Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اكتئاب الأعياد... لماذا يشعر البعض بالحزن في مواسم البهجة؟

الوحدة والحنين إلى الماضي وأخيراً الضغوط الاقتصادية والتأثر بالـ"سوشيال ميديا" أبرز الأسباب والنساء الأكثر عرضة

يصنف الخبراء اكتئاب الأعياد بأنه أحد اضطرابات المزاج وليس مرضاً نفسياً بالمعنى المتعارف عليه (أ ف ب)

ملخص

على رغم ارتباط الأعياد بالبهجة والسعادة، فإن هناك أشخاصاً تصيبهم حال من الحزن والاكتئاب خلال هذه الفترة لأسباب متعددة، ويصنف الخبراء "اكتئاب الأعياد" بأنه أحد أنواع اضطرابات المزاج التي تصاحب فترات معينة وليس مرضاً نفسياً بالمعنى المتعارف عليه

دائماً ما ترتبط الأعياد بأجواء السعادة والبهجة والاحتفالات والتجمعات، لكن بعضهم مع أيام العيد تنتابه حال معاكسة، ويغمره شعور بالحزن يمنعه من الاستمتاع أو التفاعل مع أجواء العيد، فظاهرة "كآبة الأعياد" أو ما يطلق عليه Holiday blues لا ترتبط بمجتمع معين، لكنها تنتشر في العالم كله مع اختلاف الأعياد.

تعددت الأسباب التي قد تدفع الناس إلى الشعور باكتئاب الأعياد من بينها الوحدة والغربة عن الأهل والأصدقاء سواء للدراسة أو العمل أو أية أسباب أخرى وفقدان بعض الأحبة، بالتالي شعور الشخص بأن العيد لم يعُد مثل السابق، والظروف الاقتصادية الضاغطة على قطاعات كبيرة من الناس التي لا تمكنهم من شراء حاجات العيد لأسرهم بالصورة المعتادة فيصاب الشخص بالإحباط والاكتئاب مع دخول العيد، وغيرها كثير من الأسباب التي تتعدد وتختلف باختلاف طبيعة الأشخاص وظروفهم ونمط حياتهم.

الاستسلام لهذه الحال قد يكون له أثر نفسي على الشخص يمتد معه أو يؤثر في عائلته ومحيطه، وهو بالطبع غير محبب وغير مطلوب خلال فترات من المفترض أن تتميز بأجواء من السعادة والفرحة، ولا تكون مثل باقي أيام السنة المليئة بالضغط والعمل والالتزامات التي لا تنتهي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا يصنف اكتئاب الأعياد على أنه مرض نفسي في عالم الطب النفسي، لكنه حال موقتة من الحزن أو الضغط يصنفها بعض الخبراء بأنها نوع من أنواع اضطرابات المزاج، تتواكب مع فترة الأعياد وتزول بزوالها مع عودة الحياة لطبيعتها وانشغال الناس بحياتهم اليومية العادية وأعمالهم ومشاغلهم المعتادة.

وضمن استطلاع أجرته الجمعية الأميركية لعلم النفس، ظهر أن 38 في المئة من الأشخاص يرتفع لديهم التوتر والضغط النفسي بصورة ملحوظة خلال فترة الأعياد،  وحدد المشاركون في الاستطلاع أسباباً لذلك، من بينها ضيق الوقت والضغوط المالية والالتزامات العائلية المكثفة والتسوق المكثف للمتطلبات والملابس والهدايا، وأظهر الاستطلاع أن النساء أكثر عرضة للتأثر بهذا الاكتئاب، إذ إنهن يتحمّلن على نحو أكبر الأعمال التنظيمية والمسؤوليات الاجتماعية التي تسبق الأعياد.

اكتئاب الإجازات

ويوضح أستاذ الطب النفسي في جامعة الأزهر محمد حمودة أن "هذا النوع من الاكتئاب يعرف بـ’اكتئاب الإجازات‘ عموماً، ويرتبط بالأعياد بصورة خاصة، باعتبار أن إجازات لأيام عدة متتالية تصاحبه، وهو معروف ومنتشر في العالم كله، ولا يرتبط بمجتمع محدد، ويطلق عليه  bluesبمعنى الحزن أو الشجن المرتبط بالمشاعر والذكريات، فحينما تبدأ الإجازة الإجبارية مع الأعياد يزداد شعور الناس بالوحدة، بخاصة لو كان مغترباً أو حتى يعيش في بلده وليست لديه روابط وثيقة بالعائلة والجميع منشغل، في الوقت نفسه يزداد حضور الشخص على المستوى العائلي في أيام الاستعداد للعيد بكل متطلباتها، مما قد يؤدي إلى زيادة المشاحنات بين الأزواج، فتنتج من ذلك زيادة التوتر وبعضهم يتندر على هذا الأمر ويطلق عليه ’مشاجرة العيد‘، معتبراً أنه شيء معتاد بين الأزواج خلال الإجازات الطويلة".

 

ويقول "ينصح بعدم الاستسلام لهذه الحال، فإذا كان الاكتئاب مرتبطاً بالوجود في منزل الأسرة وينتج منه تذكر فقد عزيز فالأفضل ألا يبقى الشخص في هذا المكان، ويمارس أنشطة أو يلتقي آخرين في مكان آخر أو يخطط للسفر إن أمكن حتى لا يؤدي بقاؤه الطويل في المنزل إلى استعادة ذكريات تؤثر في حاله النفسية، وهناك فئة في المجتمع تعمل في العيد، فيصاب بعض منهم بإحباط ويشعر وكأنه الوحيد من يعمل والجميع يحتفل، وبعضهم الآخر يكون لديه عمل أثناء العيد فلا يشعر لا بفرحة ولا بحزن ولا بأي شعور فهو يوم مثل باقي الأيام".

ويتابع حمودة أن "هذا النوع من الاكتئاب قد يمتد في بعض الأحيان لما بعد العيد وانتهاء الإجازة ليعرف حينها بـ’اكتئاب ما بعد الإجازات‘، إذ يعاني قطاع من الناس صعوبة شديدة في العودة لأجواء العمل والروتين الذي كان قائماً، ويحتاج إلى وقت للتكيف مع الوضع الذي كان قبل الإجازة، وهنا ينصح بأن اليوم الأخير في الإجازة لا بد من أن يحاول الشخص تهيئة نفسه للعودة للنظام السابق، فلا يخرج حتى ساعة متأخرة أو يبذل مجهوداً كبيراً، كي لا يصبح يوم العمل الأول بعد الإجازة أصعب".

لهذه الأسباب نكتئب في العيد

الاكتئاب أو الشعور بحال من الحزن غالباً ما يرتبط بالكبار، فالأطفال في الغالب يرتبط العيد لديهم بالأجواء المبهجة والملابس الجديدة وبمظاهر العيد حتى لو كان بأقل الإمكانات، لكن الكبار لديهم خبرات سابقة من الماضي قد تكون أحياناً هي سبب شعورهم بالاكتئاب، فيكون لديهم حنين لزمن مضى كانت الحياة أسهل والروابط أقوى، وكان العيد حينها رمزاً لكل ما هو جميل.

يقول شريف حسن (42 سنة، يعمل محاسباً في إحدى الشركات) "خلال طفولتي كان العيد أشبه بالمهرجان، نجتمع في بيت العائلة، يجلس الكبار في الداخل، ويلعب الأطفال في ساحة أمام المنزل، كنا نمضي اليوم في سعادة بالغة، وننتظره من العام إلى العام، كانت الروابط قوية والعلاقات وثيقة، حالياً اختلف كل شيء، فأنا وإخوتي يعيش كل منا في قارة، ولا نلتقي إلا مرة واحدة في العام، ورحل والدي ولم يعُد هناك بيت للعائلة، وكل شيء أصبح مختلفاً، بالفعل تنتابني حال من الاكتئاب من الأعياد لافتقادي إلى هذه الأجواء، وشعوري بأن هذا ليس هو العيد الذي أعرفه وأشفق على أطفالي لأنهم لم يعيشوا هذه الأجواء، حالياً خلال الأعياد نسافر إلى إحدى الوجهات الشاطئية للعمل على خلق ذكريات للأطفال، لكن الإحساس بالعيد يختلف تماماً ولم تعُد له البهجة نفسها".

 

فيما تقول نرمين أ (30 سنة وأم لطفلين) "طبيعة العلاقات بين الناس نفسها اختلفت، ولم تعُد وثيقة مثل السابق، إنما أصبحت شديدة السطحية، ولهذا فإنها في كثير من الأحوال أصبحت عبئاً على الناس حتى خلال الأعياد، فهي واجب نقوم به بغير حماسة، في السابق كانت علاقة أمي وثيقة بزوجات أعمامي وزوجات أخوالي، كنّ يتواصلن دائماً وكن صديقات، كن أمهات لكل أطفال العائلة، وكان هذا سبباً لحماستهن الشديدة للتجمعات والتجهيز لها بإعداد الطعام والحلوى من دون تكلف، حالياً كل شيء أصبح مصطنعاً، مما يجعلنا نشعر بالحزن في الأعياد".

ويوضح خالد علي (37 سنة يعمل لدى إحدى المؤسسات الإعلامية) "مرّت علي أعياد كثيرة كنت في العمل، طبيعة عملي بنظام ’الشيفتات‘، وفقدت كثيراً من التجمعات العائلية، باعتباره كان يوم عمل، وهناك كثرٌ مثلي من العاملين في مجالات الإعلام والطب، إضافة إلى كل القطاعات الترفيهية والخدمية لا نشعر بالعيد بل يصيبنا الاكتئاب، فحال الدنيا تغيرت وطبيعة الأعمال تغيرت وكذلك ظروف المجتمع، بالتالي الإحساس ببهجة العيد اختلف".

وتقول نهى إبراهيم (29 سنة، مدرسة) "أعتقد بأن ما تغير هو وضعنا نحن، فعندما كنا صغاراً لم نكُن نحمل هماً، ولا مسؤولية، وكان العيد هو الملابس الجديدة والألعاب والعيديات والنزهات، حالياً عندما أصبحنا نحن في موضع المسؤولية ونفكّر في تنظيم المصاريف وشراء الحاجات، وماذا سنفعل وأين سنذهب، فاختلفت نظرتنا إلى العيد، لكن لا نزال نحاول بقدر الاستطاعة أن نشعر أطفالنا بأجواء العيد حتى لو بشراء بعض البالونات والحلويات ومحاولة خلق ذكريات جميلة لهذه الأيام".

السوشيال ميديا عامل إضافي

خلال الأعوام الأخيرة حدثت تغيرات كثيرة داخل المجتمعات أصبح لها تأثير في سلوكيات الناس في ما يتعلق بالأعياد وغيرها، فمن ناحية الظروف الاقتصادية الضاغطة على كثير من الناس لها انعكاس على الحال النفسية، وبصورة مكثفة خلال الأعياد، والتأثير الكبير للـ"سوشيال الميديا" في المجتمع، فكل الأفراد من مختلف طبقات المجتمع أثناء تصفحهم للـ"سوشيال ميديا" يشاهدون في موسم الأعياد الملابس الجديدة والطعام المبالغ فيه والنزهات المكلفة لأشخاص آخرين بصورة متكررة، فينتابهم شعور بأن الجميع يعيش هكذا وهم فقط من يعانون ولا يستطيعون مواكبة هذا الوضع، وبالطبع ينعكس هذا على حالهم النفسية ويضيف أسباباً إضافية للاكتئاب في الأعياد.

ويقول استشاري الإرشاد الأسري محمود علام، "في هذا الزمن المظاهر والاستهلاك طغيا على كل شيء والمتطلبات زادت، وكل شيء أصبح مكلفاً، وبالفعل المقارنات التي تخلقها الـ’سوشيال ميديا‘ أصبحت ضاغطة على كثير من الناس، وهي سبب رئيس في كثير من حالات الحزن والإحباط خلال الأعياد، فجولة لدقائق على أي من منصات الـ’سوشيال ميديا‘ صباح يوم العيد يشاهد الشخص كثيراً من الأشياء المبهرة، ما بين الملابس والأطعمة والاحتفالات، وإذا كان من غير المقتدرين فسينتابه شعور كبير بالضيق، فالضغوط المادية وعدم قدرة بعض الأشخاص على فعل ما كان معتاداً قد يتسببان في خلافات أسرية تضيف عاملاً آخر لاكتئاب الأعياد وهذا أصبح واقعاً بالفعل".

 

ويتابع، "في الوقت الحالي فإن المدن توسعت والمسافات أصبحت شاسعة، وقلل هذا بصورة كبيرة من الزيارات العائلية المتبادلة خلال الأعياد وغيرها من المناسبات، إضافة إلى كلفة العزائم التي كانت تقام في الأعياد والتي أصبحت عبئاً على كثير من العائلات، كلها أسباب مستحدثة خلال العصر الحالي، وتؤدي إلى حال من الاكتئاب، بخاصة إذا كان الشخص قادراً على فعلها سابقاً، فيكون التأثير فيه مضاعفاً".

وينصح خبير الإرشاد الأسري "مع وجود ظروف أو واقع لا يمكن تغييره، علينا أولاً أن نتقبل المشكلات وندرك أن هناك أموراً نستطيع تغييرها وأخرى لا نستطيع، وعليه نحاول التكيف مع الوضع، فالمغترب يمكن أن يتواصل خلال مكالمات مطولة مع أسرته في مصر ليقلل إحساسه بالوحدة أو يجتمع مع آخرين في نفس وضعه، ويحاولون تنظيم أي نوع من الأجواء الاحتفالية، ومن جانب آخر علينا أن لا نحمل أنفسنا فوق طاقتها ونتقبل التغيرات على اختلافها، بخاصة التي ليست لنا يد فيها أو التي لا يمكن تغييرها، فنحاول أن نسعد أنفسنا بأقل الإمكانات ونبتعد من المبالغة والمظاهر الخادعة ولا نستسلم لحال الحزن والاكتئاب ونستمتع بأيام الأعياد".

اقرأ المزيد

المزيد من صحة