ملخص
وصل منذ بداية العام الحالي إلى السواحل الإيطالية ما لا يقل عن 85 ألف مهاجر قادمين من تونس ويتحدرون من جنسيات مختلفة
لا يكاد يمر يوم في تونس دون انتشال جثث لمهاجرين غير نظاميين، سواء من سواحل ولاية صفاقس أو مدينة جرجيس أو غيرهما، ما حول البلد إلى ما يشبه المقبرة بالنسبة إلى أبناء القارة الذين كان يحدوهم الأمل بالعبور إلى الضفة الأخرى من المتوسط.
ويتوافد آلاف المهاجرين المتحدرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء إلى تونس هرباً من الحروب التي تشهدها بلدانهم أو الفقر والتهميش، برجاء الوصول إلى إيطاليا ومنها إلى أوروبا من أجل عيش كريم لم يجدوه في دولهم، لكن في معظم الأحيان ينتهي المطاف بهؤلاء غرقى في عرض البحر الأبيض المتوسط، الأمر الذي دفع تونس إلى إنشاء مقبرتين، الأولى تحت تسمية "مقبرة الغرباء"، والثانية "مقبرة حدائق أفريقيا"، وهما مخصصتين لدفن المهاجرين دون حتى التعرف على هوياتهم.
مقبرة أفريقيا
وتضم المقبرتان المذكورتان مئات الجثث، وهما مكتظتان بشكل جعلهما عاجزتين عن استيعاب جثث جديدة ما وضع السلطات التونسية أمام تحد صعب خصوصاً في ظل غياب حلول قادرة على الحد من محاولات الهجرة غير النظامية.
وقال الباحث المتخصص في الحدود بين تونس والاتحاد الأوروبي، أحمد جمعة، إن "البلاد تحولت بالفعل إلى مقبرة أفريقيا بسبب غرق آلاف المهاجرين، والمشكلة تعمقت بعد فبراير (شباط) الماضي، حين أصبح هناك ما يشبه دفع هؤلاء نحو المجازفة بركوب قوارب الموت في وقت وجيز بعد حملة شرسة ضدهم". وأضاف أن "الغموض يلف مذكرة التفاهم التي وقعت في يوليو (تموز). كما تأتي سياسات الاتحاد الأوروبي في هذا الشأن، على حساب أرواح المهاجرين الذين يلقون حتفهم على السواحل التونسية".
وشدد جمعة على "أن تكون المفاوضات مشتركة بين دول شمال أفريقيا والاتحاد الأوروبي لتقوية صف دول الجنوب لتقديم مشروع مشترك، لأن ما يطلب من هذه الدول هو أن تكون حرس حدود للقارة العجوز التي تتعامل مع تلك الدول بنوع من المساومة في سياسات التأشيرات".
ودشنت تونس في عام 2021 مقبرة جديدة في جرجيس بجنوب البلاد المتاخم للحدود مع ليبيا، وهي مقبرة "حدائق أفريقيا" التي صممها الفنان التشكيلي الجزائري رشيد قريشي. وتضم 200 قبراً، لكن هذه المقبرة امتلأت هي الأخرى بعد أشهر قليلة من افتتاحها، ما يعكس الوضع الصعب الذي ترزح السواحل التونسية تحته.
وقال قريشي، الذي فقد شقيقه بعد أن جرفه التيار أثناء سباحته في البحر الأبيض المتوسط، إن "المهاجرين المدفونين هناك واجهوا الصحراء ورجال العصابات والإرهابيين وأحياناً التعذيب أو غرقت قواربهم، لذلك أردت أن أعطيهم انطلاقة في الجنة، بعد جحيم رحلة العبور إلى أوروبا".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وضع صعب
ووقعت تونس والاتحاد الأوروبي منذ 16 يوليو الماضي، مذكرة تفاهم تستهدف التصدي لموجات الهجرة غير النظامية مقابل تمويلات ستمنح للبلاد وتعاون في مجالات عدة، وكثفت السلطات منذ ذلك الحين حملاتها الأمنية لوقف نزيف الهجرة غير النظامية بعدما أكدت مراراً أن المهاجرين ضحية لعصابات الاتجار بالبشر وغير ذلك، لكن لم تنجح بعد هذه الحلول في وضع حد للهجرة.
وقال الباحث السياسي وسام حمدي، إن "الوضع صعب سواء في صفاقس أو جرجيس أو غيرهما، وهذا الوضع يعكس فشل سياسات الاتحاد الأوروبي وتونس معاً في هذا المجال لأن كلا الطرفين لا يزالان يراهنان على مقاربة أمنية أثبتت السنوات فشلها". وتابع حمدي أن "المعضلة تتمثل في أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى استغلال حاجة تونس إلى التمويل من أجل حثه على المواصلة في السياسة نفسها المتبعة منذ عقود، على رغم المواقف التي يعبر عنها الرئيس قيس سعيد، الرافضة لذلك علناً".
واعتبر أن "هؤلاء المهاجرين ضحايا الأوضاع الكارثية في دولهم سواء بسبب الحرب أو غيرها، وأيضاً ضحايا عصابات الاتجار بالبشر، لذلك أعتقد أن الحل يجب أن يكون طويل المدى، وأن يتم التخلي عن السياسات القديمة وتقديم ما يجعل هؤلاء يظلون في دولهم وهذا يتطلب توافقاً إقليمياً ودولياً واسعاً على حلول اقتصادية وسياسية".
ووصل منذ بداية العام الحالي إلى السواحل الإيطالية ما لا يقل عن 85 ألف مهاجر قادمين من تونس ويتحدرون من جنسيات مختلفة، فيما تسعى روما التي تحكمها رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني التي تتبنى خطاباً متشدداً تجاه الهجرة، وتسعى إلى ترحيل هؤلاء من بلادها إلى تونس ودول أخرى، ومنها إلى دولهم.
وسبق أن عبرت تونس عن رفضها أن تكون "أرض توطين" للمهاجرين غير النظاميين، فيما لم تقدم السلطات الإيطالية أو الاتحاد الأوروبي بدائل أو خططاً محددة لمعالجة معضلة الهجرة غير النظامية.
وفي ظل الجمود الراهن في الحوار بين تونس والاتحاد الأوروبي، فإن هذا الملف سيبقى على الأرجح عبئاً ثقيلاً على السلطات كما المنظمات التونسية التي تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع محاولات لا تتوقف للعبور إلى الضفة الأخرى من المتوسط ومعها عداد الموتى لا يتوقف أيضاً.