Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تنهي تونس معاناة الآلاف مع الشيكات من دون رصيد؟

7200 مواطن يقبعون في السجون بسبب عدم خلاص الصكوك وسط مطالبات بحلول ناجزة

منظمات مهنية واقتصاديون يقترحون اعتماد الصك الإلكتروني لتفادي الإشكاليات (أ ف ب)

ملخص

عدد الفارين من الأحكام يقدر بـ420 ألفاً من بينهم 10800 شخص هربوا إلى خارج التراب التونسي

تستعد تونس لتنقيح جذري وعميق لمنظومة الصكوك البنكية من دون رصيد، إذ أصبحت تشكل "صداعاً" قوياً في رأس الحكومات المتعاقبة وملفاً مضنياً للسلطات القضائية ومرهقاً لآلاف المتعاملين ومعوقاً للاستثمار.

على امتداد عقود ظل التعامل بالصكوك البنكية في تونس سيفاً مسلطاً على رقاب المتعاملين الاقتصاديين فمصيرهم معلق بصك بنكي قد يكون سبباً في سجنهم وتحطيم حياتهم المهنية، بخاصة العائلية.

بحرقة شديدة تحكي مروى الهدار قصتها مع الصكوك البنكية التي تسببت في دخولها السجن لتقضي عقوبة عام كامل في الإيقاف، وقالت إنها تجربة مريرة أثّرت فيها نفسياً ومادياً جراء التعامل بالصكوك البنكية.

أضافت هذه الشابة الأربعينية أنها كانت تملك شركة صغيرة لتنظيم حفلات الزفاف، لكن بسبب تداعيات أزمة "كوفيد-19" والإجراءات الوقائية التي فرضتها السلطات التونسية آنذاك، توقف نشاط الشركة تماماً ولم تستطع مجابهة المصاريف، لا سيما الإيفاء بالتزامات عدد من المزودين الذين تعاملت معهم بواسطة الصكوك البنكية.

وأردفت "انقلبت حياتي رأساً على عقب، إذ انهمرت عليّ الصكوك البنكية وحاصرتني من كل جهة، إلى جانب تنبيهات المزودين بدفع الصكوك إن لم أقم بخلاص الديون".

على إثر ذلك، وجدت الشابة نفسها في غضون بضعة أشهر تقبع في السجن جراء الصكوك البنكية داعية السلطات التونسية المعنية إلى إيجاد حل جذري وعميق لهذه المسألة التي صارت معرقلة لمبادرات الشباب التونسي وأحد أبرز عراقيل دفع الاستثمار في البلاد قدماً.

تخفيف الإجراءات القضائية

تتجه السلطات بمبادرة من رئيس الجمهورية قيس سعيد نحو تخفيف الإجراءات القضائية المتعلقة بقضايا الصكوك من دون رصيد استجابة لدعوات مئات آلاف التونسيين الملاحقين في هذا النوع من القضايا وآخرين يقبعون في السجون لعدم القدرة على الخلاص، معظمهم من صغار المستثمرين وأصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة.

وانتظمت  بوزارة العدل، الإثنين في 21 من أغسطس (آب) 2023، جلسة عمل خصصت للنظر في مشروع قانون يتعلق بتنقيح الفصل 411 من المجلة التجارية، المعروف بـ"قانون الشيكات"، وتنص المادة المذكورة من القانون التجاري التونسي على أن "يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام وبخطية (غرامة) تساوي 40 في المئة من مبلغ الشيك أو من بقية قيمته على أن لا تقل عن 20 في المئة من مبلغ الشيك أو بقية قيمته كل من أصدر شيكاً بلا رصيد وقابلاً للتصرف فيه أو كان الرصيد أقل من مبلغ الشيك أو استرجع بعد إصدار الشيك كامل الرصيد أو بعضه أو اعترض على خلاصه".

وأفادت وزيرة العدل ليلى جفال بأن مشروع القانون يندرج ضمن دعم دور العدالة في دفع الاقتصاد الوطني وتطوير المنظومة التشريعية في مجال قانون الأعمال مع مراعاة الظروف الاجتماعية والمالية للمتعاملين الاقتصاديين وأصحاب المؤسسات، بخاصة الصغرى منها والمتوسطة.

ووفق المعطيات التي حصلت عليها "اندبندنت عربية" في هذا الخصوص، تتجه النية إلى إقرار إجراءات مهمة من ضمنها إمكان إلغاء عقوبة السجن السالبة للحرية لمصدر الصك البنكي من دون رصيد مع إلزامه دفع أصل الدين لضمان حق المدين.

وكان سعيد أكد في مناسبات عدة ضرورة تطوير التشريعات المالية لا سيما قانون الشيكات، إذ تحدث في لقاء جمعه بوزيرة العدل، في 23 من مايو (أيار) الماضي، عن مشروع قانون يتعلق بإجراء تغيير على الفصل 411 من المجلة التجارية، وقال "يجب أن يقوم مشروع القانون على تحقيق التوازن المنشود بين حقوق الدائنين من جهة التي يجب أن تكون محفوظة، وإخراج من تم الحكم عليهم لإصدار صكوك من دون رصيد من السجون من جهة أخرى، فلا الدائن منتفع ولا من يقبع في السجن قادر على تسوية وضعيته من وراء القضبان".

أخطار قائمة

من جهته، كشف المتخصص المالي بسام النيفر في حديث إلى "اندبندنت عربية" عن أن شركة المقاصة (مؤسسة تابعة لكل المصارف التونسية) عالجت خلال النصف الأول من العام الحالي 12541200 صك بقيمة 59.4 مليار دينار (19.8 مليار دولار) ويبلغ معدل قيمة كل صك في تونس 4730 ديناراً (1576.6 دولار) مقابل 3800 دينار (1266.6 دولار) في الفترة نفسها من العام الماضي، ويعزى هذا الارتفاع في قيمة الصك إلى نقص عدد الصكوك المتداولة في البلاد، كما أن العدد الإجمالي للصكوك التي عالجتها شركة المقاصة تراجع بنسبة 12 في المئة بالمقارنة مع العدد المتداول العام الماضي.

وقدر النيفر قيمة الصكوك المرفوضة من دون رصيد خلال الربع الأول من العام الحالي بـ 800 مليون دينار (266.6 مليون دولار) أي 2.75 في المئة من إجمالي الصكوك المعالجة، ويرى أن من ضمن أسباب تجريم استعمال الصكوك البنكية في تونس اعتمادها كوسيلة دفع في مختلف المعاملات المالية والتجارية أو حتى الشخصية، معتبراً أن استعمال الصك البنكي لم يعد في موقعه ومكانه الطبيعي مما طرح الأزمة الراهنة وفي مقدمتها أن الاستعمال الخاطئ للصك قد يؤدي إلى السجن، ولفت إلى أن عدداً من التجار فقدوا الثقة بالصك البنكي لأنه بكل بساطة أضحى وسيلة سهلة للغش والتحايل بإصدار الصك في التعاملات التجارية والمالية من دون أن يكون لصاحب الشيك رصيد بنكي، واقترح بسام النيفر وجوب أن يكون إصلاح الصكوك البنكية في اتجاه استعمال الصك كوسيلة دفع فوري، علاوة على اقتراح إحداث وحدة مركزية للأخطار في البنك المركزي للتثبت من أن صاحب الشيك له رصيد بنكي أو لا بهدف تقليص الإشكالية المرافقة للصكوك قدر الإمكان.

نزع تجريم إصدار الصكوك من دون رصيد

واستعرض المعهد العربي لرؤساء المؤسسات وهو مؤسسة أبحاث تونسية مقاربته لإصلاح منظومة الشيك من دون رصيد ضمن ورقة أعدها للغرض على إثر الجدل الكبير الحاصل في البلاد خلال الأشهر الأخيرة والضغط على السلطة التنفيذية من أجل إيجاد حل لآلاف الوضعيات القانونية المعقدة.

ويطرح المعهد ثلاثة مقترحات رئيسة أو مسالك تفكير حول مختلف الإشكاليات التي قد تنجر عن نزع التجريم والتي لا يجب السهو عنها، وتتعلق الفكرة الأولى بارتباط التنقيح بالمنظومة الدولية لحقوق الإنسان والتي تمنع سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بإلزام تعاقدي وهي من الحقوق غير القابلة للانتقاص بمعنى أنه لا يمكن للدولة أن تحتج بوجود ظروف استثنائية لتعليق الالتزام المحمول عليها باحترام الحق في عدم التنفيذ على المدين ذاته، وتتمثل الفكرة الثانية في ضرورة الموازنة بين مصلحة المدين بنزع التجريم عن إصدار الصكوك من دون رصيد ومصلحة الدائن في استخلاص دينه بأيسر السبل وفي أقرب الآجال من خلال إيجاد حلول بديلة تتمثل في تفعيل شركات الاستعلام الائتماني التي تلعب دوراً مهماً في توفير المعلومة للمتعاملين الاقتصاديين بعد تقييم قدرة الأشخاص الطبيعيين والمعنويين على الوفاء بالتزاماتهم.

أما الاقتراح الثالث، فينطلق من فكرة مسؤولية البنك كمحترف من خلال ضرورة التزامه بالعمل على تطوير منظومة إلكترونية توفر المعلومة الحينية مع احترام القانون المتعلق بالمعطيات الشخصية.

إنهاء المعاناة

وأوضح رئيس الجمعية التونسية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة عبدالرزاق حواص أن نحو 7200 تونسي يقبعون في السجون بسبب عدم خلاص الشيكات، بينما يقدر عدد الفارين من الأحكام بـ420 ألفاً من بينهم 10800 شخص هربوا إلى خارج التراب التونسي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأكد أن إلغاء عقوبة السجن للملاحقين في قضايا الشيكات عبر إلغاء أحكام المادة 411 من المجلة التجارية سينهي معاناة آلاف التونسيين من أبرزهم صغار ومتوسطو المستثمرين الذين يدفعون ثمناً غالياً بسبب نقص السيولة لديهم واستعمال الشيكات كوسيلة دفع مؤجلة، وأفاد عضو المكتب التنفيذي لمنظمة "كونكت" أصلان بن رجب بأن الوضع الاقتصادي في البلاد يشكو من إشكاليات سيولة ومن إشكاليات إقراض للمؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين، مضيفاً أن الصك البنكي أصبح وسيلة إقراض وليس وسيلة خلاص حينية ومشيراً إلى أن الاقتصار على الحديث عن الجانب الزجري من عدمه في ما يتعلق بالشيك من دون رصيد أمر غير صائب ويستوجب إلغاء العقوبة السالبة للحرية ومنح فرصة للمدين بأن يجد موارد أخرى لخلاص أصل الدين.

 وفي غضون ذلك، سأل عن مدى جاهزية البنية التحتية التقنية لتغيير الشيكات والتحقق مما إذا كان الصك الإلكتروني ممكن التطبيق وذلك قبل الحديث عن إلغاء الجانب الزجري، وأكد ضرورة إنصاف الدائن والمدين بصفة متساوية، مضيفاً أن هناك اليوم مغالطات عدة في الأرقام وداعياً وزارة العدل والبنك المركزي إلى إصدار الأرقام الرسمية والحقيقية الخاصة بتعاملات الصكوك البنكية في البلاد.

اقرأ المزيد