Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عندما يحول الأميركيون الحديث عن رائعة فيكتور هوغو إلى حديث عن الأرقام

رواية "البؤساء" في نظرة جانبية غير معهودة تحاول أن تقلب تاريخها رأساً على عقب

رواية "البؤساء" جعلت مؤلفها فيكتور هوغو الأديب الأكبر في تاريخ فرنسا (غيتي)

ملخص

الرسالة التي تلقنها الرواية لقرائها هي أن البؤس في جذور كل الشرور والمساوئ، ومن ثم في جذور كل الجرائم التي تقترف

هي بالنسبة إلى الفرنسيين ومنذ ما يزيد على قرن ونصف القرن روايتهم "القومية" الكبرى والعمل الأدبي الذي جعل من مؤلفها فيكتور هوغو الأديب الأكبر في تاريخهم، وهي بالتأكيد جزء أساس ليس من تاريخ فرنسا الأدبي وحسب، بل من التاريخ الفرنسي نفسه.

ومن هنا نعرف أنهم لا يستسيغون أي مس بها أو أي حرف لها عن التاريخ "المقدس" الذي أحاط بها دائماً، ومع ذلك قبل سنوات حين صدر كتاب أميركي يتناول تاريخ "البؤساء"، وتحديداً لمناسبة المغناة التي قدمتها برودواي اقتباساً من رواية هوغو الكبرى، كان تهليل الفرنسيين كبيراً، ورأوا في الكتاب إطلالة على تاريخ تلك الرواية لم يأخذوه بعين الاعتبار في السابق، وحديث الأرقام أدهشهم، حتى وإن كان معظمهم يعرف أن ليس ثمة ما هو جديد حقاً في ذلك الحديث، ومع ذلك طغى الفرح عليهم طالما أن الأميركيين هم من يعلن ذلك الآن، ولأن مناسبة ذلك الإعلان أميركية خالصة ترتبط بالمغناة وكذلك بالفيلم الهوليوودي الذي واكبها.

روايات لرواية واحدة

الحقيقة أن تلك الخطوة الأميركية كانت لافتة حقاً، إذ حتى وإن جمعت معلومات مدهشة في تواكب أعطى الرواية نفسها معاني جديدة لم تكن لتخطر في البال، فإن كون أهل الأرقام القياسية، الأميركيين طبعاً هم الذين يتناولونها هذه المرة، حمل كل المعاني مجتمعة.

كان الفرنسيون يعرفون دائماً أن "البؤساء" واحدة من أضخم الروايات الحاضرة في كل مكتبة وبيت، وليس في فرنسا وحدها، وأنها تقع في أكثر من 1500 صفحة يتوزع عليها عدد كبير من الكلمات لا يقل عن 630 ألف كلمة، فإن قلة منهم فقط كانت تعرف أن "قاموس الرواية" يتألف من 20 ألف مدخل، أي ما يعادل قاموس مداخل لغة شكسبير الموزعة على كل مسرحياته ويزيد 10 أضعاف عن قاموس مسرحيات جان راسين.

هذا كله يبقى عند مستوى الشكليات، والأهم منه كما يفيدنا الكتاب الأميركي وعنوانه "رواية العصر: مغامرة البؤساء الاستثنائية"، وهو من تأليف متخصص أميركي في الأدب الفرنسي يدعى ديفيد بيللوس، يكمن في مكان آخر، في عدد من الوقائع التاريخية، وأبرزها أن كتابة تلك الرواية شغلت مؤلفها ما لا يقل عن 17 سنة، وأن تنقيحها اللغوي ومراجعتها احتاجا إلى جهود متضافرة بذلها أربعة منقحين عملوا ليلاً نهاراً بجهد استثنائي طوال ثمانية أشهر.

ولما كان هوغو مقيماً حين أنجز كتابة "البؤساء" في منفاه الاختياري بجزيرة جيرزي الواقعة بين فرنسا وإنجلترا، وكان من المحتم أن تتحرك البروفات طوال الوقت بين باريس وجيرزي مروراً بساوثامبتون في الجنوب الإنجليزي كان كل انتقال لتلك البروفات يحتاج إلى سفر مدته 10 أيام ذهاباً وإياباً، ومن هنا، يقول الكتاب، من المؤكد أن تلك الحكاية نفسها يمكن أن تكون موضوعاً لروايات عديدة.

سوابق وغرائب

لكن، ولا حتى هذا، كان كل شيء، فإلى ذلك كله كان ثمة عدد كبير من السوابق تتعلق بجوانب غير متوقعة من حكاية هذه الرواية، وهي جوانب يستعرضها الكتاب على النحو التالي، فالرواية كانت الأولى في تاريخ النشر الفرنسي التي يطبق عليها قانون حقوق ملكية الترجمة ذلك القانون الذي كان قد ولد لتوه، وكانت العقود المتعلقة بتمويل نشرها أول عقود من ذلك النوع توقع مع الممول، وهو مصرف أعمال قدم مقابل حقوق نشر الرواية ما يمكن اعتباره أضخم مبلغ ناله مؤلف على عمل من كتابته في تاريخ هذا النوع، وهو ما يساوي ثلاثة ملايين يورو (3.3 مليون دولار) بعملة اليوم مقابل حق حصري لثمانية أعوام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإلى ذلك، جرت حملة إطلاق عالمية للرواية كانت الأولى من نوعها في التاريخ شمل إطلاقها في موعد موحد في ثمانٍ من عواصم العالم معاً، وكذلك طلبت مكتبة ضخمة في نيويورك يومها أكبر كمية من النسخ لأية رواية من الروايات في شحنة بحرية واحدة.

ومن باريس، حيث كانت أديل هوغو مقيمة بعيداً من زوجها الذي كان يرفض العودة للعاصمة الفرنسية طالما أن نابليون الثالث لا يزال حاكماً، راحت تدير عملية تسويق ونشر الرواية وسط حملة دعاية لا سابق لها في تاريخ الأدب الفرنسي، من ثم لا شك أن البيانات الصحافية التي راحت تتتابع أسبوعاً بعد أسبوع كانت فريدة من نوعها في تاريخ النشر الفرنسي.

رأس المال يحتفل بالبائسين

وإزاء كل تلك التجديدات لا يمكن أحداً أن يستغرب الشعبية التي باتت في ذلك الحين لرواية كان يعرفها ويعرف حولها كميات هائلة من التفاصيل عشرات ألوف الأشخاص قبل أن يشاهدوا أية نسخة منها، أو هذا في الأقل ما يؤكده اليوم هذا الكتاب الأميركي الذي يبدو في نهاية الأمر أشبه بمجموعة من الدروس في النشر والتسويق من المؤكد أنها لم تخطر في بال فيكتور هوغو وهو يكتب روايته. ولم يكن ليخطر في باله ما حدث حقاً في 15 مايو (أيار) من العام 1862، أي تحديداً يوم إطلاق الرواية في السوق الباريسية للمرة الأولى، ففي ذلك اليوم كانت باريس كلها تعرف أن ألوف النسخ من الرواية، وكان عنوانها لا يزال "ضروب البؤس" قبل أن يتحول إلى "البؤساء"، ستغزو الأسواق، ومن هنا تدافعوا وكل واحد منهم يريد أن يحصل قبل غيره على نسخته من الرواية، فاضطرت الشرطة إلى إغلاق طرق نهر السين المفضية إلى مكتبات الناشر بانيير صاحبة الحق الحصري في بيع النسخ.

كان من نتيجة ذلك أن ما من شخص في باريس إلا وأنفق نقوده لشراء نسخ الرواية واضطر مثلاً الكاتب غوستاف فلوبير وناشره إلى سحب رواية "سالامبو" من الأسواق فوراً وتأجيل إطلاقها بضعة أسابيع ريثما تستقر السوق، وفي الوقت نفسه كان هوغو يتسقط أخبار كتابه، ولكن من بروكسل التي انتقل إليها في ذلك اليوم بالذات ليحضر مأدبة إطلاق أقيمت على شرفه وشرف روايته، في صحبة 80 مدعواً قدم لكل واحد منهم 25 طبقاً من الطعام اللذيذ "أغنى وليمة على شرف بؤساء باريس".

دلالات ظاهرة

والطريف أن الكتاب الأميركي الجديد لم يفته أن يتوقف عند دلالات ظاهرة أن يحتفل الأثرياء ببؤس الفقراء، وهو ركز تحليله في هذا المضمار على شخصية جان فالجان نفسه، أي الشخصية المحورية في "البؤساء" والتي تبدو لنا هنا رمزاً لإفلات الفرد من بؤسه ومعاناته واحتفال الأدب بذلك.

وبالنسبة إلى الكاتب الأميركي لا شك "أن علينا أن نتحرى كل تلك الظاهر المرتبطة بالنجاح الكبير الذي حققته الرواية في تحولها إلى ظاهرة في ثراء تلك الشخصية تحديداً، شخصية جان فالجان وكونيتها، فهذه الشخصية تدعو القارئ وقبل أي شيء آخر إلى خوض لعبة التماهي فهو، أي فالجان، وبعد أن كان "خريج" المعتقل وابن البؤس الذي إنما قبض عليه بسبب سرقته لقمة من الخبز لا أكثر سيهرب مرة ومرتين مكتفياً بأن يعيش عيش البؤس حتى اللحظة التي تنبعث فيها حياته من جديد ليصبح اللص الدنيء نوعاً من قديس علماني متحولاً من عامل زراعي إلى رجل أعمال ناجح، إنه الإنسان الذي يريد كل إنسان اليوم أن يكونه، وأن ينجح من خلاله.

ولعل الرسالة الأساس التي تلقنها الرواية لقرائها هي أن البؤس نفسه هو في جذور كل الشرور والمساوئ، من ثم في جذور كل الجرائم التي تقترف، والغريب في الأمر كما يقول الكتاب هو أن الرأسمال المصرفي الكبير كان هو الذي لعب في نهاية الأمر، دوراً أساساً في إطلاق ظاهرة رواية "البؤساء" التي يكمن الدرس الأول الذي تعلمنا إياه، تحديداً في أن تراكم الديون هو الذي يخلق البؤس وما ينتج منه.

ونعرف على أية حال أن رساميل المصارف لا تدين في وجودها إلا لذلك التراكم، من ثم تبدو هنا غرابة إضافية من غرائب ظاهرة "البؤساء" كان لافتاً إلى أن كتاباً أميركياً كان أول آخذيها بعين الاعتبار.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة