رئاسيات الجزائر بمن حضر... والشارع يعيش صدمة بانتظار ردة الفعل

يتوقع البعض توجه السلطة إلى إصدار تعليمات بمنع التظاهر استعداداً للحملة الانتخابية

يعيش الشارع الجزائري على وقع صدمة، عقب ضبط السلطة الحاكمة، أجندتها الزمنية لانتخابات رئاسية تقرّر إجراؤها في 12 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وكأنّ كل الطرق ستؤدي إلى الاقتراع هذه المرة، عملاً بمنطق سياسة الأمر الواقع. ويتوقع البعض توجه السلطة إلى إصدار تعليمات بمنع التظاهر استعداداً للحملة الانتخابية، ما يعني عودة آلاف الجزائريين إلى بيوتهم مجبرين بعد 7 أشهر قضوها في الساحات والشوارع.

هل عاد اليأس؟

وفق ما رصدته "اندبندنت عربية"، تسلّل نوع من اليأس والإحباط إلى نفوس شريحة من الجزائريين بمجرد الإعلان عن موعد الاقتراع الرئاسي، أوّلاً لغياب ظروف إجرائها وثانياً لأنهم كانوا يأملون في تحقيق مكاسب أخرى من خلال انتفاضة 22 فبرايرالماضي، أهمها احترام الإرادة الشعبية، عن طريق رحيل حكومة رئيس الوزراء نور الدين بدوي وإطلاق سراح سجناء الحراك ووقف التضييقات على الإعلام، الذي يعاني انغلاقاً مخيفاً، لم تشهده البلاد حتى في زمن الأحادية الحزبية.

في شارع حسيبة بن بوعلي بالعاصمة الجزائرية، يعبّر أحد التجار الذين التقتهم "اندبندنت عربية" عن حزنه لعدم فهم السلطة رسائل الملايين من الجزائريين، غالبيتهم من الشباب، ورغبتهم في تغيير الأوضاع.

 ويقول "حقيقة عندما شاهدت عبد القادر بن صالح وهو يُعلن عن تاريخ الرئاسيات، في اليوم ذاته الذي جرى فيه إيداع 22 متظاهراً الحبس، انتابني القلق، ولم أجد سوى علبة السجائر لأفرغ فيها ما بداخلي".

 "الاسم الذي سيخلف بوتفليقة معلوم ونحن نحرق في أعصابنا فقط"، هكذا تفاعل صاحب سيارة أجرة، وهو يُناقش توجه السلطة السريع نحو الرئاسيات، مع زبون كان يجلس إلى جانبه في المقعد الأمامي، قاطعاً شارع ديدوش مراد باتجاه ساحة الشهداء بقلب العاصمة، الشارع الذي يعج بآلاف المتظاهرين كل يوم جمعة للمطالبة بتغيير النظام واحترام الإرادة الشعبية.

التشويق يخيم

على الرغم من ذلك، قد يكون الحكم على الاقتراع الرئاسي في الجزائر، سابقاً لأوانه في نظر البعض، لأن الحراك الشعبي الذي تحوّل إلى رأي عام يحسب له ألف حساب، لم يقل كلمته بعد، وهو مقبل على تنظيم مسيرته الـ 31 يوم الجمعة المقبل، وفق تعبير الطالب عمر، الذي يوضح "في الرابع من شهر يوليو (تموز) الماضي، حاولت السلطة فرض انتخابات رئاسية، لكنها فشلت وأجّلت لأن الشعب رفضها، ليس لأنه لا يريد انتخاب رئيس جديد أو يقف عائقاً ضد استقرار البلد سياسياً، بل لأن الظروف ليست مهيأة وليست هناك إرادة حقيقية لتغيير النظام وممارساته القديمة".

 وإن كان الرفض الشعبي لانتخابات الأمر الواقع مستمراً، أثار التزام الطبقة السياسية الصمت حيال قرار استدعاء الناخبين يوم 12 ديسمبر (كانون الأول) الحيرة، إذ لم تعلّق ولا تشكيلة حزبية من المعارضة بمختلف توجهاتها عن موقفها، على الأقل لحد اللحظة.

ويرجع مراقبون تريّث الأحزاب في الإعلان عن مواقفها في الآونة الأخيرة، إلى حذرها أو تخوفها من عواقب معارضة قيادة أركان الجيش، التي تدفع بكل قوة باتجاه مسار الانتخابات الرئاسية، وقد يكون هذا التخوف مرتبطاً بأحد خطابات الفريق أحمد قايد صالح الذي هدّد بكشف ما أسماه "تآمر بعض الأحزاب ضد الوطن والشعب"، وتشديده على حيازة قيادة الأركان "لمعلومات مؤكدة ستُكشف في الوقت المناسب".

وحملت كلمة قايد صالح تهديداً صريحاً عندما قال "وإذ نؤكد على أننا لسنا ضد حرية التعبير واختلاف الآراء البناءة، وأننا ضد سياسة الإقصاء والتهميش، فإننا في الجيش الوطني الشعبي نؤكد أيضاً أننا لن نسكت على محاولات عرقلة عمل مؤسسات الدولة وسنتصدى بكل صرامة، انطلاقاً من مهامنا وصلاحياتنا الدستورية، لهذه المحاولات التي ترمي إلى إطالة عمر الأزمة وعرقلة المسار التنموي للوطن..."، مشدداً على "مساعي المؤسسة العسكرية المصممة على الذهاب إلى الانتخابات وإجرائها في وقتها، أحب من أحب وكره من كره، ومهما كانت العقبات والتضحيات".

استدعاء الهيئة الناخبة

في سياق متصل، يقول الكاتب الجزائري نجيب بلحيمر لـ"اندبندنت عربية" إن "استدعاء الهيئة الناخبة كان متوقعاً لأنه تم فعلياً من قبل رئيس الأركان في خطابه الذي ألقاه في الثاني من الشهر الحالي، حين اعتبر أنه من الأجدر استدعاء الهيئة الناخبة يوم 15 من الشهر ذاته، أي ما حدث فعلاً".

ويُضيف "يبدو واضحاً أن السلطة أرادت أن تفرض تاريخاً للانتخابات وعبره، تحاول فرض واقع جديد، وهي تأمل من خلال ذلك في تقسيم الشارع وإنهاء المظاهرات، بخاصة إذا أعلنت الأحزاب مشاركتها".

ويؤكد أن "رد فعل الشارع، سنعرفه خلال الأيام المقبلة، والاتجاه العام سيكون نحو استمرار الاحتجاجات، خصوصاً أن طريقة الإعلان عن الانتخابات، وتمرير تعديل قانون الانتخابات والقانون الخاص بإنشاء السلطة الوطنية لتنظيم الانتخابات، والتركيبة البشرية لهذه السلطة، كلّها أثارت ردود فعل سلبية، وإذا أضيفت إليها حملات الاعتقال في صفوف المحتجين، واستمرار التضييق على الحريات، فإن كل شروط رفض الشارع للانتخابات تكون متوفرة".

في السياق ذاته، لا يستبعد الناشط الحقوقي عبد الغني بادي توجه النظام لاستعمال سياسة التخويف، منبهاً إلى أنّه شرع بالاعتقالات في صفوف المتظاهرين، وسيرفع من حدته، متوقعاً إصدار النظام تعليمات بمنع الاحتشاد مع بداية الحملة الانتخابية".

وفي إطار ردود أفعال المواطنين في الشارع الجزائري، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، دوّن الكاتب محمد هناد "لا لانتخابات رئاسية مفروضة"، متوجهاً إلى أعضاء القيادة العليا للجيش "القرار الذي اتخذتموه بصورة متسرعة وانفرادية بشأن إجراء انتخابات رئاسية قبل نهاية السنة الحالية من دون حصول أي توافق وطني وبحجة مطلب شعبي ملح مزعوم، إنما هو مغامرة مجهولة العواقب، قد تكلّف البلد غالياً".

في المقابل، سألت الإعلامية الجزائرية فتيحة بوروينة في تدوينة لها "هل يعلم بن صالح أن العرس الذي دعا الجزائريين إلى حضوره كضيوف، سيرقص فيه وحده"، مضيفةً "نعم، الانتخابات هدف استراتيجي وحلٌّ ديمقراطي وحيد ليجدد النظام جلده ونفسَه طبعاً".

موت النظام

وكتب الأستاذ الجامعي رضوان بوجعة "النظام مات واليوم أثبت مرة أخرى أنه غير قادر على تشكيل أية شبكة خارج شبكاته التي تحركها الرداءة والفساد والطمع".

وتابع "جمهورية مصلحة الاستعجالات. في ثلاثة أيام، مصادقة وتوقيع على قانونين وبداية التطبيق، مع خطاب في الثامنة"، في إشارة إلى إقرار السلطة قوانين الانتخابات واستدعاء الهيئة الناخبة من طرف عبد القادر بن صالح. 

يُذكر أن السلطات الجزائرية سرّعت خلال الأيام الأخيرة وتيرة إعداد النصوص الخاصة بالانتخابات، بعد دعوة قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح مطلع سبتمبر(أيلول) الجاري إلى ضرورة تنظيم الرئاسية قبل نهاية العام، وجاء الإعلان عن الموعد الرئاسي بعد ساعات من تنصيب السلطة الوطنية المستقلة لتنظيم الانتخابات، المكونة من 50 عضواً وانتخاب وزير العدل الأسبق محمد شرفي، رئيساً لها.

وبشكل سريع، أعلنت جبهة المستقبل في الجزائر، ترشيح رئيسها الستيني عبد العزيز بلعيد للاستحقاق الانتخابي، نهاية الأسبوع المقبل.

 وهذه المرة الثالثة التي يترشح فيها بلعيد للانتخابات، إذ سبق أن نافس بوتفليقة في رئاسيات 2014، وكان أصغر مرشح يومها، كما ترشّح إلى رئاسيات أبريل (نيسان) الماضي الملغاة، بعد الثورة الشعبية العارمة.

المزيد من العالم العربي