انتحار الفتيات بلغ ذروته في بريطانيا في غفلة منها

آن الأوان لنعيد التفكير، إذ تتجاهل السياسية والنقاش الدائر حول الصحة العقلية في كثير من الأحيان التجارب والتحديات التي تواجه هذه الفئة تحديداً، على الرغم من التباينات بين أحوال الجنسين

"الصمت ليس دائماً من ذهب" شعار حملة الوقاية من الانتحار في بريطانيا (counselling.directory.org.uk)

مع تصدر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والاضطرابات السياسية الحالية عناوين الأخبار، لم تحز قدراً من الاهتمام الأرقام الجديدة التي تظهر ارتفاع معدلات الانتحار مجدداً بعدما كانت تتراجع طوال خمس سنوات.

ترسم الأرقام التي صدرت عن مكتب الإحصاء الوطني الأسبوع الماضي صورة تبعث على القلق. وتمثل كل حياة أُهدرت مأساةً لها عواقب مدمرة.

من بين هذه النتائج كانت الزيادة الصادمة في معدلات الانتحار بين الفتيات والشابات، التي ارتفعت نسبة 83 في المئة في ست سنوات، ووصلت الآن إلى أعلى مستوى مسجل على الإطلاق.

علينا اليوم، وبالتزامن مع اليوم العالمي للوقاية من الانتحار، أن نولي هذا الأمر الاهتمام العاجل والمُلح. ليس الانتحار فعلاً حتمياً، ولا غنى عن جبه السياسيين وموفري الخدمات وقع التباين الجندري وما تمر به الفتيات والشابات من تجارب.

في العام الماضي، أقدمت 188 شابة وفتاة ممن هن تحت سن الـ 25 على الانتحار في المملكة المتحدة. ويمثل هذا الرقم أكثر من ثلاث وفيات أسبوعياً بالمتوسط. وارتفع العدد الإجمالي 29 حالة عما كان عليه في العام السابق، و82 حالة منذ عام 2012. وهذا أمر غير مقبول.

والرجال أكثر عرضة للانتحار بثلاث مرات من النساء، وهو رقم مقلق يجب ألا نتغافل عنه. لكن من الواجب علينا أيضاً أن نضمن ألا يُنسى أمر الشابات والفتيات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأسباب الانتحار كثيرة ومعقدة، ولكن هذه الأرقام الأخيرة تعزز مجموعة قوية من الأدلة على وجود أزمة صحة عقلية ونفسية بين الشابات والبنات.

فالشابات والفتيات أكثر عرضة لمواجهة إحدى مشكلات الصحة العقلية- النفسية الشائعة مثل القلق أو الاكتئاب، وتظهر الأبحاث الحديثة أن مستويات إيذاء النفس ارتفعت بشكل كبير في أوساطهن. وقام خُمس الإناث في سن بين الـ16 والـ24 سنة بإيذاء أنفسهن، بينما تعاني امرأة من بين كل سبع من اضطراب ما بعد الصدمة.

صحيح أن السنوات الأخيرة شهدت اهتماماً سياسياً وإعلامياً وشعبياً مرحباً به بموضوع الصحة العقلية- النفسية، لكن السياسة والنقاش الدائر حول الصحة العقلية يتجاهلان في كثير من الأحيان التجارب والتحديات التي تواجه الفتيات والشابات على الرغم من التباين الواضح بين الجنسين والأزمة الحادة التي تواجه البنات.

وتشير أدلة متزايدة إلى أن هذا الرد غير مناسب.

وعندما يدور نقاش يأخذ الحاجات الخاصة للشابات والفتيات في الاعتبار، فإنه غالباً ما يكون بالغ التبسيط. وعلى الرغم من الاعتبار المصيب أن صورة الجسد والضغوط في المدرسة على أنهما تفسيرات محتملة لتدهور الصحة العقلية- النفسية، لكن الأسباب لا تقتصر على ذلك.

إذ لا يمكننا تحسين الصحة العقلية- النفسية لفتياتنا ما لم نبدأ بفهم أن الجندر هو جزء من المسألة، مع الحاجة إلى معالجة الأسباب الجذرية مثل العنف والإساءة والتمييز والفقر.

ولا يمكننا التغافل عن أن أكثر من نصف النساء اللائي يعانين من مشكلة في الصحة العقلية- النفسية قد تعرضن لسوء المعاملة، وأن الاعتداء بدأ في مرحلة الطفولة بين ربع تلك النساء، وأن الشابات هن الأكثر عرضة لخطر الاعتداء المنزلي وأن أكثر من نصف المراهقات قد اختبرن شكلاً من أشكال سوء المعاملة. وحري بنا أن نتحدى تلك الثقافة التي تعتبر العنف ضد الفتيات والشابات وسوء معاملتهن أمراً طبيعياً.

وما إن تقع المشاكل تُترك النساء والفتيات دورياً لمصيرهن في جبهها، مع تدهور أحوال كثيرات منهن قبل أن يتمكّن من الحصول على العون. وإذا حصلن على المساعدة، فهي ليست دائماً ما يحتجن إليه بالضبط. وكانت رابطة "أجندة"  Agenda المهتمة بشؤون النساء والفتيات المعرضات للخطر، قد نشرت بحثاً كشف أن عدداً من خدمات الصحة العقلية- النفسية تفتقر إلى التجهيزات اللازمة لدعم الناجيات من الصدمات، مع نسبة مرعبة لاستخدام التقييد كوسيلة للعلاج، وأن الفتيات عرضة للتقييد وهن منبطحات ووجوههن إلى الأسفل أكثر من الفتيان في تلك الخدمات. ولا بد من الإشارة إلى أن التقييد قد يتسبب في انبعاث الصدمة. إضافة إلى ذلك، أكد التقرير الصادر عن لجنة جودة الرعاية العام الماضي أن مستشفياتنا قد لا تكون مكاناً آمناً بالنسبة للنساء، مع وقوع 1120 "حادثة متعلقة بالأمان الجنسي" خلال ثلاثة أشهر فقط.

وآن الأوان لنعيد التفكير. يجب أن نتصدى للعوامل الاجتماعية والثقافية التي تترك الفتيات عرضة للصدمات- من الفقر والتحيز الجنسي إلى العنف وسوء المعاملة- وأن نستثمر في الخدمات التي تحتسب مكانة الصدمات النفسية لدى الفتيات والشابات وأن نتذكر الدور الحيوي الذي يلعبه السياسيون في تحديد التوجهات ورفع التوقعات.

وفي العام الماضي، شهدنا مؤشرات على تحسن الأمور مع إنشاء فرقة عمل معنية بالصحة العقلية للمرأة في وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية، والتي سلطت الضوء على تأثير التباين الجندري. وهذه هي الخطوات الأولى فقط على طريق ما لا يزال سياسة تتعامى عن عامل النوع الاجتماعي، مع ما ينجم عنها من نتائج مأسوية. 

جمايما أولخافسكي هي الرئيسة التنفيذية لـ "أجندة"، وهي رابطة تهتم بشؤون النساء والفتيات المعرضات للخطر، وتعمل من أجل ضمان توفير الدعم والحماية الضروريين للنساء والفتيات اللائي يواجهن سوء المعاملة والفقر وضعف الصحة العقلية والإدمان والتشرد.

© The Independent

المزيد من صحة