المحاور الخمسة لإسعاف الاقتصاد السوداني

تثبيت الأسعار وأزمة البطالة والتنمية المستدامة أبرز الملفات على طاولة حكومة حمدوك

فشل البشير في توفير حياة كريمة للسودانيين أدى إلى ثورة أسقطت نظامه (أ.ف.ب)

في أول تصريح للدكتور إبراهيم البدوي، وزير المالية والتخطيط الاقتصادي للحكومة الانتقالية بشّر الشعب السوداني بالبرنامج النهضوي الاقتصادي، وحدد خمسة محاور يقوم عليها البرنامج الإسعافي للاقتصاد خلال الـ200 يوم الأولى من عمر السلطة الانتقالية؛ أولا تثبيت الاقتصاد الكلي وإعادة هيكلة الموازنة ورفع الجُهد المالي، ثانيا إجراءات ناظمة لتكملة الأسواق وتثبيت الأسعار لتخفيف الضائقة المعيشية للشعب السوداني، ثالثا معالجة أزمة بطالة الشباب عن طريق برامج إسعافية مؤقتة وبرامج طويلة المدى، رابعا الانتقال من العون الإنساني إلى التنمية المستدامة في المناطق الثلاث (النيل الأزرق - جبال النوبة - دارفور) المساهمة في عملية بناء السلام، خامسا بناء القدرات  ومؤسسات إدارة الاقتصاد وتحضير الاقتصاد السوداني للانطلاق نحو القيمة المضافة والتصنيع خصوصا في مجال الثروة الحيوانية والحبوب الزيتية، والانتقال من دعم السلع إلى دعم الإنسان السوداني بصورة مباشرة لتمكينه وتحقيق أهداف التنمية المستدامة التي من بينها مكافحة الفقر. 

تثبيت الاقتصاد الكلي وإعادة هيكلة الموازنة

يعاني الاقتصاد السوداني فجوة كبيرة في ميزانه التجاري منذ سنوات طويلة، تبلغ الآن حوالي 5 مليارات دولار سنويا، حيث تبلغ القيمة الإجمالية للواردات سنويا 11 مليار دولار في مقابل صادرات بقيمة 6 مليار دولار، وتستهدف الحكومة معالجة هذا الخلل، إضافة إلى إعادة هيكلة الموازنة ومعالجة العجز فيها وتخصيص موارد إضافية للصرف على الصحة والتعليم. في السابق كان الصرف على الحرب والصرف السيادي من البنود التي ترهق الموازنة، ويساعد إتمام عملية السلام وإيقاف الحرب الحكومة في الاستفادة من الموارد التي كانت تهدر في ميزانيات الحرب والصرف الكبير على الأمن والدفاع، أيضا تقليل الإنفاق على القطاع السيادي بعد إعادة تشكيل مجلس السيادة سيوفر للحكومة موارد إضافية يمكن تخصيصها، مثلا في آخر موازنة لحكومة المخلوع البشير استحوذ قطاع الأمن والدفاع والشرطة والقطاع السيادي على 88٪ من تقديرات الإنفاق في موازنة 2018 في المقابل كان نصيب قطاعات الصحة والتعليم والزراعة والصناعة مجتمعة 5.2٪.

تثبيت الأسعار وتخفيف أعباء المعيشة

هذا المحور مهم جدا ويرتبط بالاحتياجات المعيشية للمواطنين الذين يكتوون بالارتفاع المستمر للأسعار، سياسة تثبيت الأسعار يقصد بها استهداف مجموعة من السلع الأساسية وتحديد السعر المناسب لها والاتفاق على تثبيت هذا السعر عبر منافذ البيع المختلفة لفترات زمنية محددة، هذه سياسة مجربة في عدد من الدول للسيطرة على تفلتات الأسعار، في السودان لنجاح هذه السياسة ضروري أن تتضافر جهود وزارة المالية وجمعية حماية المستهلك والتعاونيات ومراكز البيع المختلفة، وتطبيق سياسة تثبيت الأسعار تحتاج إلى آليات رقابة وأدوات تنفذ عبرها هذه السياسة، أيضا تستطيع الحُكومة الاتفاق مع المستوردين والمنتجين على تثبيت أسعار السلع المستهدفة لفترات زمنية متفق عليها إضافة إلى إقامة معارض موسمية خاصة لهذه السلع، ويمكن للحكومة أن تستعين بالتكنولوجيا وتتبنى مبادرات التجارة الإلكترونية المتخصصة لتوصيل المنتج بالمستهلك مباشرة عبر التطبيقات الذكية  للتخلص من الوسطاء الذين يضاربون في أسعار السلع الاستهلاكية، هذا التثبيت سيخفف من تضخم الأسعار، وبلغت آخر قراءة لمعدل التضخم في السودان 52.5٪ لشهر يوليو (تموز) 2019.

معالجة أزمة بطالة الشباب

نسبة بطالة الشباب في السودان 26.7٪ في العام 2018 حسب تقارير منظمة العمل الدولية، التي تعرف العاطل عن العمل'' بأنه الذي لا يعمل الآن ولديه الرغبة في العمل ويبحث بنشاط ليعمل''، ربما تكون هذه التقديرات غير دقيقة من واقع حال الشباب الذين لا يجدون عملا، هذا المحور أيضا من المحاور المهمة وحسب تصريحات وزير المالية والتخطيط الاقتصادي فإن لديهم خططا قصيرة وطويلة الأجل، بالتركيز على المشروعات الكبرى المرتبطة بموارد السودان المستدامة التي يمكن أن توفر مئات الآلاف من الوظائف المستمرة. بإصلاح التعليم الفني والتقني تتنوع فرص العمل وتساعد في النهضة عبر توفير عمالة فنية تقنية وسيطة، يمكن أيضا للحكومة أن تشرف وتنظم حاضنات ومسرعات الأعمال للشباب وتشجيعهم للانخراط في مجال ريادة الأعمال في المجالات التكنولوجية والإنتاجية بما يتناسب مع الفرص والموارد المستدامة في السودان، إضافة إلى فتح الفرص أمام الشباب للاستفادة من الاقتصاد التشاركي والاستغلال الأمثل للأصول، وضروري أن يتم تنظيم سوق العمل وتحديث القوانين، أخيرا في هذا المحور على الحكومة أن ترفع من كفاءة ومهارة الشباب بالتدريب والتطوير المستمر.

الانتقال من العون الإنساني إلى التنمية المستدامة في المناطق الثلاث

هذا المحور مهم جدا ويساعد في استدامة عملية السلام ومعالجة آثارها في المناطق الثلاث المتأثرة بشدة بالحرب (دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق). وكانت قضية إحلال السلام سببا في السابق في عدم استقرار فترات الانتقال في 1964 وفي 1985، حيث كانت يتم انتقال الديموقراطية دون إتمام عملية السلام، هذه المرة يبدو أن حكومة حمدوك تريد أن توقف الحرب وتتم عملية السلام، مناطق الحرب في السودان هي مناطق إنتاجية تحتاج إلى مشروعات تنموية تعالج عبرها قضية النازحين وتوفير فرص العمل وتمويل المشروعات الإنتاجية.

ويعاني السودان قضية مركزية لها شقان سياسي وتنموي، ترتبط بـ'' نمط التنمية ونظام الحكم''، وخلال الست أشهر ستركز الحكومة على معالجة قضية السلام ومن ضمنها سيتم الاتفاق حول نظام الحكم وكذلك نمط التنمية، هنا يجب أن يرتبط نمط التخطيط التنموي الجديد مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة وفقا للاحتياجات الأساسية للمناطق المتأثرة بالحرب.

بناء القدرات وتحضير الاقتصاد للانطلاق نحو القيمة المضافة

هذا المحور يقوم على تنفيذ إعلان رئيس الوزراء الدكتور عبدالله حمدوك الذي قال ''السودان لن يصدر موارده كمواد خام بعد اليوم'،'  ببناء سلسلة القيمة المضافة للموارد الزراعية والحيوانية السودانية، إضافة إلى تحضير الاقتصاد السوداني للتحول الرقمي، معلوم أن السودان لديه ميزات تنافسية في المجال الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، مثلاينتج السودان 85٪ من الإنتاج العالمي من الصمغ العربي، ويستطيع عبر استراتيجية بناء سلسلة القيمة المضافة أن يبدأ في تصدير هذا المنتج الخام بعد معالجته وتحويله إلى بودرة رذاذية وغيرها من المنتجات يستطيع أن يرفع عائد الصادر من هذه السلعة الاستراتيجية المهمة، إضافة إلى أن إنتاج السودان من الحبوب الزيتية أيضا يمكن أن تكمل سلاسل القيمة المضافة وزيادة تصدير الزيوت النباتية والمنتجات الأخرى.

بالنسبة للشق الحيواني يمتلك السودان ثروة حيوانية هائلة تقدر بـ145 مليون رأس من الماشية، في إحدى مقابلات رئيس الوزراء الدكتور عبدالله حمدوك تطرق إلى أن السودان يفقد أربعة منتجات جراء تصدير الحيوانات الحية، ويقدر الدكتور اباذر حسن أن الفاقد السنوي لمخلفات الذبيح كاملة يقدر بـ 1.2 مليار دولار سنويا بسبب التصدير الحي للحيوانات السودانية، إضافة إلى إهدار المخلفات محليا لرداءة البنية التحتية وعدم حفظ المخلفات بطريقة صحيحة، في العام 2018 صدر السودان لحوما بـ66 مليون دولار بينما صدر حيوانات حية بـ765 مليون دولار، هذا يؤكد أيضا حجم الفاقد الكبير في هذا القطاع، ويقدر الدكتور هيثم عثمان مدير المركز القومي لتكنولوجيا الجلود أن السودان  يفقد 11 ضعف العائد جراء تصدير الجلود السودانية خام، ويتوقع الدكتور هيثم أن يوفر هذا القطاع أكثر من 100 ألف وظيفة بإعادة تأهيله وإكمال سلسلة القيمة المضافة في قطاع تصنيع الجلود.

إضافة إلى هذه المحاور ذكر وزير المالية والتخطيط الاقتصادي معالجة دعم السلع وتحويل ذلك إلى الدعم المباشر، قضية الدعم والتعامل معه من القضايا الساخنة، وترتبط بأسعار المحروقات والخبز وتؤثر مباشرة على المواطن، وأدى فشل النظام السابق في التعامل معها إلى سقوطه، بعد انفصال الجنوب وذهاب بتروله وفقدت الموازنة المورد الأكبر وعمدت إلى رفع الدعم عن المحروقات في 2013 ورفعت الدعم عن الدواء في 2016، وعليه فإن التعامل مع هذا الموضوع يحتاج إلى تدابير ضرورية، تبدأ بدراسة فنية عن مدى تأثير هذه الإجراءات على المواطن، ومعالجات الحكومة في تخفيف الآثار عليه، والدعم المباشر الذي ذكره الوزير يحتاج إلى تفصيل أكثر.

المزيد من رأي اقتصادي