الرسام كمال بلاطة ابن القدس... رحل في منفاه الألماني

شغلته قضية الهوية فنا وبحثا... وأرخ ذاكرة التشكيل الفلسطيني

الرسام والباحث الفلسطيني كمال بلاطة (يوتيوب)

كان الرسام والباحث الفلسطيني كمال بلاّطة يحلم بالعودة إلى القدس مدينته الأم ومسقط رأس أسرته، ليقضي سنواته الأخيرة في الأحياء القديمة، لكن الحلم خانه فمات عن 77 سنة في برلين، في المنفى الذي سرقه باكراً بعدما أحكمت إسرائيل قبضتها على الأراضي المحتلة. اللمسة الأولى التي تميز بلاطة هي جمعه بين الإبداع التشكيلي الذي جعله في مصاف كبار الرسامين الفلسطينيين والعرب وبين النقد والتأريخ الفني والبحث الجمالي، وكان في هذا الحقل من خيرة الباحثين في تاريخ الفن الفلسطيني والعربي والإسلامي وسعى إلى ترسيخ الذاكرة التشكيلية الفلسطينية في كتب وموسوعات تعد من أبرز المراجع العلمية والتاريخية.

انتهى منذ فترة قصيرة من إنجاز كتابين كبيرين بالإنجليزية يضمّان مختارات من كتاباته في النقد التشكيلي والفن العربي والإسلامي، وكان يشتغل على سلسلة فنية جديدة باستعمال تقنية الرقش. قبل شهر بالتمام زار بلّاطة بيروت بدعوة من "دار النمر للفن والثقافة"، وألقى محاضرة بعنوان "سَفر بين الشفافيّات" تناول فيها قضيتي الهوية الفلسطينية والمنفى، وهما القضيتان اللتان ساهمتا في تشكيل أعماله الفنية. وقدم خلال المحاضرة عمله المطبوع حريرياً وعنوانه "قصيدة"، وأنتجه مركز "الشبكة"، وهو مركز بحثي فلسطيني عالمي. يستمد هذا العمل عنوانه من محاكاة مكوّناته الهندسية للبناء الإيقاعي للقصيدة العربية.

وفي مختصر سيرته أنه نشأ وترعرع في الحي المسيحي في القدس القديمة، الذي أصبح، بعد احتلال إسرائيل للقدس الغربية عام 1948، تحت الحكم الأردني. وفي غياب مدرسة لتعليم الفنون في القدس، عمل بنفسه على صقل موهبته في الرسم، تزامناً مع دراسته الابتدائية والثانوية. لكنه راح يتعلم فن رسم الأيقونات في محترف خليل الحلبي (1889-1964)، القائم في الحي الذي يقيمون فيه، لكن شغفه الحقيقي كان رسم صور من واقع الحياة ومشاهد من الشارع في مسقط رأسه.

ومع تطور تجربته التشكيلية في مطلع شبابه، سعى هواة الفنون من السلك الديبلوماسي في الأردن للحصول على لوحاته المائية التي كان يرسمها مباشرةً أمامهم. ووفر له مبيع لوحاته في المعارض الجماعية التي أقيمت في القدس وعمان، فرصة للسفر إلى إيطاليا فأمضى فيها أربع سنوات في دراسة الفنون. وهو يقول: "لم أكتشف هذه الأشياء في طفولتي بل عندما أبعدت جغرافياً عن بلدي. عندما كنت في القدس، لم يكن في إمكاني القول إنني أهتّم بفن الأيقونة أو بالفن الإسلامي لأنني خلال حياتي هناك كنت أنظر إلى الغرب، وخلال حياتي في الغرب كنت أنظر إلى الشرق. لكن هذا النوع من التصرّف متوسطّي جداً. حوض البحر الأبيض المتوسّط يشكّل مكان لقاء ما بين الثقافات والحضارات المختلفة، وأنا لا يمكنني أن أتحرّر ولا يمكنني أن أعبّر عن نفسي من دون أن أرى هذا اللقاء، هذا التقاطع بين الشرق والغرب، بين الخط الأفقي والخط العمودي. من ناحية عملية، لا علاقة لي بالتراثين البيزنطي والإسلامي، لكنني آخذ اللبّ الموجود فيه مثل الطائر الذي يرى سمكة في البحر فيهجم على البحر ويلتقط السمكة ويترك البحر كما هو. آخذ من هذا البحر ما يطعمني". ويضيف "ليس في إمكاني أن أعيش من دون هذه العلاقة. أستعين بالأشياء الجوهرية والأساسية التي بُني عليها تراث مئات السنين، أعود إليها، أنفض الغبار عنها، وأنظر إليها بطريقة جديدة".

حروفية وهندسة

تخرج بلاّطة في أكاديمية الفنون الجميلة في روما بعد أن درس فيها أربعة أعوام (1961-1965)، وفي معهد متحف كوركوران للفنون في واشنطن التي أمضى ثلاثة أعوام دراسية (1968-1971). كان بلاطة يرسم الصور التمثيلية والتشخيصية التي كانت محاطة دائماً بكلام. وفي أواخر السبعينات راح يجعل من الكلام نفسه شكلاً هندسياً فاتخذ قاعدة الخط الكوفي المبنية على المربّع نقطة انطلاق لرسمه. ومن بعد هذه المرحلة التي دامت حوالى عشر سنوات- حتى أواخر الثمانينيات- بدأ يركّز على العلاقات الهندسية من دون الحروف، وعاد إلى أصغر وحدة في هذا النوع من التشكيل إلى أن تطوّر موضوع المربّع وتداخل المربّعات بعضها ببعض داخل إطار اللوحة المربّع.

في العام 1974 ترك واشنطن وانتقل إلى بيروت، بعدما عُيِّن لفترة قصيرة مديراً فنياً في "دار الفتى العربي"، المبادرة الريادية التي أطلقها مركز التخطيط الفلسطيني في بيروت. وفي بيروت كان عضواً في هيئة تحرير مجلة "مواقف" التي كان يصدرها أدونيس. عاش في المغرب (1993-1996)، وفرنسا (1997-2012). ومنذ انتخب في معهد الدراسات المتقدمة في برلين في 2012-2013، عاش مع زوجته اللبنانية في العاصمة الألمانية. وعمل على كتاب يضم رسوماً لأطفال فلسطين إبان انتفاضة عام 1987 بعنوان "شهادة الأوفياء، أطفال فلسطين يعيدون خلق عالمهم" (1990)، إضافة إلى رسمه نحو 200 ملصق سياسي بالعربية وبالإنجليزية لصالح "الثورة الفلسطينية". لكن تأريخه للفن الفلسطيني ودراساته عن تأثير الكلمة والخط العربي في فن العمارة الإسلامية، يبقى الأبرز في تجربته. وخلال إقامته في مدينة الرباط لأربع سنوات، درس العمارة الأندلسية، التي ذكّرته خطوطها بتلك الموجودة في قبة الصخرة. وفي عام 2001، حاز منحة من مؤسسة فورد الأميركية لإنجاز بحث ميداني حول الرسم في فلسطين بعد الحقبة البيزنطية.

في متاحف عالمية
أما أعماله الفنية فهي محفوظة في مجموعات خاصة وعامة، منها: المتحف البريطاني في لندن؛ المتحف الإسلامي في قصر الحمراء في غرناطة؛ معهد العالم العربي في باريس؛ مكتبة نيويورك العامة في نيويورك؛ مكتبة لوي نوتاري في موناكو؛ متحف زيمرلي للفنون في نيو برونسويك في نيو جرسي؛ المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة في عمان.
كتب الناقد المغربي عبد الكبير الخطيبي، في مقدمته لـ "كتالوغ" معرض "سرّة الأرض"، الذي أقامه بلاّطة في دارة الفنون (عمّان، عام 1998): "خلف شغفه بعلم الهندسة يكمن تقليد رسم الأيقونات الذي طبع بداياته في التدريب الفني، وقد حافظ هذا التقليد على استمرارية بارزة بين الحقبة البيزنطية والحضارة العربية- الإسلامية. لكن بلاّطة لا يكتفي باستكشاف هذا التقليد المزدوج، بل ينقله إلى إطار جديد بصفته فناناً ومتملكاً علم الجمال".
وكتب خوسيه ميغيل بويرتا فيلتشيز، وهو أستاذ إسباني في مادّة علم الجمال لدى العرب في جامعة غرناطة، في مقدمته لـ "كتالوغ" معرض "بلقيس"، الذي أقامه بلاّطة في غاليري ميم (دبي، عام 2014): "أُنجِزت هذه الأعمال التي تحظى بالتقدير الدولي عبر اختيار مجموعة من الأمثال والأقوال المأثورة العربية المأخوذة من الكتب المقدسة والمصادر الصوفية... تمزج تركيبة النماذج الهندسية بين الشفهي والبصري في فن عربي خالص، حديث بطريقة ممتعة." وكتب الناقد الفني البريطاني جان فيشر، في مقدمته لـ "كتالوغ" معرض "... وكان هناك ضوء"، الذي أقامه بلاّطة في غاليري برلوني (لندن، عام 2015): "يعكس نتاج بلاطة الكامل من الناحية الجمالية، سواءً البصري أو النصّي، مسار حياته الذي كرّسه ليقاوم، عن طريق وسائل متقنة غير عنفية إنما راسخة العزيمة، القوى التي تسعى إلى إطفاء الروح الفلسطينية وقدرتها على الفرح".
 
ألّف بلاّطة كتباً عدة عن الفن الفلسطيني بالعربية والإنجليزية، منها: "استحضار المكان: دراسات في الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر"، (تونس، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم 2000)، وهو خلاصة عمل ميداني قام به بلاطة لمدة تتجاوز ثلاثة عقود وظف فيها ما امتلك من موهبة وتجربة ومعرفة دقيقة بشؤون الفن وبواقع الأوضاع الثقافية والحياتية والسياسية والنضالية الفلسطينية، وهدفه إنتاج عمل إبداعي في مجالي النص والصورة وتقديم وثيقة حية تشكل شهادة صادقة عن بدايات النهضة الثقافية والفنية العربية في فلسطين، وانهيارها المأسوي نتيجة العدوان الصهيوني والاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي. ويتضمن هذا الكتاب ما يزيد على ثلاثمئة صورة لأعمال فنية لأكثر من مئة فنان فلسطيني، ويتناول بالتحليل النقدي الثاقب والمتأني الإبداعات الفنية لزهاء خمسين فناناً، كاشفاً التوجهات الفنية والمذاهب التشكيلية التي حددت ملامح الفن التشكيلي الفلسطيني في هذا العصر.

المزيد من ثقافة