Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف نجا متحف "غيتي" من حرائق لوس أنجليس؟

لم تفرق الحرائق بين كبير وصغير لكن بعض من كان لديه إمكانات واسعة عرف يتجنب الأسوأ

في حالة فيلا "غيتي" فإن بعد النظر والتمويل المناسب أسهما في حماية كنوزها من أي ضرر (ميدل إيست إيميجيز/أ ف ب/غيتي)

ملخص

صمم متحف "غيتي" لمواجهة الكوارث مثل الحرائق والزلازل، مما حمى كنوزه خلال الحرائق الأخيرة، لكن على رغم هذا النموذج الناجح فإن القلة فقط لديهم الإمكانات لبناء بيوتهم بهذه المواصفات، مما يستلزم تدخلاً أكبر من السلطات لحماية الناس ومواجهة التغيرات المناخية

"مركز غيتي" الذي عرف بـ"أعجوبة الهندسة المقاومة للحرائق" وقبلة الثقافة، يقع في منطقة مرتفعة بأعلى تلال برينتوود في مدينة لوس أنجليس، القابعة طوال الأسبوع ما قبل الماضي تحت وطأة غمامات الدخان الحمراء والثقيلة. وعلى مسافة 10 أميال لا أكثر، في ماليبو، تقوم "فيلا غيتي"، البناية الشقيقة للمركز، التي واجهت ألسنة اللهب الغادية على بعد ست أقدام فقط (متران) من جدرانها. الأشجار حول الفيلا والمساحات الخضراء المزروعة عند برك الماء والنافورة، غدت رماداً بفعل الحرائق التي عصفت بـلوس أنجليس. أما داخل الفيلا فيضم مجموعة رائعة: أكثر من 125 ألف قطعة، من بينها 44 ألف عمل فني وتحفة إغريقية ورومانية، وهذه المجموعة بقيت سالمة وبحالة ممتازة.

آلاف المباني، من منازل ومتاحف ومدارس ودور عبادة، تحولت إلى رماد إثر النكبة الكبرى التي حلت بفعل الحرائق البرية في لوس أنجليس، والتي أودت حتى الآن بحياة 25 شخصاً وفرضت عمليات إخلاء طارئة شملت أكثر من 150 ألف شخص.

وحتى صباح الإثنين الماضي، كانت النيران قد أتت على مساحة تفوق الـ40 ألف فدان (162 كيلومتراً مربعاً). وتتحضر المدينة أيضاً لنكبة إضافية، إذ من المتوقع هبوب رياح ناشطة ستجدد اشتعال النيران مرة أخرى.

تعد الحرائق البرية الأخيرة في لوس أنجليس الأكثر كلفة في التاريخ، مع توقع تخطي حجم الخسائر الـ135 مليار دولار (109.7 مليار جنيه إسترليني). ولغاية اليوم لم يحدد سبب معين لاندلاع الحرائق، إلا أن قادة وحدات الإطفاء انتقدوا الحكومة المحلية لفشلها في استشراف ما حدث، ولعدم تخصيصها التمويل الكافي لقطاع الإطفاء ولمشروع نشر صنابير المياه في أنحاء المدينة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"فيلا غيتي"، المفصولة عن المتحف الرئيس في برينتوود، صممت من قبل روبرت إي لانغدون جونيور وإرنست سي ويلسون جونيور، وافتتحت عام 1974، وقد خضعت منذ ذلك التاريخ لأعمال ترميم كثيرة. وعلى رغم أن الفيلا لم تكن ضمن منطقة الحرائق، فإن ألسنة اللهب بلغت موقعها في السابع من يناير (كانون الثاني) الجاري، لكن المتحف (عموماً) كان مستعداً لمواجهة ما قد يطرأ.

وفي بيان نشر بعد خمسة أيام، أكدت هيئة إدارة ممتلكات "صندوق جي بول غيتي للتمويل" أن المتحف بقي "سالماً ومستقراً". أما رئيسة صندوق "غيتي" ومديرته التنفيذية، كاثرين إي فليمينغ، فقالت صبيحة التاسع من يناير "منشآتنا بنيت كي تواجه مختلف التحديات التي تطرحها علينا هذه المنطقة، كالزلازل وحرائق الغابات، وتنجو منها". وأوضحت فليمينغ أن أساسات المبنى صممت كي تحمي المحتويات التي يضمها وذلك بفضل "الحجر الجيري [الترافرتين] من الخارج، والخرسانة المدعمة [المسلحة] في الداخل".

وبلغت كلف بناء "مجمع مركز غيتي" 1.3 مليار دولار بسياق أعمال إنشاء دامت خمسة أعوام. أما قدرات المجمع على مواجهة الكوارث فتشمل المواد المقاومة للنيران المستخدمة في بناء منشآته وأقسامه، وموقعه الإستراتيجي، إضافة إلى مخزونه المائي المخصص للاستجابة الطارئة في أعمال مكافحة النيران. وقد صممت صالات العرض التي يضمها المجمع كوحدات مستقلة مجهزة بأنظمة إنذار مبكر في حال انبعاث الدخان، وبأنظمة إخلاء، وهذه الأنظمة الأخيرة تعزل كل جناح ريثما يُوقف الدخان ويُمنع انتشار النيران.

وفي الوقت نفسه تُصنع أسطح المباني من الحجر المسحوق لمنع اشتعال الشرر المتساقط، كما يُنسق الغطاء النباتي المحيط للحد من نمو الشجيرات التي قد تغذي حرائق الغابات.

وهناك تحت أرضيات فيلا "غيتي" ثمة شبكة أنابيب تسمح بتفعيل فوري للرشاشات المائية (رشاشات الإطفاء في حالات الطوارئ). وللتخفيف من أخطار الزلازل صُممت خزائن وواجهات عرض خاصة قادرة على حماية ما تضمه من قطع ومعروضات في حال وقوع هزات أرضية.

واليوم حين يمسح كثر أضرار الكارثة التي تسببت فيها حرائق لوس أنجليس، تتجه الأنظار إلى الطريقة والتدابير التي اعتمدها متحف "غيتي" لحماية نفسه. فبالنسبة إلى معظم الناس في المناطق المحيطة الواقعة بقلب منطقة الحرائق، لم يكن هناك إمكان لتلافي الخسائر التي لا تعوض.

أشخاص كثر ممن جرى إخلاؤهم إثر إعلان حال الطوارئ، شاهدوا شاشات التلفزة برعب وهي تبث مشاهد احتراق منازلهم وممتلكاتهم وتدميرها. وفي الأيام التي تلت عاد المئات من أولئك الأشخاص كي يبحثوا بين الدمار، "فيتحققوا مما حصل" أو ينتشلوا ما نجا من ممتلكاتهم.

غريغ بينتون، أحد السكان، قال لمراسلي وكالة "أسوشيتد برس" إنه يبحث عن بقايا ما كان بيته لـ31 عاماً في "باسيفيك باليساديس" على أمل أن يجد خاتم عرس جدته الكبرى بين الأنقاض. "الأشياء العائلية الصغيرة الموروثة من جيل إلى جيل هي أكثر ما يؤلم" يقول للصحافيين.

وهذا الأمر في الحقيقة – أمر تحديد ما هو قيم، وبالنسبة إلى من – راح يحتل المشهد تدريجاً إثر الحرائق الكبرى. فالكوارث الطبيعية لا تميز بين الأشياء أبداً، والخبراء لم يتوقفوا عن التحذير طوال فترة الحرائق: أزمة المناخ لا يمكن رشوتها، والثروات لا يمكنها على الدوام حماية نفسها منها. لكن، وكما شاهدنا الأسبوع الماضي، وحتى في ظل الكارثة، ما زال المال – ومن يملكه – يحدد الأشياء المحمية.

وفيما راح أفراد من نخبة هوليوود يعلنون عبر منصات التواصل الاجتماعي عن خسائرهم، تصاعدت في المقابل ولأقصى درجة شعارات "ثوروا على الأثرياء" من قبل أفراد من جيل "زد" وجيل الألفية. "هل عليَّ التفكير والاهتمام بالأغنياء الذين احترقت بيوتهم وتفحمت؟ لأنني لا أفكر بهم ولا أهتم لأمرهم"، كتب أحد المستخدمين على منصة إكس (تويتر)، وذلك إلى جانب كثير من المواقف المماثلة. وفي أمكنة أخرى برزت عناوين رئيسة مثل: "عار على أفراد النخبة المقيتين الذين لم يقوموا خلال حرائق لوس أنجليس سوى بأفظع الأشياء التي يمكن للمرء أن يتخيلها" (لكن هل منكم من صدمه الأمر؟) وهذه العناوين في الحقيقة لم تسهم إلا في تأجيج الأجواء.

وفي أحد المقالات بهذا السياق السجالي انتُقدت المغنية ماندي مور التي دعت متابعيها إلى التبرع لمصلحة أهل زوجها الذين فقدوا بيتهم، وذلك بغية تحصيل مبلغ 60 ألف دولار. وبموازاة هذا أيضاً ظهر فيديو غريب لسبينسر برات وهو يعثر على قطعة كوارتز وردية ضخمة – تساوي على الأرجح آلاف الجنيهات الإسترلينية – بين أنقاض منزله، وقد أثار الفيديو المذكور موجة من السخط إثر انتشاره ومشاهدته على نطاق واسع عبر "تيك توك".

"الحرب الطبقية" تلك، وفق ما يطلق عليها، والمندلعة مع الحرائق، غدت أكثر بروزاً بعد ظهور تقارير عن عائلات ثرية تستأجر رجال أطفاء خاصين لحماية منازلهم، فيما تلتهم النيران المنازل والأبنية في الأحياء المحيطة. وقد أثارت تلك التقارير موجة انتقادات واسعة.

"هل لدى أحدكم طريقة للاتصال برجال الإطفاء الخاصين؟ سأدفع أي مبلغ يطلبونه" كتب أحد سكان باليساديس على منصة "إكس". لكن رد الفعل كان شديداً جداً تجاه ما كتبه هذا الشخص، مما أجبره على إغلاق حسابه، إذ إن هذه التغريدة أشارت بدقة إلى طبيعة القضية – أي امتياز توفير الحماية والأمان بالنسبة إلى بعض الناس، فيما يعجز الآخرون عن ذلك.

ومسألة القدرة على إعادة البناء تثير مخاوف جدية هنا في لوس أنجليس، المدينة ذات التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية القصوى، حيث يقطن أكثر من 50 مليارديراً فيما 16.5 في المئة من السكان يعيشون في حال الفقر. فهناك أسئلة تطرح سلفاً تجاه من لديه القدرات المالية لتكليف محامين، أو الدفاع عن حقوقه أمام شركات التأمين التي تواجه مدفوعات ضخمة، أو تأمين الانتقال ومساكن الإيواء المكلفة. وأولئك الذين لا تتاح لهم تلك الخيارات يبقون في عداد الضحايا الذين لا يسلط الضوء عليهم، إذ إن انعدام الأمان هو أيضاً من ضمن ظاهرة التفاوت.

في الوقت نفسه تلقي الفجوة الكبيرة في المساهمة بتغير المناخ بظلالها الثقيلة في الخلفية – إذ يتحمل أغنى واحد في المئة من سكان العالم مسؤولية أكبر عن أزمة المناخ مقارنة بـ66 في المئة من الأفقر، الذين لسخرية القدر هم أكثر من يعاني عواقب التغير المناخي، وفق تقرير من عام 2023.

ومع التهام الحرائق أحياءً بكاملها من لوس أنجليس، وإزاء ما يواجهه السكان من خسائر ومستقبل مبهم، فإن تعاطفنا الجماعي مع المتضررين يبقى أمراً بالغ الأهمية. وربما حينما تبدأ لوس أنجليس في عمليات تقييم الأضرار الفعلية، سيكون من المناسب التفكير بما نقدره حقاً.

لقد أسهم بعد النظر والتمويل المناسب في حال متحف "غيتي" في حماية الكنوز التي يضمها المركز من أي ضرر. ومستقبلاً مع وقوع مزيد من الكوارث بفعل التغير المناخي، فإن أولئك الذين يبحثون عن تاريخهم وإرثهم الخاص بين الأنقاض يستحقون أيضاً مزيداً من الحماية والتحصين. واليوم فيما تفكر لوس أنجليس بخطواتها التالية، فإن تحسين الحوكمة، والتوزيع العادل للمساعدات، وإمكان الوصول إلى التأمين والحماية، ومنح الأولوية لقضايا الكوكب، تشكل جميعها أساساً جيداً للانطلاق.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات