Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تصلح الشرائط المصورة للحديث عن إحباطات الفنان؟

"لاس مينيناس" لدييغو بيلاسكويث رواية مصورة إسبانية تغوص في روائع العصر الذهبي غارقة في التعبير عن آلام رسام الرسامين

 لوحة "لاس مينيناس" (1656 – 1658) (موقع الفنان)

"رسام الرسامين" في تاريخ الفن الإسباني هو بكل تأكيد دييغو بيلاسكويث (1599 – 1660) الذي يدين له معظم الفنانين الذين أتوا من بعده بقدر من أساليبهم وألوانهم وجرأتهم الفنية، هذا إذا لم نتحدث عن ديْن نزر كبير من الفن العالمي، شكلاً وموضوعاً وبالتحديد للوحته الأشهر "الوصيفات" (لاس مينيناس) التي حاكاها كثر وعلى رأسهم فنان القرن العشرين بيكاسو، غير أن أحوال بيلاسكويث وعلى رغم تلك المكانة التي قدّر أن يتمتع بها في حياته، لم تكن دائماً على ما يرام بخاصة أن هذا الفنان كان يكثر من طرح الأسئلة على نفسه تواقاً إلى التجديد الدائم لإرضاء مفاهيمه الفنية وضمان رضاه عن ذاته أكثر كثيراً مما للاستجابة لما يتوقعه منه مجايلوه لا سيما كبار القوم من بينهم وفي مقدمتهم الملوك والأثرياء والسلطات الكنسية. ومن هنا أتت موفقة وطريفة تلك الفكرة التي حققها قبل نحو عقد من السنين مؤرخ الفن وكاتب سيناريوهات ألبومات الشرائط المصورة الإسباني سانتياغو غارسيا المعروف في الجزيرة الإيبيرية كناقد فني أيضاً، حين تعاون مع رسام هذا النوع من الألبومات، خافيير أوليفاريس وأصدرا ألبوم شرائط مصورة ضخماً بعنوان "لاس مينيناس" يتناول كما يشي موضوعه، فصلاً من حياة وإبداع بيلاسكويث خلال حقبة كان فيها هذا الأخير يشتغل على لوحته تلك، ولقد كان رهان المؤلفين صائباً إلى درجة أن الألبوم سرعان ما ترجم يومها إلى عدد كبير من اللغات الأوروبية ومنها الفرنسية طبعاً، ومن المعروف عادة هوى الفرنسيين، من ناحية بفن بيلاسكويث نفسه، ومن ناحية أخرى بالشرائط المصورة، وهو هوى تعزز خلال السنوات الأخيرة بعد أن انفتح هذا الفن على مواضيع تتعلق بسيرة مبدعين كبار من القرن العشرين أو من غيره، ويلفتنا في هذا السياق ألبوم صدر بالفرنسية عن حياة وغناء سيدة الغناء العربي أم كلثوم، لكنه ليس موضوعنا هنا.

أسئلة الفنان الصعبة

موضوعنا هو، إذاً ألبوم بيلاسكويث ولوحته الأشهر، وهو عمل ينقلنا بكل أناقة وإبداع وعبر رسوم معظمها بالأبيض والأسود تبدو مع ذلك وكأنها غارقة في الألوان، إلى قلب ما يعد عادة "العصر الذهبي" لفن الرسم الإسباني، أي تحديداً إلى أواسط القرن السابع عشر حين كان الرسام الكبير وهو في قمة مجده ونضجه منكباً على إنجاز تلك اللوحة التي لم يكن واثقاً من أنها ستحقق من الشهرة والمكانة في تاريخه الشخصي وتاريخ الفن العالمي ما سوف تحققه بالفعل، كان بلاسكويث في ذلك الحين يعيش شكوكاً وضروب حيرة يقول لنا صاحبا الألبوم الذي نحن في صدده هنا إنها ترتبط بما يمكننا أن نعتبره أزمة منتصف العمر بالنسبة إلى فنان تضافرت لديه حياته الخاصة وذاتيته وتطوراته الفنية، بصورة ندر أن تضافرت لدى فنان. ففي ذلك الحين كان بيلاسكويث قد تجاوز الخمسين من عمره – هو الذي لن يعيش في نهاية الأمر أكثر من واحد وستين سنة، ما جعل تلك اللوحة واحدة من آخر أعماله الكبرى، لكنه بالطبع لم يكن يعرف ذلك، ولا حتى أن البلاط الملكي سوف يسبغ عليه لقب "فارس" لفنه، ولكن كذلك لأن تنقيبات رسمية جعلت منه متحدراً من صلب عائلة من النبلاء.

حداثة فنية مفاجئة

إذاً انطلاقاً من هذه الوقائع التاريخية تمكن الألبوم الذي نتحدث عنه، على مدى أكثر من 190 صفحة من الرسوم التي من الواضح أنها في بعدها الحداثي الذي يجمع بين زمننا وزمن بيلاسكويث في بوتقة مدهش، تمكنت من أن تسبر من خلال هذا الفن جوهر لعبة الإبداع نفسها، كلعبة تنبثق عادة في أبعادها الأكثر صدقاً وخطورة بالتالي، من الأسئلة التي يطرحها الفنان على نفسه لا من أية يقينات يمكنه الوصول إليها. ولعل ليس أدل على ذلك من العبارة المنسوبة إلى إحدى كتابات بيلاسكويث النادرة على أية حال، التي دونها في وقت كان يفكر فيه باللوحة التي نتحدث عنها وقال فيها "لقد رسمت حتى الآن كل شيء. كل شيء ما عدا تحفة كبرى لا يزال علي أن أرسمها. فما الذي سيكون عليه موضوع هذه اللوحة الباقية؟". الحقيقة أن ذلكم هو السؤال الذي كان يلح على خاطر بيلاسكويث، وما لوحة "لاس مينيناس" سوى الجواب الحاسم و... الأخير عن ذلك السؤال.

قلق إسباني أصيل
أو هذا، في الأقل ما يقترحه علينا الألبوم، ولعل من مزاياه، وهو ألبوم إسباني عن فنان إسباني، أنه يفيدنا في لحظات عديدة أن نوع القلق الذي كان يستبد برسام الباروك الإسباني الكبير هذا، كان في جوهره "قلقاً إسبانياً" لن يفوتنا أن نجده من بعده متمكناً من فنانين كبار يعد كل واحد منهم وريثاً له بشكل أو بآخر، من غويا إلى سلفادور دالي مروراً ببيكاسو. وإذ يصور الألبوم هذا الأمر سيبدو واضحاً أنه يحاول أن يجعل من نفسه سيرة للفنان، بل حتى سيرة لقلق الفنان وتأزمه، بأكثر كثيراً من كونه سيرة للحظة التي كان يبدع فيها لوحته الكبيرة الأخيرة تلك، ففي نهاية الأمر ما لدينا هنا في "لاس مينيناس"، ليس لوحة تنتمي إلى بلاط الملك فيليب الرابع وعائلته، بل لوحة تنتمي وكما يؤكد لنا حديث المفكر الفرنسي ميشال فوكو في مقدمة كتابه "الكلمات والأشياء" (وهو موضوع سبق أن تناولناه في زاوية سابقة هنا على هذه الصفحات بالذات على أية حال)، تنتمي إلى الفنان نفسه، فالموضوع الأساسي في "لاس مينيناس" ليس مشهد البلاط والعائلة المالكة، بل حضور الفنان نفسه ليس في المشهد فقط، بل في صدارة المشهد، بيلاسكويث يرسم هذه اللوحة هنا لكي يرسم نفسه وهو يرسمها، يرسم نظرته القلقة على رغم ما يظهر عليه من ثقة بنفسه من خلال تراجعه بعض الشيء كي يتأمل ما كان قد انتهى من رسمه، يرسم رسمه وحياته، يرسم فنه وجدوى فنه، أما الباقون جميعاً فليسوا ومهما علا مقامهم، سوى "موديلات" يستخدمها للوصول إلى غايته الإبداعية التي لا شك أنه كان يعتقد وهو ينفذ مشروعه أنها سوف تنطلي على سيد البلاط وبلاطه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كيف يصور الفنان زمنه الخاص؟

على أية حال سيفيدنا الألبوم بأنها انطلت فعلاً. ولو من خلال استخدام كاتب السيناريو ورسامه للوحة نفسها كنوع من الذريعة للانطلاق من تلك اللحظة المفصلية في مسيرة الفنان وعلاقته بفنه من ناحية والبلاط الملكي من ناحية ثانية، بل حتى اللحظة المفصلية من تاريخ الإبداع الإسباني نفسه (ولا ننسينّ هنا أن "دون كيشوت" كانت قد صدرت قبل زمن يسير وكان ذلك العصر عصر المسرح الإسباني الإنساني الكبير)، بمعنى الانطلاق من تلك اللحظة المزدوجة إلى تفاصيل حياة الفنان بحيث تصبح الحكاية كلها نوعاً من حكاية داخل الحكاية أو بشكل أكثر تحديداً "لوحة زمنية تصور حياة بيلاسكويث القلقة" داخل "لوحة مكانية" تعبر عن المشهد الذي ينقله الفنان ليجعله يعيش زمنه الخاص مرتبطاً إلى الأبد بالزمن التاريخي العام، ويقيناً أن لا بد لنا، انطلاقاً من هذه النظرة العميقة التي لا بد منها إلى ألبوم شرائط مصورة قد يبدو أول الأمر "مصنوعاً لقراء لا يحبون القراءة" كما قال الناقد إدموند ويلسون يوماً في مجرى تعليق مازح على فن الشرائط المصورة، لا بد لنا من التعامل مع هذا العمل (الألبوم) كنوع من الإبداع السجالي حول قضية كانت في الماضي القريب تعد عصية على أن تُبحث في هذا النوع من الإبداع، لكن هذا الألبوم يأتي تتويجاً لنظرة جديدة إلى فن الشرائط المصورة، وقد بات يستحق أكثر وأكثر نعت "الفن التاسع"، تجعله مكاناً لسجالات حول الفن كما حول عديد من المسائل الجدية الأخرى، تتحقق من خلاله نظرية "متعة القراءة" وقد باتت هنا متعة مزدوجة تجمع البعد البصري بالأبعاد المفهومية في لغة ما كان يمكن تصور الوصول إليها قبل عقود حين كانت الشرائط المصورة تعني حكايات الأطفال والروايات الغرائبية ناهيك بقصص الأبطال الخارقين.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة