Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غاية بوتين ليست الجنود والأسلحة بل الحلفاء الدبلوماسيون

لا تضيعوا في روايات إتجار روسيا بجنود من كوبا أو محاولتها التقرب من كيم جونغ أون طلباً للصواريخ

سفر كيم جونغ أون إلى الخارج مؤشر على رغبته بعقد الاجتماع المماثلة لرغبة بوتين إن لم يكن أكثر    (أ ب)

لا ريب في أن أي محاولة لتقييم حالة نزاع عسكري مسألة خطرة. وهذا يصح أياً كان المنظور تقريباً: سواء جغرافياً، من قلب ساحة القتال أو عن بعد، أو حتى من الناحية الأخلاقية، سواء كان المرء يقف إلى جانب الضحية تماماً، أو يميل نحو المنظور الأبعد، من حيث السبب والأثر.  

وقد ازدادت التعقيدات في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، إذ لا لبس بين الحق والباطل المباشر والآني، كما أن أكثرية التقارير، التي تصل الجزء الأكبر من العالم الغربي، صدرت من أوكرانيا.

وإحدى النتائج التي ترتبت على هذا، برأيي، هي النظرة المتهورة وغير المسؤولة أحياناً عن تقدم أوكرانيا، وهي تقوم جزئياً على مقاومتها الباسلة خلال الأشهر الأولى، التي قابلتها مبالغة أكبر بعد لمدى سوء وضع روسيا بنيت على فشلها الواضح في تنفيذ خطتها الأولية التي قضت بتغيير النظام في كييف بالقوة، إضافة إلى حصيلة الضحايا التي أعلنتها أوكرانيا.  

لكن، خلافاً للتوقعات بأن يحرز أي من الطرفين انتصاراً سريعاً، لا يزال القتال يستعر بعد مرور 18 شهراً. وعلى رغم أن بعض الأوساط الواثقة جداً حتى الآن بانتصار أوكرانيا بدأت ترى الكلفة الدموية التي تتكبدها أوكرانيا على الصعيد البشري، لم يختف الاعتقاد أن روسيا في ورطة، أو أنها في ورطة أكبر بعد، تماماً كما لم يختف الأمل بأن يكون انتصار أوكرانيا على بعد خندق واحد فقط.

قد يكون هذا المنظور هو الأدق. وربما، كما تشير بعض التقارير، أصبح الهجوم الأوكراني المضاد الذي شن في الصيف على وشك أن يخترق خطوط الدفاع الروسية الثلاثية، ويقطع الجسر الأرضي بين روسيا والقرم وربما يدمر جسر كيرتش الذي بنته فوق البحر كذلك.

عندها، قد تكون أوكرانيا قريبة من تحقيق ما بدا، ولا يزال يظهر أنه أكثر أهدافها طموحاً، أي استعادة شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا في عام 2014 كما الأراضي التي خسرتها منذ ذلك الوقت.

إنما يبدو لي أن بعض العناصر التي تعتبر الآن مؤشرات إلى محنة روسيا الكبيرة المزعومة ليست كذلك أبداً، كما أن تفسيرها على هذا الشكل يحمل خطر تغذية وهم خطر.

أحد هذه المؤشرات هو اللقاء المرتقب بين فلاديمير بوتين وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ-أون. ومن بينها أيضاً تقرير يتكلم عن "اتجار" روسيا بمرتزقة من كوبا، بغية نشرهم على الجبهة. وقد نضيف نقطة ثالثة هي ذلك العنوان الحماسي من لندن بأن الحكومة البريطانية بصدد حظر شركة فاغنر الروسية العسكرية الخاصة (المرتزقة) بموجب قانون مكافحة الإرهاب، كما لو أن مجموعات مسلحة صغيرة تابعة لها تهدد شوارع لندن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فلنتناول هذه العناصر بالترتيب العكسي: يبدو أن توقيت تحرك المملكة المتحدة ضد فاغنر خاطئ، على أقل تقدير، ما لم يكن الهدف منه التذكير بالشرخ الظاهري في الجهد العسكري الروسي، الذي ما عاد يرقى حد الشرخ منذ وقوع طائرة تحمل زعيم المجموعة يفغيني بريغوجين.

لكن التفسير الأكثر منطقية لهذا القرار هو أنه قد يتيح لأوكرانيا المطالبة بتعويضات بعد الحرب. مع أنه ليس من المؤكد أن فاغنر نفسها ستظل موجودة، أو حتى قادرة على تسديد التزاماتها المالية، بحلول ذلك الوقت. إنما لو نظرنا إلى هذه الخطوة باعتبارها تصرفاً رمزياً، يمكننا أن نقول إنها تعبير عن رغبة بالمساعدة. 

نصل إلى موضوع كوبا. يقدر عدد الكوبيين الذين جندوا أو "تم الاتجار بهم" بحسب المزاعم، للمشاركة بالجهد الحربي الروسي، بـ100 شخص. إن كان الجيش الروسي يعاني نقصاً في عديده، وهو ما يسعى هذا الزعم إلى إثباته، فـ100 شخص لن يحلوا مشكلته. وربما صحيح أن الكرملين يسعى إلى تفادي تعبئة جديدة، مثل تلك التي أدت إلى هجرة نحو 700 ألف شاب روسي من البلاد في هذا الوقت من العام الماضي.

لكن عملية التجنيد من الخارج هذه، إن كانت كذلك بالفعل، تبدو أقرب إلى الأممية في الحقبة السوفياتية منها إلى مساهمة واقعية حقيقية في تعزيز القوات الروسية. فالتكهن بأن المساهمة الضئيلة لكوبيين مؤشر إلى نفاد القوات في روسيا لتوهم شديد.

وينسحب هذا التوهم أيضاً على ذلك الزعم بأن روسيا تعاني نقصاً في السلاح لدرجة تدفع بالسيد بوتين إلى توسل كوريا الشمالية إعطائه بعضاً من أسلحتها. لو كان ذلك الهدف الوحيد، أو الأهم، للاجتماع الوشيك المقترح بين بوتين وكيم الأسبوع المقبل، فحال الجيش الروسي خطر فعلاً. وقد تكون هذه القراءة هي الصحيحة، ربما.

لكن هل يمكن اعتبار كوريا الشمالية حقاً مقصداً لإمدادات السلاح؟ ربما يمتلكون مخزوناً فائضاً عن الجيش الأحمر يعود إلى حقبة الحرب الكورية وما تريده روسيا هو تعزيز بعض قدراتها القديمة. ربما، لكننا سمعنا أخباراً مخيفة عن إمدادات السلاح أكثر من مرة قبل الآن، وقد جاء الخبر هذه المرة من المصدر نفسه.

منذ ستة أشهر، حذر المسؤولون الأميركيون الصين من إمداد روسيا بالسلاح على رغم عدم وجود أي مؤشر إلى نية كهذه لديها، مقابل وجود وفرة من المؤشرات على أنها تفضل البقاء على الحياد، واتضح أنها كانت في الحقيقة على وشك طرح خطة للسلام تلعب فيها دور الوسيط.

وكانت الولايات المتحدة هي أيضاً من ألقى الطعم في شأن رغبة روسيا "على ما يبدو" بالحصول على قذائف مدفعية من كوريا الشمالية، في خطوة بدت مدروسة لاستقطاب الجبهة الداخلية، كما الجبهة الداخلية في حليفتها كوريا الجنوبية. ربما ليس من قبيل المصادفة أن هذه التقارير بدأت تنتشر مع انطلاق المناورات العسكرية السنوية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية التي سميت "درع الحرية أولشي".

من المزمع انعقاد الاجتماع بين بوتين وكيم في ميناء فلاديفوستوك على المحيط الهادئ، وكون السيد كيم هو من سيسافر إلى الخارج (ولو على متن قطار مصفح على الأرجح) مؤشر إلى رغبته التي تضاهي، أو تتفوق حتى، على رغبة السيد بوتين في عقد الاجتماع.

وهو مؤشر كذلك إلى أنه في حال إبرام أي صفقات لتبادل الأسلحة، فالسيد كيم مهتم بما تمتلكه روسيا، بقدر اهتمام السيد بوتين بالقذائف والصواريخ المضادة للدبابات التي تمتلكها كوريا الشمالية، على أقل تقدير. ربما من المجدي الإشارة إلى أن ذوبان الجليد في العلاقة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية عندما التقى دونالد ترمب السيد كيم، قد عكس مجدداً أثناء ولاية جو بايدن ويحتمل أن زعيم كوريا الشمالية يبحث عن أصدقاء جدد/ أو قدامى.

وربما ينطبق الأمر نفسه على روسيا، إذ يحتمل أن موسكو تنظر إلى الاجتماع باعتباره تمريناً في الدبلوماسية أكثر منه فرصة للتزود بالسلاح. وفي هذا السياق، يعتبر جزءاً من المحاولة الأوسع التي يقوم بها بوتين لكي يبرهن لدول الغرب فشل مساعيها في عزل روسيا التي تمتلك بدائل.

استقبل بوتين الأسبوع الماضي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سوتشي (على البحر الأسود). ومن شأن الرحلة إلى فلاديفوستوك أن تظهر روسيا بمظهر قوة لديها علاقات في الشرق والغرب والجنوب. حرص بوتين أيضاً على الحفاظ على علاقات متوازنة وطبيعية مع الصين وربما ذلك ليس من أجل الأسلحة بقدر ما هو من أجل ضمان سوق نمو للغاز والنفط، وعقد اجتماعات منتظمة مع شي جينبينغ.  

لسبب غير معروف، لن يحضر أي من بوتين أو شي اجتماع قمة الـ20 المنعقد خلال عطلة نهاية الأسبوع هذه في الهند، ربما السبب بالنسبة إلى بوتين هو رغبته بتجنب المعاملة الباردة للأعضاء المؤيدين للغرب، فيما يقال إن شي لا يرغب بلقاء بايدن.  

لكن الإشارة التي يرسلها غيابهما قد تكون أهم.

فالاثنان يعملان على توسيع مجموعة بريكس من طريق ضم المزيد من الاقتصادات "الناشئة"، لخلق بديل عن مجموعة الـ20، وموازنة ثقل مجموعة الدول السبع.

دارت بعض التكهنات بأن أحد أهداف اجتماع بوتين في سوتشي كان إقناع تركيا بالانضمام إلى مجموعة بريكس، إضافة إلى الأعضاء الستة الذين انضموا أخيراً ومن بينهم الأرجنتين ونيجيريا ومصر.

بقيادة روسيا والصين، يمكن أن يغير بريكس الموسع، باعتباره تجمعاً وصوتاً لما يسمى "الجنوب العالمي"، النظام الدولي بشكل شامل، لا يقل من طريقة تغيير الحرب في أوكرانيا لشكل أوروبا.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من آراء