابه عن ضرورة توسيع مساحة إسرائيل، فضلاً عن تجميد المساعدات للأردن.
ويوضح أن العلاقة بين ترمب والعاهل الأردني في ولايته الأولى كانت باردة ومتوترة، موضحاً أن على الأردن التعامل مع هذه المرحلة الصعبة بخيارات استراتيجية وواقعية وبموازاة نظرة الرئيس الأميركي للدور الإقليمي الأردني.
خلية أزمة
بدوره طالب نقيب الصحافيين الأردنيين راكان السعايدة بتشكيل خلية أزمة رداً على تصريحات الرئيس الأميركي ترمب، وتمتين الجبهة الداخلية الأردنية، والاشتباك مع التحديات التي تفرضها الإدارة الجديدة في البيت الأبيض، وتتمثل في رأيه في محاصرة الأردن اقتصادياً والتضييق عليه سياسياً.
ودعا المتخصص العسكري والأمني نضال أبو زيد الأردن إلى تنويع خياراته الدبلوماسية، على اعتبار أن ما يدعو إليه الرئيس الأميركي يشكل تهديداً للأمن القومي الأردني.
بينما يذهب المحلل السياسي حسن البراري بعيداً في رؤيته للأدوات التي يمتلكها الأردن للرد على تصريحات ترمب ومطالبه، بالقول إن على الحكومة الأردنية إغلاق القواعد العسكرية الأميركية في البلاد، التي يبلغ عددها نحو 10 قواعد وتضم في جنباتها الآلاف من الجنود الأميركيين.
ويعلق الكاتب والمحلل السياسي حسين رواشدة بالقول إن الأردن لا يقبل أن يكون دولة مهمشة، ولا طرفاً ضعيفاً، ولا يمكن أن يرضخ لأي ضغوط تهدد وجوده أو لا تخدم مصالحه العليا.
يعتقد الرواشدة أن مواجهة المرحلة المقبلة تتطلب التفكير في الخيارات والأولويات الأردنية، بعدما دفع الأردن ثمناً باهظاً لأدوار لم تصب في رصيده بالشكل المباشر ولم ترض أشقاءه وحلفاءه، داعياً إلى تغيير الأدوات السياسية والبحث في العمق العربي عن مصدات تساعد على تجاوز هذه المرحلة الصعبة.
يصنف الرواشدة ما يحدث بأنه ثمن سياسي يدفعه الأردن بسبب موقفه المتقدم مما يحدث في غزة، لذلك فإن المطلوب هو ترميم تحالفاته الدولية والخروج من محاولات التحجيم والتهميش عبر الذهاب إلى واشنطن والتفاهم معها على قاعدة المصالح.