هروب رؤوس الأموال يعصف بالاقتصاد العراقي

تفشي الفساد والفوضى الإدارية يهددان الاستقرار المالي وسط إرتفاع المديونية وتعثر الاصلاحات

اندلاع مظاهرات العراق تعجل بهروب رؤوس الأموال من البلاد (أ.ب)

يشهد العراق هجرة رؤوس الأموال للخارج وسط معاناة أصحاب الأعمال بسبب الوضع الأمني غير المستقر وتعرضهم لتهديدات مستمرة للتصفية، بالإضافة إلى المخاوف الكبيرة التي تسيطر على الشركات العربية والأجنبية من اختبار السوق العراقية حتى مع تحسن الأمن، في ظل عوامل أخرى مرتبطة بالروتين الحكومي وارتفاع معدلات الفساد.

وتبرز الأزمة الحقيقية في ضعف القدرة على توطين رؤوس الأموال المحلية وهروب الكفاءات للخارج، مما يؤثر سلبا على جذب التدفقات الخارجية، لا سيما أن "رأس المال جبان دائما" وبحاجة إلى عدة عوامل للثقة بمستقبل الاقتصاد العراقي في مقدمتها الأمن.

وأخفقت الحكومات العراقية في إعادة التوازن للقضاء على أزمة هروب رؤوس الأموال وإتاحة فرص استثمارية جيدة لاسيما بقطاع النفط والغاز الذي تحتكره الحكومة وشركاؤها من شركات النفط العالمية.

ويمثل هروب رؤوس الأموال تحديا اقتصاديا كبيرا للعراق في ظل الظروف المالية التي يعيشها، وانعكاس ذلك على ارتفاع حجم المديونية وانخفاض حجم الأعمال وضعف الإنتاج وبالتالي تفاقم أزمة البطالة، مما يلقي اللوم على القرارات السياسية الخاطئة التي تحرك المشهد الاقتصادي والأمني للدولة الغنية بالنفط.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العراق يسير في الاتجاه الخاطئ بالأعمال التجارية

وفي هذا الصدد، أكد السفير الأميركي في العاصمة بغداد ماثيو تولر، أن العراق يسير في الاتجاه الخاطئ بالأعمال التجارية، وسط معوقات أمام جذب الاستثمارات الأجنبية، في أن مناخ الاستثمار لا يزال يشكل تحدياً للمستثمرين الأميركيين وغيرهم من المستثمرين الدوليين، وتعد قدرة الشركات هناك على تحقيق الربح عاملاً حاسماً في تحديد استعدادها للاستثمار من عدمه.

وقال تولر، في كلمته خلال منتدى العراق للطاقة 2019 الذي انعقد منتصف الشهر الماضي، أنه يجب على الحكومة العراقية أن تدرك أنه بدون تحقيق عوائد مالية كافية، فإن شهية المستثمرين لتحمل المخاطر المالية في القطاعات التي تتطلب رأس المال كبير مثل قطاع الطاقة ستكون محدودة جدا.

ويرى السفير الأميركي أن العراق يسير بالاتجاه الخاطئ لا سيما بعدما انخفض من المرتبة 168 في تقرير البنك الدولي لعام 2018 حول سهولة ممارسة الأعمال التجارية إلى المركز 171 في تقرير لعام 2019، لأن البنك الدولي حدد عدداً من عوامل المخاطر فيما يخص العراق، بما في ذلك عدم قدرة الناس في الحصول على الائتمان وعدم وجود آلية فعالة لحل حالات الإفلاس، ومع ذلك، هناك عيب رئيس آخر يحدده البنك وهو التحديات التي يواجها الأفراد والشركات في الحصول على الكهرباء.

وذكر تولر أن العراق يفتقر إلى كيان تنظيمي مستقل يراقب الأداء وموثوقية الإمداد بالكهرباء والروادع المالية التي تهدف إلى الحد من انقطاع التيار الكهربائي وتحقيق الشفافية في النظام المستخدم على الانترنت لإيصال التعريفات الكهربائية، فيما يعد استهلاك الغاز أكثر من أي مكان آخر في العالم، وهذه العملية فيها تبذير وغير فعالة وتتعارض مع الاكتفاء الذاتي من الطاقة في العراق، ويجب أن يتم استثمار هذا الغاز ومعالجته وإيصاله كمواد وسيطة لتزويد محطات الطاقة بالوقود وذلك كلها عوامل طاردة للاستثمارات الأجنبية.

تعديلات لضبط خروج ودخول الأموال

وفي محاولة لضبط خروج الأموال من البلاد، أعلن البنك المركزي العراقي، أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، عن إدخال تعديلات في ضوابط التصريح عن الأموال الداخلة إلى العراق والخارجة منه.

وقال المركزي، في بيان، "إن التعديل الأول لضوابط التصريح عن الأموال عند إدخالها أو إخراجها عبر الحدود العراقية تدخل حيز التنفيذ في شهر فبراير (شباط) من عام 2020، وهذا الايضاح لتجنيب المواطنين والمسافرين المساءلة القانونية عن المخالفات المنصوص عليها في تلك الضوابط خلال نقل الأموال عبر الحدود".

وشمل التعديل منح السلطات صلاحية تفتيش الأشخاص ومعاينة أمتعتهم للتحقق من صحة المعلومات المصرح عنها، عند التحقق أو الشك في حصول تصريح كاذب أو حالة الامتناع عن التصريح أو في حالة الاشتباه بأن الأموال الجاري نقلها هي أموال غير مشروعة، وحددت أن المبالغ المسموح بإدخالها أو إخراجها من وإلى أراضي العراق تتضمن المبالغ دون 10 آلاف دولار أميركي أو ما يعادلها بالعملات الأخرى، حسب بيان المركزي.

وأورد البيان أن المبالغ التي تزيد على 10 آلاف إلى 20 ألف دولار يجب الحصول على تصريح بشأنها مع ضرورة إبراز ما يؤيد الغرض من إدخال أو اخراج هذه المبالغ، وفي حالة عدم توفر المستندات الثبوتية يقوم المسافر بتقديم تعهد بجلب تلك المستندات بعد 30 يوما من تاريخ التصريح.

فيما يمنع إدخال أو إخراج مبالغ تزيد على 20 ألف دولار أميركي، أو ما يعادلها بالعملات الأخرى، وتكون عملية إدخال تلك المبالغ أو إخراجها عن طريق المؤسسات المالية حصراً، كما يمنع إدخال أو إخراج مبالغ تزيد على مليون دينار عراقي حتى وإن تم التصريح عنها، ويتم حجز المبلغ وتتخذ بحقه الإجراءات القانونية.

تفشي الفساد الحكومي يهدد المالية العامة 

ولا يزال العراق يعاني مع تزايد حالات الفساد بالحكومات المتعاقبة منذ سقوط نظام صدام حسين في 2003. ويحتل العراق المراكز الأخيرة في مؤشر مدركات الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية. وخلال العام 2018، كشفت هيئة النزاهة العامة عن إصدار أكثر من 2000 أمر قبض بتهم تتعلق بالفساد في العراق خلال 2017، مبينة أن من بين الصادرة بحقهم أوامر قبض 290 مسؤولاً حكوميا بينهم وزراء.

وتشير تقارير منظمة الشفافية العالمية إلى أن حجم المال المنهوب في فترة ما بعد الرئيس الأسبق صدام حسين بلغ 300 مليار دولار. والعراق مصنف بين البلدان الأكثر فساداً محتلاً المرتبة 169 من أصل 180 بلداً (بحسب منظمة الشفافية العالمية في تقريرها الأخير).

وكانت هيئة النزاهة العراقية، أعلنت في بيان عن استعادة أكثر من مليار دولار خلال النصف الأول من العام الحالي، في خطوة تكشف مدى الفساد المستشري في البلاد، فيما قادت التحقيقات إلى إصدار السلطات القضائية 857 أمرا توقيفا، نُفذ 407 منها خلال النصف الأول من هذا العام

وأورد البيان، "صدور 34 أمر استقدام، وتوقيف وقبض وإحالة بحق وزراء ومسؤولين بدرجة وزير، وأن الأموال العامة التي استُرجعت - أو التي صدرت أحكام قضائية بردِّها - أو منعت وأوقفت الهيئة هدرها، وتمَّت إعادتها إلى حساب الخزينة العامة، بلغ مجموعها أكثر من تريليون دينار خلال النصف الأول".

ويعاني العراق منذ سنوات فسادا كبيرا، ويأتي في المرتبة الـ12 بين الدول الأكثر فساداً في العالم، وفقا لمنظمة الشفافية الدولية.

إعادة الإعمار تسيرب سرعة "السلحفاة"

لا تزال عملية إعادة الإعمار في العراق تسير بخطئ بطيئة  دون مستوى الطموح، حيث قدرت الحكومة العراقية الحاجة الفعلية لإعادة إعمار البلاد بـ88.2 مليار دولار على مدى 10 سنوات، فيما تعرضت البنى التحتية (مشروعات الماء والكهرباء والمؤسسات الصحية والتعليمية والمؤسسات الخدمية) في المحافظات الشمالية والغربية، إلى دمار كبير على مدى 3 سنوات من القتال بين القوات الحكومية وتنظيم "داعش" الذي فرض سيطرته على ثلث مساحة البلاد منتصف 2014.

وفي مؤتمر إعادة العراق المنعقد بالكويت في فبراير (شباط) 2018، رصدت دول عربية وأجنبية ومؤسسات مالية عالمية نحو 30 مليار دولار لدعم العراق، إلا أن الدعم مرهون بتحسن الإصلاحات السياسية والتشريعية والقضاء على الفساد بالمؤسسات الحكومية، إلى جانب تعزيز الوضع الأمني.

وكشف تقرير الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، عن أن الإمارات ومصر استحوذتا على استقطاب الكم الأكبر من الاستثمارات عربياً، فيما حل العراق في المرتبة الأخيرة من بين الدول الأكثر جذباً للاستثمار.

وتزيد حالة عدم الثقة بشأن مستقبل الاقتصاد العراقي وسط تخوف قطاع كبير من المستثمرين بشأن ضخ استثمارات جديدة مع تصاعد احتمالية نشوب حرب بين الولايات المتحدة وإيران، مما يضرر باقتصاديات المنطقة ككل.

المزيد من اقتصاد