Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لوكليزيو ينحاز الى المهمشين في الجزر البعيدة

 روايته "الكرنتينة" تواجه العنصرية وتنفتح على الهويات الثقافية

 جزيرة موريشيوس التي ولد فيها لوكليزيو (صفحة الجزيرة - فيسبوك) 

يُعرف الكاتب الفرنسي النوبلي جان ماري غوستاف لوكليزيو بتعدد مصادر ثقافته وصور إبداعاته، مما يمنح هذه الإبداعات عموماً، ورواياته خصوصاً، تعدد "الهويات" الثقافية. ولعل رواية "الكرنتينة" خير تجسيد لهذا التعدد المذكور، فهو في هذه الرواية يشتغل على ثيمات ومحاور عدة، ويفتتحها لوكليزيو باقتباس من "باغهافات بورانا"، وهي قبسة ترتبط بالتجربة المعروضة في الكرنتينة وتمهد لمآلها ولانحياز البطل نهائياً إلى جهة المنبوذين والمستبعدين. ومفردة بورانا تعني حرفياً "العتائق"، وتدل على كتب الهندوس المقدسة، وتحوي تعاليم أتباع فيشنو أحد الآلهة الهندوسيين الثلاثة إلى جانب براهما وشيفا.

لوكلوزيو المولود في مدينة نيس الفرنسية (1940)، والفاز بجائزة نوبل (2008)، يتحدر الفرع الأمومي من أسرته من منطقة البروتاني الفرنسية. وهاجر أجداده إلى جزيرة موريشيوس نهايات القرن الثامن عشر هرباً من المجاعة والفقر. عمل والده طبيباً مبعوثاً إلى الكاميرون ثم نيجيريا الخاضعتين للاستعمار البريطاني آنذاك، وقد زار الكاتب والده في نيجيريا عام 1948 وانبهر بتعلق والده بحياة الأفارقة السود وثقافتهم وعنايته بهم، وعن ذلك كتب سيرة روائية جميلة -بحسب مقدمة المراجِع – سماها "الأفريقي". كما خص المأساة الفلسطينية برواية "نجمة شاردة" 1992، يصف في قسم منها معاناة الصبية "نجمة" في مخيم لاجئين فلسطينيين، وفي القسم الآخر ما تتسبب به هذه المعاناة من عذاب ضمير لطبيبة إسرائيلية تجعل منها قضية حياتها، وهو أمر يصعب تصور وجوده في واقع المأساة.

وإلى ذلك فهو في الأساس ينتمي إلى بيئة تتسم بتعدد الأصول والمشارب الثقافية، وهو جعل شعار عمله الأدبي من روايات وقصص ودراسات أدبية. ويرى كاظم جهاد أن مسيرة لوكلوزيو مرت في طورَين؛ الأول يتمثل في أعمال ترتسم فيها خطى ما يسميه "الرواية الجديدة"، ثم الطور الذي أصبح فيه متعدد روافد الهوية الثقافية من موريشيوسية وأفريقية والمعرفة العميقة بثقافات الهنود الحُمر والهند البوذية والمسلمة والصحراء المغاربية، وبات يعتبر نفسه "كاتب الغيرية" المطلقة وروائي التصاهر والخلاسية والتعدد والانحياز للآخر في اختلافه المُخْصِب مثلما في امتحانه التاريخي والإنساني".

عوالم متعددة

رواية لوكلوزيو "الكرنتينة" صدرت بالفرنسية في عام 1995، وترجمتها الى العربية نهى أبو عرقوب الأولى وصدرت حديثاً عن دار كلمة-  أبو ظبي في سلسلة "أدب الجوائح" التي يشرف عليها الشاعر والأكاديمي كاظم جهاد.

يُهدي الكاتب روايته إلى "أليس" بقوله "هنا ينتهي فردوس الأغنياء وتبدأ جحيم الفقراء"، تعبيراً عن انحياز الكاتب إلى الفقراء والمنبوذين، يقرر النزول إلى جحيمهم مدفوعاً بقوة النشيد الشعري (وروايته هذه مضمخة بالشعر في كل صفحاتها)، تتردد في الرواية قبسات من بودلير ورامبو والشاعر الإنجليزي لونغفيلو... سارد أول هو ليون عن جده جاك وشقيق جده ليون، في الفصل الختامي يسرد رحلته إلى جزيرة موريشيوس... يقدم أفكاراً ثاقبة عن نتائج التحديث الزائف وعمل الزمن. 

تنغمس الرواية في بعد قيامي بالنسبة إلى بطلها ليون على الأقل، إذ تتسبب له الجائحة الوبائية وما رافقها من عسف يمارسه البيض على المهاجرين الهنود الخلاسيين بانهيار عالم كامل في داخله وولادة وعي آخر، إذ يكرر الكاتب/ السارد "لا نعرف كالكي بعد، لكنه آتٍ لا بد... لا أحد يعرف متى سيأتي، أو مَن سيكون، ولكن بات جلياً أكثر فأكثر أن مجيئه وشيك، وأنه سيقيم مملكته قريباً".

تحمل فصول الرواية تواريخ توضح لنا مسارها وعائدية الكلام إلى كل من الساردَين، وتتخلل سرد ليون الجد لتجربة الكرنتينة... بسطور أقل عرضاً، كما أنه يروي يوميات عالم النبات بخط غامق، نباتات بلغة علمية تبرز غرائبية المكان، وشغف الاكتشاف العلمي. وفي الفصل الأول "المسافر الأبدي"، نبدأ بمشهد ظهور جاك في حالة ثُمالة، يشتم ويهدد ويروي ويفكر في الطريقة التي رأى بها جده ليون شاعرَ فرنسا الشهير رامبو للمرة الأولى، كان ذلك في بداية عام 1872، في يناير أو فبراير.."، كما يقول، وهو الحدث الذي يرتبط "بوفاة أماليا"، وقطيعة "وقعت بين أنطوان وأماليا وكبير العائلة، وطرْدهما من عزبة آنا، ومغادرتهما موريشيوس في نهاية عام 1871، استقرا أخيراً في حي مونبارناس في بارسيس...".  

رحلة الشقيقين

المحور الأساس للرواية يتمثل في السردية الكبرى المتمثلة في رحلة الشقيقين جاك وليون، لاستعادة إرث العائلة الذي استولى عليه العم كبير العائلة، ووقوع وباء الجدري، والتذكير بتجربة الجد ليون في السفينة بما يشبه تجربة اعتقال، يضاف إليها سلوكٌ استعماري للمسافرين البِيض بمواجهة عالم "الكولي"، أي عالَم العمال والخدم الهنود من فئة المنبوذين. وهنا تظهر علاقة ليون مع الخلاسية سوريافاتي (قوة الشمس) وأمها أنانتا، ويتعلم منهما ومن مهاجرات هنديات أخريات محبة الطبيعة والطيور والنباتات الشافية ومبادئ من الفلسفة الهندوسية: الحب وسلام الروح والجسد. وفي الرحلة يهرب ليون من شقيقه جاك الذي انغمس في عالم البِيض الاستعماري والمتعالي، وحتى من زوجة هذا الشقيق سوزان على رغم التقارب بينها وبين ليون.

وفي هذه الرواية أيضاً ثمة نقد حاد للفكر النابذ للآخر المختلف، مع فلسفة بيئوية وأخلاقية تُعلي من الآصرة الإنسانية الرحبة والإخاء البشري، بديلاً عن لُحمة الدم الملوثة بخيارات أيديولوجية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يلفت الانتباه في الرواية حضور شعراء كُثر، وكما فعل في "البحث عن المغامرة" باستحضار ذكريات رامبو وكرواك، وحلم جاك لندن، أو ربما وجهَ جان جينيه، أو مول فلاندرز، نجد سوزان تقرأ شعر لونغفيلو "الطيور المهاجرة"، وقصيدة/ ديوان رامبو "المركب السكران"، وبودلير قصائد "نساء ملعونات" و"ابتهالات للشيطان" و"العدو"، فنقرأ أولاً من بودلير: "أيها الألم! أيها الألم! إن الزمن يلتهم الحياة / والعدو الغامض الذي ينهش قلوبنا / على دمنا النازف يقتات ويقوى". وكذلك نقرأ من بودلير: "أيها الإنسان الحر، سوف تهوَى البحر دوماً / البحر مِرآتُك...". ثم نقرأ ما تقرأ سوزان من شعر لونغفيلو: "تساقط الظلال السوداء / من الزيزفون الباسق، / إذ يرفع عالياً جداره الهائل / في وجه السماء الجنوبية".

في حديث مع المترجمة نهى أبو عرقوب، كان السؤال وباختصار عن الدافع الأساسي لاختيار لوكلوزيو، وبخاصة هذه الرواية من أعماله لترجمتها؟ فهل هو الانتماء الثقافي المتعدد للكاتب، وما يسمى "كاتب الغيرية"، مثلاً؟ وماذا عن أساليب الكتابة مثل السرد واليوميات والحوارات والفلاش باك وغيرها، تقول أبو عرقوب إن هذه الرواية كانت من اختيار كاظم جهاد ضمن سلسلة "أدب الأوبئة" التي يشرف هو على ترجمتها، فيختار الكتب ويراجعها ويكتب مقدمة لها، وهي فكرة اشتغل عليها مع جائحة "كورونا". وبالطبع كان الانتماء الثقافي للكاتب (لوكليزيو) بوصفه "كاتب الغيرية" من بين الأسباب التي دفعت إلى اختيار هذه الرواية.

وبخصوص الحافز الذي دفعها لقبول ترجمة الرواية، وعملها في هذه الترجمة تقول أبو عرقوب: "أحببت الرواية كثيراً، أولاً لأسلوب الكاتب الشعري الممتع في احتفائه بالعلاقة الحميمة بين الإنسان والطبيعة. هذه العلاقة التي نكاد نفقدها تماماً في هذا الزمن. وثانياً لأهمية موضوعها، فهي نقد لاذع لمركزية الحضارة الغربية... ولكل ما خلفته من آثار سلبية على الإنسان والبيئة، وطبعاً هناك عنصر مهم في الرواية وهو روح رامبو التي تسري في كل تفاصيل الرواية، وهذه الاستعادة المبدعة لشخصيته، من خلال المماهاة بينها وبين شخصية البطل".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة