Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شبكة كأنها واي فاي للتخاطب بين أعصاب الدماغ

كسر فكرة راسخة عن الانتقال السلكي للإشارات الكهربائية في المخ وبروز دور بروتين وراثي ينقلها عبر وسط لزج

أعصاب أدمغة الديدان تتناقل إشاراتها الكهربائية بصورتين مباشرة وغير مباشرة بالضد (هايتي بافيس/ ساينس فوتو لايبريري)

الأرجح أن الإعلام الطبي مهمة شائكة وصعبة، خصوصاً حينما يتعلق الأمر بمسائل حساسة كالدماغ، المركز الساحر للتفكير والخيال والنوم والموت، والجينات الوراثية التي تتصل مباشرة بالخطابات الفكرية والسياسية، على غرار فكرة اليوجينيا [الصفاء الجيني] التي رفدت أفكار النازية وخطاباتها، بما في ذلك تبرير الهولوكوست المأسوي.

لماذا البدء بهذا التنبيه؟

يرجع ذلك إلى ظهور دراستين علميتين جديدتين ومستقلتين، يرجح أنهما رسمتا نقطة قطع مع الفكرة العلمية الراسخة طوال عقود بأن الإشارات الكهربائية في الدماغ تنتقل من عصب إلى آخر بشكل مباشر، عبر نقاط التقابل "ساينابس" Synapse بين الطرفين، فكأنها تسير في سلك كهرباء. ويشار إلى تلك النظرية بمصطلح "كونكتومز" Connectomes، وتعتبر أساس مصطلحات أخرى كالدوائر العصبية الدماغية Neurocircuits وغيرها.

وفي المقابل، بينت الدراستان عبر جهود دؤوبة ومنفصلة الدور الذي يؤديه بروتين عصبي أساس Neuropeptide [بمعنى أنه من البروتينات التي تنتمي إلى تراكيب الأعصاب، وتصنع جينات معينة]، يحمل تلك الإشارات بفضل "سباحته" في السوائل المحيطة بالأعصاب الدماغية، فيصل بها حتى إلى مسافات أبعد من انتقالها المباشر.

من عصب إلى آخر كأنه سلك كهرباء

توضيحاً، يتضمن مفهوم الانتقال العصبي المباشر أنه في نقاط التقابل، يؤدي وصول الإشارة الكهربائية إلى إطلاق مواد كيماوية من طرف عصب إلى رأس عصب آخر، يتلقى تلك المواد في مساحات محددة على سطحه، تسمى مستقبلات Receptors، فيتحرك تيار كهرباء في العصب المتلقي وتسير إلى طرفه ثم تنتقل إلى رأس عصب آخر وهكذا دواليك. وغالباً ما يشار إلى ذلك الانتقال أنه انتقال سلكي "واير".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستناداً إلى تلك الفكرة، جرت دراسة الإشارات العصبية والمواد الكيماوية المتصلة بتناقل الرسائل المختلفة في الدماغ ومناطقه المتعددة. وقد امتد ذلك بداية من الخرائط السلكية التي ترسم كيفية التحكم بالحركات الجسدية ومروراً بتلك التي تظهر المسارات والمواد الكيماوية المتصلة بالأفكار والاضطرابات النفسية وليس انتهاء بالخرائط السلكية العصبية عن الأحلام بل حتى سكرات الموت. ولعل المثل الأكثر شيوعاً عن دور الكيمياء في الانتقال السلكي المباشر للإشارات في الدماغ، يتمثل بدور مادة "سيروتونين" Serotonin في الكآبة، مع ملاحظة أنه تعرض للنقد في دراسات بينت محدودية دوره وعدم كفاية التركيز عليه لتفسير الكآبة وعمل الأدوية المتعلقة بها.

هل تمكنت الكلمات السابقة من توضيح فكرة الانتقال السلكي المباشر للإشارات الكهربائية، مع المواد المتعلقة بها" في الدماغ؟

سباحة البروتينات المكهربة

مع الأمل برد إيجابي، يعود النقاش إلى الفكرة الجديدة التي حملتها الدراستان الجديدتان المشار إليهما آنفاً. وجاءت الأولى من جامعة كامبريدج في بريطانيا على يد فريق قاده البروفيسور ويليام شافر، فيما قاد الثانية المتخصص بعلم الأعصاب في "جامعة نيوجيرسي" الأميركية، أندرو لايفر، وقد جرت بشكل مستقل ومنفصل عن الأولى.

وباختصار محمل بالخلل، برهنت الدراسة الأولى أن البروتينات العصبية الأساسية التي "تسبح" في الوسط السائل اللزج المحيط بأعصاب الدماغ كلها، تسهم في نقل الإشارات الكهربائية التي تصل إليها عند مرور تيارها من عصب إلى آخر في نقاط الـ"ساينابس"، من ثم فقد تصل بها إلى نقاط أبعد من الشبكات العصبية المباشرة. ورسم الفريق الذي قاده شافر خريطة للنقاط التي توجد فيها تلك البروتينات المحملة بالكهرباء، في الدماغ كله.

توضيحاً، يتعلق الأمر بدماغ نوع شائع من الديدان يحتوي دماغه على 302 من الأعصاب [في العادة، يشار إلى كل منها بمصطلح عصبون Neuron].

وركزت الدراسة الثانية التي أنجزها فريق البروفيسور لايفر، على تلك الـ302

عصبون، ورسمت خريطة تجمعاتها وتحركاتها بتقنيات ضوئية مكنتها أيضاً من رصد الجينات التي تنتج كل منها. بكلمات أخرى، أنجز الفريق الأميركي خريطة ضوئية لتجمعات الـ"نيوبيبتايد" والجينات التي تنتجها في الدماغ.

وقد لخص البروفيسور غاسبار جايكلي، من جامعة هايدلبرغ الألمانية، الإنجاز الذي حققته الدراستان بأنه تحطيم للنظرية الراسخة عن الانتقال المباشر للإشارات الكهربائية عبر إظهار انتقالها بواسطة بروتينات تتحرك خارج نقاط التقابل بين أعصاب الدماغ. ووفق كلماته، "تبرهن الدراستان أن الأمر لا ينحصر كله بنقاط التقابل". وقد قدمت الدراستان خلال لقاء "جمعية علم الأعصاب" في واشنطن بتاريخ الـ14 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2023.

الوقاية من الشطط والخطأ

لنعد إلى الإعلام العلمي الطبي. كيف عرضت مجلة "نايتشر" المعلومات السابقة التي استقيت منها، باعتبارها مجلة علمية راسخة وموثوقة؟ استهل المقال بعنوان جاء فيه "واي فاي لأعصاب الدماغ، خريطة أولى عن النقل اللاسلكي للإشارات العصبية لمسافة بعيدة، وليس حصراً عبر نقاط الترابط بين الأعصاب".

في المقابل، لا يتضمن المقال نفسه كلمة "واي فاي" على الإطلاق. ولم يستخدم تلك الكلمة، ولا حتى بشكل تشبيه أو مجاز، أياً ممن نقل المقال آراءهم بأمانة علمية وإعلامية مسؤولة ورصينة.

ويعود الاحتجاج المضمر في الكلمات القليلة السابقة، إلى أن "واي فاي" هي موجات راديو، فيما لا تتعلق الدراستان بسوى الانتقال خارج الـ"ساينابس" بواسطة بروتينات ووسط سائل تتحرك فيه.

في المقابل، حينما يتعلق الأمر بالدماغ، يبدي البشر حساسية مفرطة. ومثلاً، أنجزت الكمبيوترات أشياء لا حصر لها، لكن حينما هزمت دماغ البشر في لعبة الشطرنج، ثارت نقاشات فوارة ربما لم تشهد ثورة المعلوماتية والاتصالات مثيلاً لها، إلا مع فورة "تشات جي بي تي" والذكاء الاصطناعي التوليدي.

بالتالي، بدا النقد واجباً حتى حيال مقال من مرجعية إعلامية علمية وازنة كـ"نايتشر"، تحسباً لانفلات الأفكار والخيالات إلى آفاق تتجاوز الحقائق العلمية التي يتضمنها الخبر عن انتقال غير سلكي للإشارات الكهربائية في الدماغ.

المزيد من علوم