Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

درس الكارثة... سدود درنة أخطر من الإعصار

غير مهيأة لتجميع مياه الفيضانات وانهيارها أسهم في تفاقم الوضع وبرلماني يدعو إلى اعتماد الخزانات الجوفية 

حذر مسؤولون في الهلال الأحمر الليبي أول من أمس الثلاثاء من إمكان وقوع كارثة في بلدة برسس شمال شرقي البلاد في حال انهيار سد "جازا" الذي يبلغ ارتفاعه أكثر من 200 ألف قدم بعد أن ملأته الشروخ، وفق ما جاء في فيديوهات لمهندسين ليبيين على منصة "إكس".

الفيديوهات المصورة كشفت عن حجم التردي في بنية سد "جازا" بفعل ارتفاع منسوب المياه فيه نتيجة إعصار "دانيال" الذي ضرب البلاد الأحد الماضي وأدى إلى وفاة آلاف الأشخاص في شرق ليبيا.

إجهاد مائي

وتتوافر الدولة الليبية على عدد من السدود من أهمها سدود "وادي الوشكة" و"وادي غريان" و"وادي قطارة" و"وادي كعام" و"وادي لبدة" و"وادي مجينين"، بينما يوجد في درنة سدان موسميان، ووفق متخصصين في علم الجيولوجيا، فإن هذه السدود جميعها غير مهيأة لتجميع نسبة عالية من مياه الأمطار بغية استغلالها في مرحلة موالية لإثراء المخزون المائي الذي يعتمد فقط على ما يجود به النهر الصناعي الذي أنشأه معمر القذافي عام 1984، مما جعل الدولة الليبية تعاني الإجهاد المائي الذي يتربص بنموها الاقتصادي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفقاً لتقرير صادر في الـ16 من أغسطس (آب) الماضي عن معهد الموارد العالمية WRI))، تصنف ليبيا ضمن الدول الـ 25 الأكثر تعرضاً للإجهاد المائي على مستوى العالم بسبب استخدامها أكثر من 80 في المئة من إمداداتها المائية المتجددة للري وتربية الماشية والصناعة وبقية الحاجات المنزلية. 

وحذر التقرير نفسه من أن ليبيا والسعودية والمغرب ومصر وتونس والإمارات والعراق واليمن والأردن وفلسطين والجزائر ستكون عرضة لأخطار نفاد المياه، وفي هذا الصدد أكدت المتخصصة الليبية في علم الجيولوجيا ياسمين الأحمر أن الكارثة التي حلت بدرنة تسهم فيها بنسبة 50 في المئة تقريباً البنية المتهالكة لسدود المدينة، بحيث لم تتم صيانتها منذ 50 عاماً، موضحة أن ما تعانيه درنة اليوم ليس جديداً، فسبق أن شهدت المدينة فيضانات في أعوام 1941 و1956 و1959، مما تطلب تشييد سدين هما سد "البلاد" وسد "منصور" جنوب مدينة درنة عام 1977 اللذان تسببا في الكارثة الحالية.

سدود بمواصفات علمية

تقول الأحمر إن "سدَّي درنة لم تطرأ عليهما أية عملية صيانة منذ إنشائهما على رغم التسريبات الحاصلة فيهما والتي تسببت في فيضانات عامي 1982 و1986، إضافة إلى تسريب مائي عام 2011، مؤكدة أن جميع الحكومات المتعاقبة على ليبيا منذ انهيار نظام الرئيس الراحل معمر القذافي لم تفكر لا في صيانة السدود الحالية ولا في تشييد سدود بمواصفات علمية صحيحة تقلل من نسبة الشح المائي الذي يتربص بالأمن القومي الليبي، فالعاصفة الأخيرة بينت أن ليبيا لا تتوافر على سدود بالمواصفات الصحيحة وتجلى ذلك في الانهيار الذي حل بسدَّي درنة".

وأوضحت المتخصصة في الجيولوجيا والسياسات المائية أن هناك عوامل عدة يجب أخذها في الاعتبار عند بناء السدود لتجميع مياه الأمطار واستغلالها في إثراء المخزون المائي، على رأسها العامل الهيدرولوجي الذي يعنى بالمتغيرات المناخية التي قد تعصف بمكان إنشاء السدود والذي يحتكم بدوره إلى البيئة الاقتصادية والاجتماعية للدولة، فعلى سبيل المثال تشييد سدَّي درنة لم يأخذ في الاعتبار كل العوامل المذكورة، فضلاً عن غياب الصيانة الدورية للتأكد من نسبة صمودهما في وجه التغير المناخي.

ونوهت إلى أن هناك إهمالاً بهذا الصدد من قبل السلطات الرسمية في ليبيا، إذ سمحت بالبناء العشوائي على طرفي السدين في درنة، مما ألحق بهما ضرراً جسيماً.

 

 

وأضافت أن ليبيا تعاني الإجهاد المائي وكان الأحرى بها تحويل كل نقطة مطر إلى نعمة لا نقمة من خلال بناء سدود ذات سعة تخزينية عالية جداً لاستيعاب مياه الأمطار والفيضانات الذي لم يحدث، إضافة إلى أن عملية فتح بوابات السدود بين فترة وأخرى حتى تتجهز لاستقبال كميات مياه جديدة غائبة تماماً. 

ودعت الأحمر السلطات الليبية إلى الالتفات لمعالجة مياه الصرف الصحي واستخدامها في الزراعة، إضافة إلى تحلية مياه البحر، بخاصة أن ليبيا تتوافر على شريط ساحلي يمتد قرابة 2000 كيلومتر، ليقع توزيعها في مرحلة موالية عبر منظومات محكمة تصل إلى جميع المواطنين لأن هناك أماكن في ليبيا لا تصل إليها إمدادات مياه النهر الصناعي وتتغذى فقط على مياه الآبار الجوفية العشوائية بمياهها الملوثة في معظم الأحيان نتيجة اختلاطها بمخلفات الصرف الصحي.

وطلبت كذلك التسريع في تركيز عملية الحصاد المائي عن طريق إنشاء سدود وخزانات لجمع مياه الأمطار خلال فصل الشتاء لتلبية حاجات المدارس والمنشآت العمومية كمرحلة أولية في الأقل حتى تتجاوز ليبيا مربع الإجهاد المائي. 

خزانات جوفية 

من جهته أبرز عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الليبي علي التكبالي أن سدود ليبيا الحالية تعاني التصدعات ولا يوجد أي تحرك من قبل الحكومات المتعاقبة لصيانتها على رغم مطالبتهم بذلك كبرلمان.

وعزا عضو اللجنة في تصريح إلى "اندبندنت عربية" غياب إنشاء السدود إلى الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة، فعلى رغم أن وزارة الموارد المالية تصرف موازنتها كل عام فإنها لم تنجح في تشييد سد واحد لتخزين مياه الأمطار، داعياً السلطات الرسمية إلى التوجه سريعاً للاسترشاد بالتجربة الأميركية المتمثلة في إنشاء خزانات جوفية لتخزين مياه الأمطار منعاً لتبخرها.

وقال التكبالي إن هذه التقنية موجودة في كل من الإمارات ومصر، وتتمثل في إدخال المياه إلى خزانات جوفية طبيعية بواسطة آبار إعادة شحن تحفر خصيصاً لهذا الأمر، وهي ذات هدفين الأول تخزين مياه الأمطار والثاني تغذية المياه الجوفية التي بدأت بالنفاد.

ودعا عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة، مكتب النائب العام الليبي إلى فتح تحقيق بخصوص عدم صيانة السدود ومتابعة منسوبها المائي منذ انهيار نظام القذافي عام 2011، بخاصة سدَّي درنة، قائلاً لـ"اندبندنت عربية" إن كارثة درنة سببها الرئيس عدم صيانة السدود على رغم مطالبة المجلس البلدي لمدينة درنة بذلك منذ 2013.

وأردف بن شرادة أن دراسة أجريت العام الماضي نبّهت لحدوث كارثة في درنة متوقعة انهيار سدَّيها، لكن المسؤولين لم يستجيبوا لهذه التحذيرات.

المزيد من متابعات