ملخص
في الحروب والنزاعات، غالباً ما تخطئ التحليلات عن حقيقة قوة الأطراف فيها، فماذا عن غزو روسيا لأوكرانيا؟
كان الجيش الروسي سريعاً. كان سريعاً لدرجة أن المحللين اعتبروا أن الجيش الأوكراني لا يملك سوى فرصة ضئيلة لمقاومته في حرب تقليدية. ففي نهاية المطاف، أنفقت موسكو مليارات الدولارات لتحديث نظم قواتها المسلحة وترسانتها وإعادة تنظيم بنيتها وتطوير خطط هجومية جديدة، وأن الجيش الروسي أثبت كفاءة عالية لما أحرز انتصارات ساحقة في المعارك التي خاضها داخل دول صغيرة، كما أثناء غزوه لجورجيا وحملته الجوية على سوريا. إلى ذلك، اعتبر الخبراء أن أي هجوم روسي على أوكرانيا سيرهق الدفاعات الجوية الأوكرانية ويتحول إلى حملة برية واسعة سرعان ما تضرب طوقاً محكماً على كييف. كانوا يظنون أن روسيا ستحطم خطوط الإمداد الأوكرانية وتعزل معظم القوات في البلاد. وقد بدا واضحاً لهم أن أوكرانيا لا تمتلك القدرة على التصدي لعدوان من هذا القبيل، ووصل الأمر ببعض المحللين إلى القول بأن لا جدوى من تسليح كييف وتجهيزها لحرب عادية بين الدول. وبحسب ما صرح به روب لي، وهو زميل أقدم في معهد بحوث السياسة الخارجية، أمام البرلمان البريطاني في مطلع فبراير (شباط) 2022، لا يسع أوكرانيا أن تتغلب على روسيا حتى لو حصلت على أسلحة غربية "غاية في الفعالية"، اقتناعاً منه أنه "إذا ما دخلت في معركة تقليدية مع الجيش الروسي، فإن النصر لن يكون حليفها أبداً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولكن بعد مرور 18 شهراً على الغزو الروسي لأوكرانيا، أصبح جلياً أن هذه التوقعات كانت بعيدة كل البعد من الواقع. إذ حاربت أوكرانيا موسكو بعزم وذكاء، حتى أنها أوقفت زحف قواتها ودحرتها عن نصف الأراضي التي استولت عليها خلال العام ونصف العام الماضي. وعليه، يبدو الجيش الأوكراني اليوم أقوى بكثير مما ترقبه الجميع عملياً، والعكس صحيح بالنسبة إلى الجيش الروسي.
والحقيقة أن الحرب الروسية - الأوكرانية اتخذت ولا تزال تتخذ شكلاً مختلفاً تماماً عما تصوره الخبراء، فهي أقرب إلى كونها غزواً فوضوياً بطيئاً منها إلى صراع سريع الحركة بقيادة كتائب مركبات مدرعة ودعم طائرات مأهولة متطورة. وفي خضمها، لم يقم الروس بأي اختراقات مدرعة وسريعة. أما الأوكرانيون، فاكتفوا بتنفيذ اختراق واحد - وهو ما سمح لهم بتسجيل تقدم مفاجئ في مقاطعة خاركيف في سبتمبر (أيلول) الماضي. ونتيجة لذلك، يمكن القول إن معظم مكاسب هذه الحرب تحققت على نحو تدريجي وإن أحداث الصراع ترتكن بشكل أساسي إلى المدفعيات والطائرات المسيرة والخنادق الشبيهة بخنادق الحرب العالمية الأولى بدلاً من الطائرات المقاتلة والدبابات.
ودفعت انتصارات أوكرانيا وخسائر روسيا الخبراء إلى إعادة تقييم القوة العسكرية في العمق لكلا البلدين، لكن نظراً إلى النمط المفاجئ للنزاع، سيكون على المحللين العسكريين كذلك إعادة النظر في كيفية تحليلهم للحروب عموماً. وإن كان خبراء الدفاع لا يهتمون سوى لأمر الأسلحة المستخدمة والخطط المعتمدة، فحري بهم أن يعدلوا اهتماماتهم ويتعلموا من الغزو الأوكراني بأن القوة المسلحة تتعلق بهيكلية الجيش ومعنوياته وقاعدته الصناعية بقدر تعلقها بالتسلح والمخططات، وروسيا، إن سقطت، فذلك لأنها لم تقو على تشغيل نظمها بالشكل الصحيح، لا لأنها لا تمتلك أسلحة متطورة. باختصار، روسيا سقطت جراء لوجستياتها العسكرية – قل مجموعة العمليات التي تتيح للقوات المسلحة التزود بالموارد الضرورية لخوض معارك وشن هجمات – الضعيفة ومستويات التحفيز المنخفضة لدى قواتها.
فمثل هذه الدروس مهم جداً عند التفكير في مستقبل الحرب الروسية - الأوكرانية، أو حتى عند التفكير في صراعات أخرى، بما فيها الصراع الذي قد ينشب في أية لحظة بين الصين والولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وسبق لمحللين عسكريين كثر أن بحثوا في كل الاحتمالات الممكنة على هذا الصعيد بعد اطلاعهم على الأسلحة والاستراتيجيات التي تستخدمها الصين وتايوان والولايات المتحدة. لكنهم إذا ما استرشدوا بالأحداث القائمة حالياً في أوكرانيا، فسيجدون بأن المعركة على المحيطين الهندي والهادئ ستتمحور حول العديد والعتاد بقدر البنادق والخطط، ومعنى ذلك أن الحرب الأميركية - الصينية لو حدثت، لن تكون حاسمة أو سريعة، والأرجح أن تسفر عن أهوال كارثة عالمية تفوق بشاعتها الحرب الأوكرانية.
النظم والصدمات
لعل أحد الأسباب الرئيسة لاعتقاد الخبراء أن الغزو الروسي لأوكرانيا سيكون سريعاً هو اهتمامهم الزائد في ما يمكن أن يحدث عند تبادل الجيشين الروسي والأوكراني إطلاق النار في ساحة المعركة. وإذ فعلوا ذلك، انتهى بهم الأمر في صب تركيز كبير على الأسلحة التي يمتلكها كل طرف - مع العلم بتفوق روسيا بشكل واضح في هذا المجال. فبنظر الخبراء، كانت القوة النارية لموسكو أفضل من القوة النارية لكييف من حيث الكمية والنوعية، أقله إلى حين بدء الصراع. وكان لدى الجيش الروسي قدرات حربية إلكترونية رائدة عالمياً وطائرات حديثة ومركبات مدرعة متطورة: وكل سلاح من هذه الأسلحة أشد فعالية من أي سلاح يحوزه الأوكرانيون. وكما كتب المحللان العسكريان مايكل كوفمان وجيفري إدموندز في صحيفة "فورين أفيرز"، قبل أيام فقط من انطلاق الغزو الشامل، ستهاجم روسيا أوكرانيا بمئات القاذفات وأعداد هائلة من الصواريخ وسواها من النظم التي يمكن أن تمنح الجيش الروسي "قوة نيران ساحقة"، و"ستكون ]لروسيا أيضاً[ الأفضلية على امتداد كل محور من محاور الهجوم".
وبالفعل، أشار بعض المحللين إلى أن الجيش الروسي يوازي الجيش الأميركي حداثة وكفاءة. وبعد نجاح روسيا في سوريا وشرق أوكرانيا خلال السنوات التي أعقبت ضم هذه الأخيرة إلى شبه جزيرة القرم في 2014، سرى اعتقاد في أوساط المجتمع التحليلي بأن القوات الروسية قادرة على القيام بعمليات مشابهة لتلك التي نفذتها القوات الأميركية. وفي أكثر من مناسبة، وصفت الحكومة الأميركية الجيش الروسي بأنه منافس شرس ولدود لقواتها المسلحة.
لكن التقييمات الوردية افترضت أن موسكو صادقة بشأن جودة أسلحتها وكفاءتها في إدارة ما تمتلكه من نظم. فكانت الصدمة الكبرى بعد اندلاع الحرب، لما ظهرت نظم الأسلحة الروسية في أسوأ حالاتها، منها الذي يفتقر إلى الصيانة، ومنها الذي تجرد تحت وطأة الفساد. وتبعاً للمراقبين الأوكرانيين، من المحتمل أن تكون روسيا باعت الدروع التفاعلية اللازمة لحماية آلياتها العسكرية، مما سهل على الأوكرانيين مهمة تدمير دباباتها. والأكيد والأهم أن روسيا لم تخضع قواتها لما يكفي من التدريبات على حرب الدبابات.
الحرب الأميركية - الصينية لو حدثت، لن تكون حاسمة أو سريعة.
وما ارتكبته من أخطاء في جميع المجالات العسكرية تقريباً، ربما يعود لعدم قدرتها على تشغيل النظم المتطورة التي كبدتها أفدح الخسائر. ونذكر من بين هذه الأخطاء على سبيل المثال: سوء استخدام سلاح الجو. فالمعروف عن الطائرات الروسية أنها تقدم أداء فردياً لائقاً كان ليساعد، نظرياً، القوات البرية على التقدم ويحقق لموسكو السيطرة الجوية ويمكن القادة الروس من أن يحذوا حذو سلاح الجو الأميركي، كأن يبدأوا حملتهم باستهداف نظم الخصم المضادة للطائرات، أو يفرضوا سيطرتهم على أرض المعركة عن طريق تنفيذ مهمات طيران لتدمير وحدات العدو أو تعطيلها أو أقله مضايقتها.
والحق أن سلاح الجو الروسي عانى الأمرين للقيام بأي من هذه الأشياء، حتى أنه لم ينجح في تسيير طائراته كجزء من نظام معقد يعول على القدرات العسكرية المختلفة لتحديد مواقع النظم الأوكرانية المضادة للطائرات، ووضعها في مقدمة أولويات الهجمات. ونتيجة لذلك، لم يستطع الروس القضاء على دفاعات أوكرانيا، والأسوأ من ذلك أنهم لم يحسنوا حماية طائراتهم أو تشغيل نظم متداعمة. وغالباً ما كانوا يحلقون بطائراتهم بعيداً من الخطوط الأمامية وبمنأى عن صواريخ الدفاع الأوكرانية. وهذا ما سمح للقوات الأوكرانية خلف خطوط الجبهات من التجول بحرية على الطرق المفتوحة في وضح النهار، إلا في بعض الحالات النادرة.
وبناءً على ما سبق ذكره، من المنطقي أن يخطئ المحللون في رصد ثغرات السلاح الجوي الروسي وإخفاقات الجهاز العسكري الروسي الأخرى. فتقييم أداء الجيوش المسلحة لا يكون إلا عند التطبيق العملي في ساحات القتال، ومع ذلك كان لا بد لخبراء الدفاع أن يخرجوا بتوقعات أكثر واقعية. وصحيح أن مناقشة التكتيكات لا تهم الخبراء بقدر اللوجستيات كما يقول المحللون، إلا أن الوقت الذي أمضاه هؤلاء في توثيق حجم السلاح الجوي الروسي ومدرعاته ينفي أي حديث فعلي عما إذا بإمكان روسيا تزويد قواتها بالإمدادات والحفاظ عليها وتجديدها. تصوروا أن بعضاً من التقارير التي تناولت تفاصيل السيناريوهات المعقولة للغزو الروسي تجاهلت بشكل شبه كامل الشؤون اللوجستية. وعوضاً عن مناقشة إلى أي مدى وإلى أية درجة يمكن لموسكو الاستمرار في نقل الإمدادات لقواتها وحمايتها من النيران الأوكرانية، اكتفى الخبراء بدراسة ما يمكن أن تفعله النظم الروسية على الأرض.
القدرات الأوكرانية تحدت توقعات الخبراء.
وفوق هذا كله، لم يتكبد المحللون عناء تخصيص ما يكفي من الوقت للبحث في الطريقة التي سيجدد بها الطرفان المتنازعان الموارد التي سيفقدانها أثناء الحرب. وأثبتت الأيام والأحداث أن هذه المسألة تكتسي أهمية حيوية لاسيما إذا كانت الموارد المقصودة هي الذخائر والعتاد. فلما فاق استخدام روسيا وأوكرانيا للذخائر الأرقام المتوقعة في التقارير، وجدت نفسها مضطرة إلى استقدام الرصاص والقذائف والصواريخ من دول خارجية. وفي حين لجأت روسيا إلى إيران وكوريا الشمالية، اعتمدت أوكرانيا اعتماداً كلياً على دول حلف الناتو. وفي أبريل (نيسان) 2023 قامت الولايات المتحدة وحدها بشحن 1.5 مليون قذيفة عيار 155 ملم إلى أوكرانيا، مما دفع بواشنطن إلى تعزيز إنتاجها العسكري. ومن جهته تراجع مخزون الاتحاد الأوروبي من الذخائر، إذ أعلن في السابع من يوليو (تموز) خططاً لاستثمار ما يزيد على 500 مليون دولار في صناعة الأسلحة. ولكن في الوقت الراهن، لا يمكن لأي طرف خارجي إشباع شهية كييف أو موسكو.
ولا يقتصر النقص في الذخائر على النزاع الروسي – الأوكراني، ففي كل حرب كبرى تقريباً، يتجاوز الطلب على الرصاص والصواريخ والقذائف تقديرات ما قبل الحرب، وينخفض مخزون الدول المتناحرة من العتاد بعد أشهر قصيرة كحد أقصى، لنأخذ مثلاً الحرب العالمية الأولى فبعدما استهلكت النظم المدفعية كميات غير متوقعة من الذخائر، اصطدم المحاربون أواخر 1914 بأزمة قذائف حادة زادت من صعوبة اقتناصهم لأهداف داخل الخنادق. وعلى رغم هذه الواقعة التاريخية، لم يراع المحللون المخزونات والإنتاج في توقعاتهم بشأن الغزو الروسي وافترضوا أن موسكو ستحقق نصراً سريعاً بحيث لن تعود مستويات الذخائر ذات أهمية.
عدا عن ذلك، لم يأخذ المحللون العسكريون في الحسبان القوة الصناعية والتكنولوجية والاقتصادية الأوسع للطرفين المتحاربين، فغاب عن أذهانهم أن أوكرانيا كانت تقليدياً واحدة من أكبر الدول المنتجة للأسلحة في أوروبا، وأن القاعدة الاقتصادية والتكنولوجية لروسيا - على رغم مساحتها الجغرافية - لا تحاكي قواعد دولة عظمى، إشارة إلى أن اقتصاد روسيا أصغر بكثير من اقتصاد كندا. كما أن الحروب التقليدية لم تكن يوماً مجرد اختبارات للجيوش ولطالما أثرت عميقاً في اقتصاديات الدول، وكان حري بالخبراء الاعتراف في الأقل بضعف روسيا اقتصادياً وإدخاله في حساباتهم.
العنصر البشري
بين الغزو الروسي لأوكرانيا بوضوح أن الدول بحاجة إلى لوجستيات جيدة واقتصادات قوية إذا ما أرادت أن توقع بأعدائها الكبار شر هزائم. أما إذا أرادت أن تكسب حرباً كبرى، فهذان العاملان لا يكفيانها. ولا بد من أن تدعمهما بجنود ذوي دوافع عالية ومدربين تدريباً جيداً، على غرار ما فعل الأوكرانيون الذين أثبتوا مراراً وتكراراً أنهم أكثر تصميماً ومهارة من خصومهم الروس.
وأسوة بكل عنصر من عناصر الحرب، تحدت قدرات كييف بدورها توقعات الخبراء. وعلى رغم أن أوكرانيا هي الدولة التي تتعرض للغزو، اعتقد عدد لا يستهان به من المحللين أن الشعب الأوكراني سينقسم والمقاومة الأوكرانية ستخترق منذ البداية، وحجتهم في ذلك أن أوكرانيين كثراً يؤيدون روسيا سواء لأنهم تلقوا تعليمهم باللغة الروسية أم لأنهم ينحدرون من عائلات عرقية روسية أم لأنهم يرتبطون على المستوى الشخصي بأفراد من روسيا، أم توليفة ما من هذه الأسباب. وعليه، قد يجد الأوكرانيون، بحسب بعض الخبراء، صعوبات جمة في إثارة تمرد ضد موسكو. والمعلوم أن إثارة التمردات أسهل بكثير من الفوز في حرب بين الدول. لكن في مقالة نشرتها مجلة "ذا ويك" (The Week) في فبراير (شباط) 2022، حاول ليل غولدشتاين، وهو أستاذ في الكلية الحربية البحرية الأميركية، إثبات العكس بقوله إن "الثقافتين الروسية والأوكرانية متشابهتان إلى حد ما"، وبالتالي لن يكون من السهل على أي تمرد أوكراني أن ينجح. وفيما أبدى المراقبون شكوكهم في مقدرة الأوكرانيين شرق البلاد على القتال بضراوة - خصوصاً بعدما صدمهم الجيش الروسي ودفعهم إلى الاستسلام، جادل عدد قليل من المحللين بأن الجيش الروسي يفتقر إلى المعنويات اللازمة لتنفيذ غزو واسع النطاق، مع العلم أنهم نادراً ما حققوا في دوافع الجندي الروسي العادي.
وقد يكون من الصعب تحديد مدى مساهمة حنكة أوكرانيا وروحها المعنوية العالية - وخيبة الأمل الروسية - في رسم معالم ساحة المعركة. لكن الواضح وضوح الشمس أن هذه العوامل صنعت الفارق. فالأوكرانيون المتحمسون تعلموا في ظرف وجيز استخدام مروحة واسعة من المعدات الجديدة المتوافقة مع معايير حلف الناتو ووضعوها في صميم عتادهم العسكري، مع أن خبرتهم في مثل هذه الأسلحة قليلة أو حتى معدومة. وبفضل عزمهم القوي الذي لا ينضب، أولاهم الجيش ثقته ولم يتوان لحظة واحدة عن دعمهم وزيادة قدراتهم. أما موسكو على الجانب الآخر، فبدت متمسكة بأسلوب صارم وديكتاتوري للسيطرة العسكرية. وانعكست صرامتها هذه سلباً على وحداتها التي لم تكن مرنة بالقدر المطلوب وطواقمها التي افتقدت للطاقة وروح المبادرة.
والمعنويات العالية لا تكفي لضمان ظفر أوكرانيا في الحرب كما أن المعنويات المنخفضة لا تكفي لخسارة روسيا، فالأسلحة والأدوات القتالية لها حيز مهم، والدليل على ذلك أنه عندما حاول الأوكرانيون العازمون اختراق الدفاعات الروسية في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، لم تقو دباباتهم وآلياتهم الأخرى على الصمود في وجه مجموعة من النظم الروسية، بين ألغام ودفاعات جوية محمولة ومدفعية وطائرات من دون طيار. وكانت النتيجة أن أوقف الأوكرانيون هذه الهجمات المباشرة بقيادة المركبات بعد أسابيع فقط من المحاولة.
ولكن لا يخفى على أحد أن كفاءة أوكرانيا العالية وتفانيها المشهود يقفان خلف تقويض القوة القتالية لروسيا. وتتبلور هاتان القيمتان في توصل القوات المسلحة الأوكرانية إلى طريقة ناجعة تخولها الاعتماد على الطائرات المسيرة والمدفعية ونظم الصواريخ لضرب المنشآت العسكرية الروسية. وبموجب هذه الطريقة وفي كل مرة تبغي فيها أوكرانيا تحديد هدف، يكون على قياداتها أن ترسل طائرات استطلاع من دون طيار أو تنفذ هجوماً برياً يحث نظم المدفعية الروسية على العمل ويفضح مواقعها. وبعد ذلك، يقرر المحللون الأوكرانيون ما إذا كان الهجوم على القاعدة الروسية المكتشفة مجدياً وأي النظم سيكون نافعاً لإسقاطها. يذكر أن هذه العملية عويصة حتى في ظل أفضل الظروف، يكفي أنها تنفذ تحت نيران كثيفة. وعلى رغم تعقيداتها وعقباتها، استطاع الأوكرانيون بفضلها تدمير عدد لا يحصى من قاذفات المدفعية ومستودعات الذخيرة ومواقع القيادة التابعة لروسيا وعبدوا الطريق أمام إحراز تقدم في وقت لاحق من هذا الصيف. وغني عن البيان أن تدريب الأوكرانيين وتفانيهم وكفاءتهم هي من العوامل التي تعطي كييف الأفضلية.
التحقق من الوقائع
لقد كانت الحرب على كييف تجربة تعليمية ناجحة بالنسبة إلى الجيش الأوكراني، وكذلك بالنسبة إلى الجيش الروسي، ولو بدرجة أقل. فالأول تعلم منها تشغيل نظام أسلحة جديد، والثاني نهل منها أفضل السبل لتعزيز مواقعه. لكن الأمل كل الأمل الآن في أن تكون الحرب على كييف تجربة تعليمية مجزية أيضاً بالنسبة إلى محللي الدفاع، فيفهموا منها أن متغيرات الصراع المختلفة هي التي تحدد ما إذا كانت النظم العسكرية المعقدة تعمل على نحو صحيح، وأن احتمالات الفشل عالية جداً في الحروب، وأن الدول بحاجة إلى أكثر من أسلحة جيدة حتى تكون لها فرصة إنجاح غزواتها، وأن يفكروا مرتين قبل أن يتوقعوا حرباً سريعة أو تفوقاً لدولة على أخرى.
ويكاد هذا الدرس أن ينطبق على كل الصراعات على اختلاف أشكالها، ولكنه يحظى حاضراً باهتمام خاص مع ترقب المحللين اندلاع حرب بين الصين والولايات المتحدة بشأن تايوان – أكثر الصراعات العالمية المرتقبة إثارة للقلق. وقد يبدو للوهلة الأولى أن حرباً في منطقة الهادئ بين القوتين العظميين ستنتهي سريعاً، إما باستيلاء صيني ناجح على تايوان أو بعملية صد مدمرة. لكن متى نظرنا إلى أي مدى ستكون العمليات معقدة وأخذنا المتغيرات البشرية في الاعتبار، تعزز اقتناعنا بأن أي غزو صيني محتمل لتايوان سيكون طويل الأمد وسيكون عبارة عن محاولة غير مسبوقة لشن حملة جوية وبحرية ضخمة وإنزال برمائي تاريخي - وهذا النوع من الإنزالات هو من دون منازع المناورة العسكرية الأصعب في أية حرب. وسيستهدف هذا الهجوم شعباً لا يختلف عن الشعب الأوكراني لناحية رغبته في إنقاذ بلاده من براثن العدو وستكون له بالمرصاد بعض أكثر النظم الدفاعية تطوراً في العالم. ولأن الوضع سيكون بالغ القساوة في ظل هجوم مماثل، قد يرتأي الصينيون استبداله بحصار جوي وبحري موسع للجزيرة.
وفي الحالتين، سواء كان حصاراً أم غزواً صريحاً، ستمتد جبهات القتال على مساحات شاسعة من المحيط الهادئ، وستلقي التحديات اللوجستية بثقلها على الأطراف كافة سواسية. وستكون الحرب شاقة على واشنطن بقدر ما ستكون على بكين، لماذا؟ لأنه سيكون عليها أن تبذل الغالي والنفيس في سبيل تأمين الحماية التامة لبعض خطوط الإمداد الأطول في العالم التي تحاذي كامل المحيط الهادئ، ولأنه سيكون على قواتها أن يتمركزوا ويعملوا بالقرب من البر الرئيس الصيني، معرضين أنفسهم لخطر الهجمات، ولأنها ستكون في مواجهة عدو لا يقهر ويمتلك ما يكفي من الموارد الصناعية والتكنولوجية لمواصلة القتال لسنوات وسنوات.
إذاً، لا يمكن للحرب الأميركية - الصينية أن تكون سريعة أو مباشرة بأي شكل من الأشكال. والأكيد أن معركة هنا ومعركة هناك، أو أمراً من دولة تحوز أقوى الأسلحة وأفخمها، لن يحسم الحرب، بل ما سيحسمها هو قدرة كل طرف من الأطراف المتنازعة على تشغيل نظم عسكرية معقدة وحشد عناصر متحفزين ومدربين تدريباً جيداً - لأطول فترة ممكنة. وبالتالي، فإن على كل دولة تفكر في تنفيذ عمل عسكري في المنطقة أن تستوعب هذه الحقائق وتقيمها وتفكر ملياً قبل إعطاء الأمر بتوجيه ضربة أو شن هجوم.
فيليبس أوبراين هو رئيس قسم الدراسات الاستراتيجية ورئيس كلية العلاقات الدولية في "جامعة سانت أندروز".
مترجم من "فورين أفيرز"، يوليو 2023