Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل صار عمل المرأة في الجزائر وبالاً عليها؟

محاولتهن لإثبات الذات دفعت أزواجهن لإلقاء الأعباء عليهن كاملة

أوضاع الجزائريات شهدت تغيرا بعد حصولهن على فرص التعليم والتوظيف (أ ف ب)

ملخص

جزائريات تصدين لمسؤوليتي العمل والمنزل معا حتى أصبحن يشتكين من تخلي أزواجهن عن المسؤويات كاملة.

تخرج الكلمات بجهد من فم نساء الجزائر، عندما يفتح النقاش حول ازدواجية الأدوار الأسرية والاجتماعية في حياتهن اليومية، ويبدو هذا الملف شائكاً تبحث فيه الجزائريات عن حلول لارتباطها بتحديات تواجهها الأسرة في العشرية الأخيرة.

يعتبر متخصصون أن تناول ملف المرأة "مغامرة غير محسوبة النتائج"، في ظل وجود خطابين الأول يدافع عن "حقوقها المكتسبة" من دون النظر إلى ما تكابده من كثرة المسؤوليات وآخر يقيدها في فضاء واحد على اعتبار أن النظرة المجتمعية تضع المرأة في البيت وتختصرها في أدوارها التقليدية (تنشئة الأبناء والعمل المنزلي)، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى نقاشات عقيمة لا تعالج الواقع وإنما تُميعه أكثر.

الظاهر أن انفتاح المرأة على الحياة العامة يمثل إحدى ركائز التغيير الاجتماعي والاقتصادي وسمح لها بتغيير مكانتها وأوضاعها مستفيدة من فرص التعليم والعمل والكسب، بيد أن تراكم الأدوار بدأ ينعكس على حالتها النفسية والجسمانية، وهنا تطرح التساؤلات، هل المرأة من بالغت في لعب أدوار مختلفة أم إن الرجل أصبح أكثر اتكالية لاستفادته من الوضع القائم؟

بين الداخل والخارج

تقول فاطمة وهي عاملة جزائرية في القطاع الخاص، إن "المرأة لم تكلف نفسها إنما الضغوط المجتمعية من أجبرتها على تحمل مسؤوليات ليست من واجبها".

وترى أن "كثيراً من الرجال في مجتمعاتنا تخلو عن عديد المسؤوليات لتجد المرأة نفسها بخاصة ربات البيوت والنساء العاملات يتحملن المسؤوليات التي تخلى عن تحملها الرجال في مجتمع بات يكتفي فقط بتحمل مسؤولية الإنفاق على البيت، بالاشتراك أيضاً مع الزوجة".

وتذهب إلى أن "المرأة تعيش مساومة غير معلنة في التخلي عن الأعراف الماضية لكن بكسب أعراف جديدة، مثلاً بعض النساء تخلى في مجتمعاتهن من عرف الزواج المبكر وأن المرأة لا يجب أن تعمل، في المقابل دخلن في قفص مسؤوليات مادية باتت ترمى على عاتقهن بشكل يومي وكأنهن يدفعن ضريبة اختيارهن للتعلم والعمل والنجاح، وكأن المجتمع يريد أن يقول لهن، أنتن من اخترتن فلتتحملن مسؤولية قراركن".

تدير امرأة الألفية الجديدة في الجزائر شؤون الأسرة من رعاية الزوج وتنشئة الأبناء، إضافة إلى أعباء جديدة أخرى امتدت إلى شراء الأغراض المنزلية ودفع الفواتير والتحضير للعطلة السنوية، وكذلك الالتزامات مع الأسرة الكبيرة وربما التزامات أخرى تختلف من أسرة إلى أخرى.

وبدأت المرأة في ظل هذا الوضع تبحث عن بدائل تعينها عن التوفيق بين الدورين الداخلي والخارجي، وأصبحت كثيرات منهن تستعِنّ بالمربية وحتى الخادمة لتساعدهن في القيام ببعض أدوارهن المنزلية.

السرطان ينهك "الجسد العربي" وفجوة الرعاية تتسع
تشير التوقعات إلى أن العبء الأكبر الناجم عن الإصابات بالسرطان بحلول 2030 سيكون من نصيب شرق المتوسط حيث تقع غالبية الدول العربية. فكيف يبدو وضع هذا المرض في دولنا اليوم؟ التفاصيل في المجهر.
Enter
keywords

 

تناقض الدورين

يرصد المتخصص في علم الاجتماع يوسف حنطابلي، أن "المجتمع الجزائري أفرز قيماً جديدة، إذ أعطى للمرأة شرعية التحرك في الفضاء العام من دون أن يكون هناك رد فعل من طرف المجتمع، وهي حقوق جديدة لم تكن مكتسبة في المجتمع التقليدي".

وقال حنطابلي في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، إنه "أصبح للمرأة مسؤولية مرتبطة بالاهتمام بالزوج والأبناء والأسرة لكن دخولها في الفضاء الجديد جعلها مزدوجة الأعباء ولم يعط المجتمع لها الفرصة للتوفيق بين الدورين فهو ينظر إليها بمنطق عرفي تقليدي وهي تنظر لنفسها بمنطق عصري وهاتين النظرتين أدخلتا المرأة في تناقض".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبين نظرة المرأة لذاتها ورؤية المجتمع لها، تحملت المرأة الجزائرية أعباء مزدوجة وفي بعض الأحيان متناقضة ومتضاربة بالتالي زادها عناء عن العناء الأصلي بضرورة التربية والاهتمام بالمنزل والزوج، والدوران جعلاها في وضعية حرجة"، وفق المتخصص الجزائري.

ويشير حنطابلي إلى أن "المرأة تقاسمت الأعباء المادية مع الرجل لكن على مستوى تربية الأبناء ترتب عليها مشكلات في ما يخص الرعاية العاطفية والأخلاقية، ونتيجة التناقض لا تظهر سريعاً وإنما بعد سنوات".

أمام هذا الوضع، تبدو الحلول قليلة أو في الأقل غائبة عن النقاش حالياً، بحسب ما يراه الأكاديمي المتخصص في علم الاجتماع "يمكن أن يخلق المجتمع ميكانيزمات حتى يكون انسجاماً بين الدورين للمرأة مثلما بدأت تذهب إليه المجتمعات الأوروبية التي تعيش نقاشات هي الأخرى حول ازدواجية الأدوار وباتت تنظر إلى المرأة التي قررت المكوث في المنزل كعاملة من خلال دفع راتب شهري لها لأنها مربية الأجيال".

الحياة التشاركية

أسماء مناد المرشدة الأسرية والتربوية تعتبر بدورها أن تركيبة وطبيعة المجتمع الجزائري تغيرت كثيراً وتغير معها شكل الأسرة وأدوار الرجل والمرأة داخلها، موضحة أن بعض النسوة وجدن أنفسهن مجبرات على لعب أدوار متعددة في المجتمع في حالات لا يكون فيها الزوج قادراً على تلبية كل النفقات أو مريض أو متوفى وهي حالات تستحق فيها المرأة الإشادة نظراً لتضحياتها من أجل نفسها وأسرتها.

وتشير إلى "الحالة الثانية التي فضلت المرأة فيها بإرادتها قيادة الحياة الزوجية، عبر العمل خارج المنزل وداخله من دون توقف أو توازن أو ترتيب الأولويات فحملت أعباء زيادة على أعبائها وتركت الرجل يتكل عليها، وبدلاً أن تكون ذكية وتشركه معها وتشجعه للقيام بأدواره قالت له تنحى وأنا سأحمل مسؤولياتك وقد يكون ذلك بحثاً عن وهم المثالية، مما أدى إلى إنهاك صحتها وجهدها لعله فقط حتى تثبت ذاتها ويقال عنها قوية".

وتضيف المتخصصة في الإرشاد الأسري "على المرأة أن تكتفي بواجباتها كزوجة وأم فقط، لتجبر شريكها على أن يتعود على تحمل المسؤولية، حتى لو كانت قادرة على القيام بكل الواجبات، لكنها مع الوقت لن تستطيع استكمال المهمة".

من المسؤول؟

وبينما تتخوف جمعيات مدافعة عن حقوق المرأة من النقاشات التي تتحدث عن ازدواجية الأدوار وترى أنها محاولات لإعادة المرأة إلى المنزل وحرمانها من حقوق افتكتها بعد نضالات طوال مع الأعراف المجتمعية التي حاولت تقييدها بداعي أن مكانها هو المنزل ولا دون سواه.

تقول الإعلامية آمال عباس، إن لكل مجتمع أعرافه وموروثه الاجتماعي، الذي يتغير من جيل لآخر، بمعنى أنه غير ثابت، أي ما قد يكون حقيقة -لمجموعة ما- اليوم... غداً يصبح وهماً وغير معترف به وهذه هي سيرورة المجتمعات منذ نشوئها، وبطبيعة الحال هذه الأعراف تأثيرها على الجميع لكن بشكل أكبر على المرأة".

وتقدم مثالاً على قضية الزواج التي كان المورث الاجتماعي فيها يفرض الزواج على المرأة في سن معينة (25 سنة) وإذا تجاوزت هذه السن يطلق عليها لقب "بايرة"، والمرأة خوفاً من أن تصل إلى هذه المرحلة تضطر إلى القبول بأي رجل يتقدم لها من دون أن تكون لها حرية الاختيار، وهذا ظلم في حد ذاته لأنه إذا لم يكن لها القرار وحرية اختيار شريك حياتها لن تبني أسرة سعيدة وسيكون زواجاً فاشلا".

بحسب الإعلامية الجزائرية المهتمة بشؤون المرأة "في ظني ارتفاع نسب الطلاق في السنوات الأخيرة يعود لهذا الأمر، المرأة هرباً من أعراف المجتمع تتزوج أي شخص لتكتشف بعد مدة أنها غير سعيدة، وأن هذا الرجل لم تختره وإنما خوفاً من عدم الزواج ونظرة المجتمع لها هي ما تجعلها تتسرع في الزواج، هذه النظرة لم تعد عائقاً لها، فتقرر الطلاق وإعادة حياتها من جديد، وهنا نصل إلى أن من أسهم في وضع هذه الأعراف وكان يعتقد أنها تصلح لكل زمن، هي في الحقيقة لم تعد كذلك اليوم".

وتعتقد آمال عباس، أن "الموروث الاجتماعي هو ضد الطبيعة والحقيقة، يعني أن المجتمع فرض على المرأة أموراً في البداية اعتقدت أنها هي هكذا طبيعتها. مع الوقت اكتشفت أنها أوهام فرض عليها من أجل مصلحته هو لا من أجل مصلحتها، ومع عصر التكنولوجيا واكتشافها للحياة ولطبيعتها الحقيقية ثارت ضد كل تلك الأوهام".

وتشير إلى أن "المشكلة في تفكير الرجل الباطني الذي لا يزال -رغم تقبل الدور الجديد للمرأة- يعتقد أن مكانها هو البيت"، موضحة أنه "على المرأة أن تقرأ التاريخ حتى تكتشف أنها بعيدة عن الصراع الكلاسيكي وأن الأصح اكتشافها لذاتها".

قطبا الإنسانية

لا يبدو الأمر صراعاً بين الرجل والمرأة بقدر ما هو اختلال في التوازن بين تقاسم الأدوار، كما يقول متخصصون، ففي وقت تحاول المرأة إثبات نفسها داخل المنزل وخارجه حتى لو على حساب صحتها، يظهر الرجل وكأنه مستفيد من الوضع ظاهرياً لأنه تخلى على جانب من مسؤولياته، من دون اكتراث الطرفين إلى أن هناك طرفاً ثالثاً متأثراً في المعادلة وهم الأطفال، أي أجيال المستقبل.

هذه الإشكالية طرحها حتى المفكرون نظراً لأهميتها، وهو ما ذهب إليه المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي في كتابه "شروط النهضة"، عندما يقول إن "قضية المرأة ليست قضية يتم البحث فيها بعيداً من قضية الرجل، بل القضيتان معاً في حقيقتيهما قضية واحدة، وهي قضية "الفرد والمجتمع".

وهنا يرى بن نبي أن "المرأة والرجل قطبا الإنسانية، ولا معنى لأحدهما بغير الآخر، فلئن كان الرجل قد أتى في مجال الفن بالمعجزات، فإن المرأة قد كونت نوابغ الرجال. ونحن نرى لزاماً علينا أن يكون تناولنا للموضوع بعيداً من تلك الأناشيد الشعرية، التي تدعو إلى تحرير المرأة، فالمشكلة لا تتحدد في الجنس اللطيف فحسب أو في بنات المدن أو بنات الأسر الراقية، بل هي فوق ذلك تتعلق بتقدم المجتمع وتحديد مستقبله وحضارته".

ويرى أن "المرأة خادمة للحضارة، وملهمة لذوق الجمال وروح الأخلاق، ذلك الدور الذي بعثها الله فيه أماً، وزوجة للرجل. وحبذا لو أن نساءنا عقدن مؤتمراً عاماً يحددن فيه مهمة المرأة بالنسبة لصالح المجتمع، حتى لا تكون ضحية جهلها، وجهل الرجل بطبيعة دورها فإن ذلك أجدى علينا من كلمات جوفاء ليس لها في منطق العلم مدلول".

وختم حديثه، "لا أرى مشكلة المرأة في الشيء الذي يحله قلم كاتب في مقال أو في كتاب. ولكني أرى أن هذه المشكلة متعددة الجوانب، ولها في كل ناحية من نواحي المجتمع نصيب، فالمرأة كإنسان تشترك في كل نتاج إنساني أو هكذا يجب أن تكون".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير