اللجوء إلى الطب البديل بعد جنون أسعار الدواء السوري وفقدانه

ترك الأدوية دفع سوريين نحو الأعشاب... والصيادلة لا يرفعون الأسعار رغم زيادة الكلفة

متجر لبيع أنواع من أدوية الطب البديل والأعشاب (اندبندنت عربية)

ليس غريباً أن يلجأ السوريون إلى محال التداوي بالأعشاب، والطب البديل بعدما نال ارتفاع أسعار الدواء السوري المنتج كيميائياً من الجيوب المنهكة للمرضى، وصلت لأضعاف مضاعفة من سعرها الحقيقي "زاد في الطنبور نغماً" ارتفاع العملات الصعبة أمام الليرة السورية.

عالم البزورية

تصدمك روائح زكية تفوح من متاجر العطارة المتموضعة بدمشق القديمة، عبر سوق "البزورية" الممتد جنوب الجامع الأموي. تختلط نكهات الزعتر والتوابل بكل أنواع الزهورات الشامية وصابون الغار الحلبي مع كم من ألوان الأعشاب اليابسة والمتناثرة في حوانيت متشابهة الشكل والمضمون متناغمة مع حجارة المدينة القديمة المغرقة بالقدم.

تصطف العقاقير في إحدى محال العطارة تتقاسم الرفوف القديمة في متجر يعمل فيه الستيني "جميل شكور"، يوحي شعره الأبيض أنه أمضى دهراً مع كل تلك التحف العشبية التي تحمل مئات وآلاف المسميات.

وعلى الرغم من العقود الخمسة التي عمل بها ومنذ صغره وإمساكه أسرار الصنعة إلا أنه يرى طب الأعشاب بحراً واسعاً ما زالت اكتشافات فوائده لا تتوقف ولا نهاية لها.

العم جميل العطار لا يخفي تزايد الطلب على أصناف من الأعشاب في متجره، ويقول "يشتري الزبائن من متجري الأعشاب ذات الفوائد الطبية مجدداً ومن أصحاب المتاجر الأخرى من العطارين زاد عندها الطلب في الآونة الأخيرة".

لا يعلم العطار مردّ إقبال الناس على الأعشاب بعدما هجروها في أوساط القرن الماضي، لكنه يعلم جيداً أن الأسعار التي يشتري بها زوار محله زهيدةً، ارتفعت بشكل طفيف أمام الارتفاع الجنوني لأسعار الدواء في الصيدليات.

تقليل الدواء

في المقابل، يستغني السوريون ممَن لا يملكون أثمان الأدوية المرتفعة عن الدواء الكيميائي. لا خيار لديهم إلا الوصول إلى أقرب محل عطارة لأخذ كمشة من أعشاب "الزهورات" لوقف أوجاع "المعدة أو الرئة والرشح والزكام وغيرها"، بدلاً من أن يدفع مبلغاً مضاعفاً لعدد قليل من الحبوب المسكنة للآلام.

ويأخذ مريض يشعر بألم بأسنانه "أوقية" (200 غرام) من عشبة "القرنفل" كونها مسكنة لآلام الأسنان.

وتتنوع معالجات الطب البديل في علاج أمراض عدة التي حولها المعالجون إلى مراهم علاجية ولك أن تشاهد عند محال بعيداً من أسواق العطارين معالِجين يعتمدون على الأعشاب والطب البديل منها لعلاج الشيب واللاشمانيا وعلاج تساقط الشعر وعلاج "حَب الشباب" ومعالجات تجميلية أخرى.

امتعاض الناس من ارتفاع أسعار الدواء لا فائدة منه يقابلون ذلك بالاتجاه نحو الطب البديل، وفي محل للعطارة لا تنصرف سيدة إلا ومعها كيس مليء بالأعشاب، تلوّح به واصفة إياه بـ "صيدلية البيت"، وتردف قائلةً "مع كل شرائي لعبوات الدواء من الصيدلية يقول لي الصيدلاني إن الدواء ارتفع يا خالة، أسأله لماذا؟! يجيبني أن الدولار مرتفع وعليّ أن أرفع السعر، أواجه ذلك بالتقليل من كمية الدواء، أنا امرأة ليست لدي الإمكانية المالية لدفع هذه المبالغ المرتفعة".

ارتفاع لا يتوقف

في غضون ذلك، يبرر الصيادلة هذه الارتفاعات المتوالية بأنها تسعيرة رسمية من الجهات الدوائية، ويردون ذلك إلى ارتفاع سعر الدولار الذي وصل إلى 640 ليرة سورية مقابل الدولار الأميركي وهذا يكبد الدواء المصنّع كلفةً إضافية لأن شراء المواد الأولية بالعملة الأجنبية.

زيادة كبيرة وصلت إلى نسبة 15 في المئة للدواء المستورد إضافة إلى زيادة كبيرة قبل سنوات وارتفاعات طفيفة بالأسعار، تبرير يجده الصيدلاني، الدكتور مصطفى العدل منطقياً أمام سعر الدواء قبل عام 2011 وبداية الحرب، وخروج عشرات معامل الأدوية من الخدمة.

إلقاء اللوم

في الجهة ذاتها يرى الصيدلاني العدل أن هذه الارتفاعات ليست لمصلحة الطبيب "المرضى أو الزبائن يمتعضون من ارتفاع الدواء ويرمون باللوم علينا في وقت نحن نريد أن تبقى الأسعار ثابتة ولا ترتفع لأنه زيادة بالتكاليف علينا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع زيادة أسعار الدواء المستورد أخيراً والزيادات التي تتلاحق منذ عام 2015 على أسعار الدواء المصنعة ترغب نقابة الصيادلة في توفير الدواء الوطني الرخيص بالثمن وجيد الفعالية.

وأعلنت النقابة في وقت سابق أن سوريا كانت تغطي حاجة سوقها المحلية بنسبة 93 في المئة مع 70 معملاً وطنياً لإنتاج الدواء، خرج في فترة الحرب 24 معملاً منها من الخدمة.

وتجد النقابة نفسها مضطرة إلى تعديل الأسعار وكانت في أوجها في العام 2017 حيث ارتفع ثمن الدواء في موازاة تعديل شمل بعض أسعار الأدوية القديمة ومساواتها مع الأدوية الجديدة بالنسبة إلى التسعيرة، وعلى هذه الطريقة أخذت التبدلات تطرأ مع كل زيادة جديدة.

وبعيداً من الصيدليات ذكرتنا عودة متاجر العطارة إلى الواجهة بالدواء الطبيعي، على الرغم من تحذيرات الأطباء بضرورة الاستفسار ومراجعة الاختصاصيين، فيما الفقراء لا يأبهون بتلك النصائح لأن تكاليف مراجعة الطبيب هي أيضاً حلقت صعوداً مع ارتفاع الدولار والأسعار في بلد يرزح تحت نير حرب اقتصادية لا تتوقف.