ملخص
خطوات رئيس الحكومة الأرمينية نيكول باشينيان تضع بلاده في موقف مشابه لما تعلنه أوكرانيا اليوم من أهداف، ومنها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف "الناتو"
أعلنت وزارة الخارجية الأرمينية عن استدعاء سفير روسيا الاتحادية لدى يريفان (عاصمة أرمينيا) سيرغي كوبيركين لتسليمه مذكرة احتجاج على برنامج تلفزيوني قدمته القناة الأولى للتلفزيون الروسي تناول كثيراً من جوانب السيرة الذاتية لرئيس الحكومة الأرمينية من خلال نائبة في البرلمان الروسي "مجلس الدوما".
ويأتي الإعلان بعد سلسلة من التطورات والخطوات إلى اتخذها رئيس الحكومة الأرمينية نيكول باشينيان، ومنها اعتذاره عن المشاركة في قمة رؤساء بلدان كومنولث البلدان المستقلة (السوفياتية السابقة)، و"تفضيله" السفر إلى مقر البرلمان الأوروبي، حيث ألقى "خطابه المشهود" الذي أثار في موسكو كثيراً من التساؤلات، فضلاً عن التصديق على قرار المحكمة الجنائية الدولية في شأن "توقيف" الرئيس الروسي فلاديمير بوتين" ومفوضة حقوق الأطفال ماريا لفوفا - بيلوفا جزاء "مزاعم" حول مسؤوليتهما في شأن نقل أطفال أوكرانيين إلى روسيا بشكل غير مشروع.
وكانت "القناة الأولى" قد كرست إحدى حلقات برنامج "دمي وريث توتي" الذي تقدمه النائبة البرلمانية ماريا بوتينا عن الحزب الحاكم "الوحدة الروسية"، وهو برنامج أسبوعي تقدمه بوتينا مساء كل يوم "جمعة"، وتخصصه لـ"الخوض" في سير الشخصيات الفاعلة على الساحة الدولية، وسرد ما خفي من جوانبها، على غرار ما فعلت مع وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن ومفوض الشؤون السياسية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، ومدير الاستخبارات المركزية الأميركية وليام بينز، وكذلك رئيس إدارة الاستخبارات الأوكرانية كيريل بودانوف وغيرهم من مشاهير الساحة السياسية العالمية والإقليمية.
نذير المتاعب
كانت بوتينا وبمشاركة عدد من أبرز المتخصصين في الشؤون السياسية والدراسات الاستراتيجية سبق وقدمت في حلقات مماثلة عدداً كبيراً من سير الشخصيات السياسية الدولية، ومنهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ووزيرة الخارجية الألمانية أنا لينا بيربوك، ووزير الدفاع الأوكراني رستم عمروف، وغيرهم ممن لم يقدم أي منهم احتجاجاً أو ملاحظة. غير أن الحلقة الأخيرة من البرنامج وكانت بعنوان "نيكول باشينيان نذير المتاعب" أثارت كثيراً من الصخب، فضلاً عن احتجاج وزارة الخارجية الأرمينية لما تضمنته من معلومات "موثقة"، إلى جانب توقيت صدورها في أعقاب عدد من الخطوات "المحورية" لرئيس الحكومة الأرمينية باشينيان، بما تبتغيه من أهداف "مفصلية"، تضع أرمينيا في موقع مشابه لما تعلنه أوكرانيا اليوم من أهداف، ومنها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف "الناتو". وجاء ذلك بعد سلسلة من المحاولات التي سبق وبذلها باشينيان عبر دروب "الثورات الملونة" على غرار "ثورة الورود" في جورجيا في عام 2003، و"الثورة البرتقالية" في أوكرانيا في عام 2004، وثورة السوسن" في قيرغيزيا في عام 2005، وكان قد اتخذ النضال من أجل قره باغ ستاراً له لتحقيق النجاح في 2018.
ومن مثل تلك الخطوات، أشارت المصادر الرسمية الأرمينية إلى ما تضمنه برنامج "نيكول باشينيان نذير المتاعب" من بيانات مسيئة وغير مقبولة ضد كبار المسؤولين في جمهورية أرمينيا، بمشاركة أندرانيك تيفانيان رئيس تحالف "أرمينيا أُمُّنا" المعارض. ولم تقدم وزارة الخارجية الأرمينية ما يفيد بعدم صحة البيانات أو "كذب" أية معلومات وردت في البرنامج التي تضمنها البرنامج، وطرحتها ماريا بوتينا على الصحافيين ممن قالت إنهم أجروا فحصاً دقيقاً ليخلصوا إلى أنها جميعها تعكس الحقيقة التي "تفقأ العيون" على حد تعبيرها.
وتساءلت بوتينا عما يمكن أن يكون مسيئاً في ذلك الذي كشفت عنه النقاب، لتعود وتقول إن كل ما ورد في البرنامج حقيقي ولا مراء فيه. وأضافت "أنه وإن كان مريراً، فإنه أفضل من الأكاذيب الحلوة التي يحاول باشينيان إطعام شعبه به، في حين أنه يتحمل المسؤولية عن مصير الأرمن في قره باغ، والأشخاص ممن فقدوا منازلهم، وأصبحوا لاجئين".
ويكفي أن نقول إنه، وهو الذي جاء على موجة "قره باغ - آرتساخ، وهي حق تاريخي للأرمن"، انتهى عملياً بما قاله حول "إنه والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس المفوضية الأوروبية شارل ميشيل، والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف على أن حدود أذربيجان وأرمينيا السوفياتية، يعترف بأنها ستبقى حدودنا الحالية، بما يعني أن قره باغ تقع داخل الحدود الأذرية التاريخية"، وذلك ما أثار دهشة كل من تابع مسار الصراع حول قره باغ منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، بمن فيهم الرئيس بوتين الذي أعرب عن دهشته بهذا الشأن، نظراً إلى أن الصراع دار كل هذه الفترة التي امتدت لما يزيد على 30 عاماً، ووضع كل سكان الإقليم من الأرمن في مأزق الرحيل الاضطراري خلال أيام قليلة.
شهادة ثقة
أما عن هذه الحقائق والمعلومات فهي حقاً دامغة "تفقأ العيون" وعلى ألسنة كثر من شهود العيان، وكبار رجالات السياسة، ومنهم تيفانيان رئيس التحالف الأرميني "أرمينيا أُمُّنا"، وأندرانيك ميجرانيان بروفيسور العلاقات الدولية، كما وردت إدانات كثيرة لتصرفات باشينيان في شأن الوضع في قره باغ، إذ قالوا إنه "كان مستعداً لتسليم الجميع والتنازل عن كل شيء". وأطلقوا على خطابه الذي ألقاه في جلسة البرلمان الأوروبي، التي عقدت في وقت سابق من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، بأنه يمثل "الاستسلام الكامل وغير المشروط للدولة الأرمينية ووقوعها في أيدٍ أوروبية"، وأنه "تحت أقدام البوريل (جوزيب بوريل مفوض الشؤون السياسية الأوروبية)، وجميع أنواع الأورسول (أورسولا فوندر لاين مفوضة الشؤون الأوروبية)، جرى إلقاء الحلفاء والشركاء وشعبهم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبينما كان نيكول متشبثاً بالدمي الأنغلوساكسونية، قطعت أنا أكوبيان (قرينة نيكول) الطريق إلى كييف، وتهامست مع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن لتصوغ مع الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي بالنيابة عن زوجها، الموافقة على إرسال المساعدات الإنسانية إلى أوكرانيا. وننقل عن تيفانيان رئيس تحالف "أرمينيا أُمُّنا"، وصفه لباشينيان بأنه "دمية للغرب"، و"خلطة" أرمينية من رئيس جورجيا الأسبق ميخائيل ساكاشفيلي والرئيس الأوكراني الحالي زيلينسكي. كما أكد تيفانيان أنه "على يقين من أن باشينيان ستتم إدانته بعد تخليه عن السلطة، وهو يخاف من أن تسود العدالة، ولذا فإنه يتمسك بالسلطة، وهذا ما يجعله دمية في أيدي الغرب".
واستعادت بوتينا كثيراً من جوانب السيرة الذاتية لباشينيان منذ انضمامه إلى فريق الرئيس الأرميني الأسبق ليون تير بيتروسيان الذي قالوا إنه "كثيراً ما اتخذ من السفارة الأميركية لدى يريفان العون والمساعدة".
وعرج المتحدثون أيضاً للحديث عن دور السفارة الأميركية لدى يريفان لإعداد الساحة الداخلية لـ"ثورة ملونة" في عام 2008 كان لباشينيان فيها دور متميز، وانه استفاد من كبوته فيها ليواصل نشاطه الذي كلل بالنجاح في 2018.
وأشار ضيوف البرنامج، ومنهم متخصص الشؤون السياسية والمتخصص في الشؤون الأميركية مالك دوداكوف إلى تدرج باشينيان وانخراطه في الحركة الجماهيرية حتى فوزه بعضوية البرلمان ومنها إلى رئاسة الحكومة.
وكانت بوتينا قد اختتمت برنامجها بالحديث عما قطعه رئيس الحكومة الأرمينية على نفسه من وعود لم يفِ بأي منها، وقالت إنه وعد بالقضاء على الفساد، ولكنه في الواقع "أعاد تسليم القنوات المالية من يد فاسدة إلى أخرى"، كما "وعد بحل قضية ناغورنو قره باغ ومساعدة الناس، وفي النهاية تنازل عنها لأذربيجان".
وأشارت بوتينا إلى ما قاله حول أن "الحياة ستكون معه أفضل، وأن الوضع الاقتصادي سيكون مريحاً للمواطنين، ولكن هذا لم يحدث"، لافتة إلى أن "باشينيان وعد أيضاً بأنه "سيجذب استثمارات أصدقائه الغربيين لتكون عوناً لمواطنيه"، في وقت يستند الاقتصاد الأرميني فيه على تحويلات الأرمن المقيمين في روسيا إلى أرمينيا، والتي تقدر بما يعادل 30 مليار روبل (320 مليون دولار) شهرياً.
تنويع العلاقات
وكان باشينيان قد قال في اجتماع الحكومة في 22 سبتمبر (أيلول) 2023 إن "أرمينيا لا ترى أية مزايا في الحفاظ على القواعد العسكرية الروسية المقامة على أراضيها، بعد أن استعادت أذربيجان منطقة ناغورنو قره باغ التي كان متنازعاً حولها بين البلدين"، كما نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" ما قاله في حديثه إليها حول أن "هذه الأحداث، في الواقع، قادتنا إلى اتخاذ قرار في شأن الحاجة إلى تنويع علاقاتنا الأمنية، والآن نحاول القيام بذلك".
ومن المعروف أن لروسيا حاميات عسكرية في أرمينيا، فضلاً عن قاعدة جوية، وأن موسكو أعلنت عن نفسها كضامن لأمن أرمينيا في جنوب القوقاز "غير المستقر"، الذي تمر عبره خطوط أنابيب النفط والغاز المهمة".
وكانت أذربيجان قد قامت في سبتمبر الماضي بعملية عسكرية ضد "جمهورية" ناغورنو قره باغ غير المعترف بها، أسفرت عن استسلام قيادتها الأرمينية، وفرض سيطرتها الكاملة عليها. وفي الوقت نفسه أشار باشينيان إلى أن أرمينيا لا تناقش انسحاب القواعد العسكرية "الأربع" الروسية بقوله "نحن لا نناقش مثل هذه المسألة، إننا نناقش الآن قضايا أخرى، في محاولة لفهم سبب هذا الوضع".
وأضاف باشينيان "سيكون هذا جدول أعمال مناقشات العمل بين أرمينيا وروسيا، وبين أرمينيا ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، أما بالنسبة إلى العلاقات مع الشركاء الآخرين، فسأكون على حق وصادقاً إذا قلت إن هذه الحالات، في الواقع، قادتنا إلى القرار بأننا في حاجة إلى تنويع علاقاتنا الأمنية". وتابع حديثه بالقول "إننا نحاول القيام بذلك الآن"، مضيفاً "أن بيانات ممثلي السلطات الروسية إلى القيادة الأرمينية تثير أسئلة تحتاج إلى إجابة"، بما في ذلك حول الموقف من معاهدة الأمن الجماعي. وقد أثارت هذه التصريحات كثيراً من ملاحظات موسكو، التي عبر عنها الناطق الرسمي باسم الكرملين دميتري بيسكوف بقوله "إن روسيا تنتظر تلقي توضيحات من يريفان فيما يتعلق بكلمات رئيس الحكومة الأرمينية نيكول باشينيان حول ما قاله عن الحاجة إلى "تنويع العلاقات الأمنية" بعد الأحداث في ناغورنو قره باغ، وهي التصريحات التي أدلي بها في حديثه إلى صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية.
ومضى بيسكوف ليقول إنه لا يميل في هذه الحالة، اعتبار صحيفة "وول ستريت جورنال" على أنها المصدر الأصلي، ولذا فإنه لا يزال في حاجة إلى فهم ما كان يتحدث عنه باشينيان بالضبط.
وواصل المتحدث الروسي قوله "في محادثة مع أصدقائنا الأرمن، نتوقع الحصول على جميع المعلومات حول هذا الموضوع". وأضاف "من الصعب التواصل بين روسيا وأرمينيا من خلال الصحف"، مشدداً على نية الكرملين لمواصلة الحوار مع الأصدقاء الأرمن، ولا سيما أن موسكو ويريفان لديهما "جدول أعمال واسع جداً".