"بنت" لـ إدنا أوبراين: رواية قاسية عن طالبات اختطفتهن "بوكو حرام"

عمل مذهل من التعاطف المتخيل من جانب أوبراين، والمبني على رحلات بحثية إلى نيجيريا ومقابلات ميدانية مع الأشخاص المعنيين

غلاف رواية "بنت" عن سبي حركة بوكو حرام شابات في مقتبل العمر (ماكميللن.كوم)

ذاع صيت إدنا أوبراين في مرحلة الستينيات من القرن الماضي عندما أصدرت ثلاثية "بنات البلد" التي حُظرت في مسقط رأسها إيرلندا بسبب تصويرها للحياة الجنسية للنساء الشابات، وفي 2012، أصدرت مذكراتها الشهيرة، "بنت البلد". لكن ومع أن أحدث رواية للمؤلفة البالغة من العمر 88 عاماً تحمل اسم "بنت"، إلا أن موضوعها يأتي من عالم مختلف تماماً وبعيد عن تجربة الكاتبة الخاصة: هذه هي القصة المتخيلة لواحدة من تلميذات المدارس في نيجيريا اللواتي اختطفتهن حركة "بوكو حرام" في 2014.

وفي الحقيقة، موضوع الكتاب هو عن ضياع الطفولة، كما ورد بكل وضوح في السطر الافتتاحي للكتاب الذي يقول بكل قسوة: "لقد كنت بنتاً ذات مرة، لكن ليس بعد الآن". وقلب [القارئ] يتحطم مراراً وتكراراً: إنه كتاب مدمر عن الرعب وسوء الحظ والظلم الذين يتراكمون فوق كاهل بطلة العمل إلى حد تبدو معه القراءة تعصى التحمل، ثم تتذكر عدد الفتيات المراهقات الفعليات اللواتي اضطررن لتحمل ما هو أسوأ. ومع ذلك يروى كل هذا باقتضاب، من دون تعاطف ولا إثارة للعواطف على الإطلاق.

وتحكي أوبراين قصة مريم، التي اقتادها الإرهابيون إلى معسكرات وحشية، حيث اغتُصبت مراراً وزُوجت وتُركت حبلى. ولكنها تمكنت من الفرار، وتواجه رحلة من العذاب عبر الغابات والصحراء مع طفل تخشى أنها لن تتمكن من الاعتناء به. وبمجرد وصولها مرة أخرى إلى بر الأمان، على الرغم من أن صدمتها تفوق الخيال، تُستغل مريم سياسياً كرمز لنجاح البلاد في مكافحة "بوكو حرام". ولكن في الواقع، لا يمكن وصف وضعها بالهانئ أبداً: إنجاب طفل حملت به من العدو يعني عودة يكتنفها الخزي والعار إلى ديارها وأهلها. فمحنتها لم تنتهِ بعد.

ورواية "البنت" هي عمل مذهل من التعاطف الخيالي من جانب أوبراين، وهو يستند إلى رحلات بحثية إلى نيجيريا ومقابلات مع المعنيين على أرض الواقع ومع عدد كبير من تلميذات مدرسة "شيبوك" أنفسهن. واستبقت أوبراين انتقادات مفادها أن هذه ليست قصتها كي ترويها، فأدلت برد مُفحم في أحد اللقاءات قائلة "أنا لا أؤيد هذا الشكل المراوغ من الرقابة ... العالم بأشد الحاجة لرواية مثل هذه القصص". وهذا ما لا شك فيه، وخصوصاً إذا استخلصت الرواية بهذه الدرجة من العناية والاحترام الكبيرين، وعلى يدي موهبة كهذه. والأهم، يشعر القارئ أن أوبراين مدفوعة لسرد هذه القصة ليس من أجل التباهي بتلك الموهبة، ولكن من أجل النساء اللواتي لا يسمع صوتهن في أغلب الأحيان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 وعلى أية حال، هناك مراوغات في طريقة تناولها للحكاية. وربما من الحكمة أن أوبراين لا تحاول صياغة أي صوت نيجيري محلي وشاب، لكن على الرغم من ذلك، أفلتت منها بعض العبارات بلغة إنكليزية الطابع بامتياز وبأسلوب تقليدي. والفتيات اللواتي حُذرن من "القيل والقال"، يصفن أنفسهن بأنهن "بريئات وضحايا"، وأخذن يتأرجحن "هنا ومن هناك" في شاحنة - وهو الأمر الذي قد يجعلنا نبتعد عن حكاية مريم. وباستخدام أسلوب الراوي البطل، تتنقل رواية "البنت" أيضاً، سطراً تلو الآخر، من صيغة الحاضر إلى الزمن الماضي: مثلاً "كانت صعقات البرق تتوالى وكل الفناء كان عبارة عن شرارة من الألوان". تتحكم أوبراين بهذا السرد بسلاسة غريبة، فتتراكم طبقات ما ترويه وكأنه تداعٍ اللاوعي، وهذا الأسلوب يتناسب بالطبع مع هذه القصة عن النزوح والدمار الخاطفين.

 وتصوّر أوبراين أيضاً - حتى مع أسلوبها المقيد – الانعطاف الى هلوسة في الإدراك التي تنشأ عندما يُدفع البشر إلى اقصى الحدود. ومثلاً تصف شعر زوجة غير مخلصة تدفن تحت التراب حتى عنقها ثم تُرجم حتى الموت، وبعد كل ذلك بدا "شعرها مليئاً بالحيوية". عوقب تعرضها للاغتصاب الجماعي، تعلن إحدى الشابات أنها إذا كانت حبلى، "فإن طفلها سيكون بنتاً، وستسميه يسوع. وسيكون يسوع سيدة". ويبدو أن حتى الطبيعة تنقلب ضدهن وهن يمتن من العطش تحت "سماء أجنبية ... خبيثة" ... كنا بين الحياة والموت وكنا ندرك ذلك".  

وفي بدايات الكتاب، على وجه الخصوص، هناك تفاصيل مؤلمة جداً: تشعرمريم وكأن "فتحتي أنفي قد انشطرتا على وقع ضرب مقدمة البندقية أنفي" بينما تقاوم الاغتصاب. في وقت لاحق، أمر رجل آخر كان يغتصبها أصدقاءه بتصوير الاعتداء على هواتفهم "كان يبتعد في بعض اللحظات كي يسمح للكاميرا بالتصوير". وليست قراءة "بنت" يسيرة، ولا ينبغي أن تكون سهلة.

ولكن هناك لحظات أيضاً من الملذات الصغيرة المذهلة والتي يتم التمسك بها. مثلاً، غروب الشمس الشبيه بـ "كرة من النحاس والسماء مزينة بشرائط قرمزية تمتد في كل الاتجاهات... من أجلنا نحن"، أو الصوت "السعيد والموسيقي" لنهر نظيف يتدفق؛ لمسة سيدة تؤذن ببدء علاقة صداقة. والأهم من ذلك كله، حب مريم الشرس لطفلها، والذي يبدو في نهاية المطاف بارقة أمل في حكاية يائسة.

صدر كتاب "بنت" للمؤلفة إدنا أوبراين عن دار فيبر للنشر ويباع بسعر 16.99 جنيهاً إسترلينياً.

© The Independent

المزيد من كتب