Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الاندماج النووي حبل خلاص الكرة الأرضية من الاختناق

البحث عن طاقة بديلة نظيفة ومأمونة ورخيصة رهين صراع الرغبات والمصالح بين العلماء والحكومات وقوى النفوذ المالي

بعد ستة عقود من الأبحاث أعلنت وزارة الطاقة في الولايات المتحدة الأميركية عن نجاحها في توليد طاقة من الاندماج النووي (أ ب)

ملخص

البحث عن طاقة بديلة نظيفة ومأمونة ورخيصة رهين صراع الرغبات والمصالح بين العلماء والحكومات وقوى النفوذ المالي

هل بات مستقبل كوكب الأرض مرتبطاً بالانتقال من عالم الوقود الأحفوري، ذاك الذي تسبب في إلحاق كثير من الأضرار بعالمنا المعاصر، ويهدد بانفجار الكوكب بمن عليه، إلى زمن الطاقة النظيفة التي تخدم الإنسانية، من غير أن تختصم من عمرها الافتراضي وعمر الكوكب الأزرق معاً؟

يبدو أن هذا هو التساؤل الذي بات يشغل أذهان العلماء في السنوات الأخيرة، وبخاصة في ظل احتمالات بنسبة 50 في المئة لأن تتجاوز درجات الحرارة العالمية مستويات ما قبل العصر الصناعي بمقدار 1.5 درجة مئوية خلال السنوات الخمس المقبلة.

ولأنه لا تبدو هناك إرادة سياسية حقيقية تسعى في سياق استنقاذ الأرض من جراء التنافس الصناعي، والسباق الرأسمالي الذي لا يقيم وزناً للأوضاع الإيكولوجية الدولية، بات البحث عن وسائل طاقة أكثر نظافة، وربما أقل كلفة، طاقة خالية من مسببات غازات الدفيئة يمكنها أن تساعد عالمنا، على تحسين ظروف حياة الأجيال القادمة، ومن غير أن نترك لهم الأرض خراباً يباباً ينعق فيها البوم، من جراء السادية البشرية التي تنظر لـ"أمنا الأرض" بمنظار الاستهلاك البشع، ومن غير تقدير لردود فعل الكوكب الأزرق ككائن حي يستشعر الألم والمهانة، وعلى غير المصدق أن ينظر إلى ما يجري في غابات الأمازون في أميركا اللاتينية، تلك الرقعة الخضراء المعروفة بـ"رئة الأرض"، والتي تكاد تتبخر من جور الإنسان عليها.

هل تأتي طاقة الاندماج النووي لتستبق كثيراً من أنواع الطاقة النظيفة، والتي لا تتعرض للفناء، كالنفط والغاز؟

ولماذا ينظر لهذه الطاقة على أنها فتح جديد في سماوات البشرية باعتبارها مصدراً غير محدود للطاقة وخالياً من غاز ثاني أكسيد الكربون، لا سيما أنها تعمل بالطريقة نفسها التي تعمل بها الشمس؟

بدا حديث الطاقة المولدة عن طريق الاندماج النووي أخيراً مثيراً للقراءة والبحث، ما بين آراء تذهب في طريق اعتباره الحل السحري لبشريتنا المعذبة من جراء هجمات المناخ، ومن يقطع بصعوبة تحويل الأمر إلى حقيقة قائمة بالفعل؟

في هذه القراءة نحاول البحث عن الحقيقة، التي يصفها دائماً المثل اللاتيني بأنها توجد في موقع متوسط بين تطرفين.

ما الاندماج النووي أول الأمر؟

بحسب التعريف العلمي المبسط غير المغرق في التعقيدات هو تفاعل يتم فيه دمج نواتين أو أكثر لتشكيل نواة ذرية مختلفة وجسيمات دون ذرية (نيوترونات أو بروتونات)، إضافة إلى الانشطار النووي تعد هذه هي أحد أهم أنواع التفاعلات النووية، وعادة ما تكون الطاقة الناتجة من الاندماج النووي أكبر من الطاقة التي تنتج بواسطة الانشطار النووي.

لكن من أين يمكن للإنسانية الحصول على الكميات اللازمة من الهيدروجين لإحداث تلك التفاعلات وحدوث عملية الاندماج النووي؟

المؤكد أن المحيطات تحتوي بشكل طبيعي على كميات كافية من الهيدروجين والهيدروجين الثقيل اللازمة للتفاعل، فإذا أفلح الإنسان في ترويض تلك الطاقة، لاستطاع إيجاد موارد لتغذية كوكب الأرض بالطاقة لمدة آلاف السنين، مع الأخذ في الاعتبار أن المواد المنبعثة من الاندماج، وخصوصاً الهيليوم 4 ليست مواد مشعة تؤذي الحياة.

هل كانت الطبيعة هي الملهم الأول للإنسان في سعيه إلى البحث عن عملية الاندماج النووي؟

ذلك كذلك قولاً وفعلاً، إذ إن أهم عملية اندماج نووي في الطبيعة هي التي تحدث في النجوم.

من هنا استطاع العلماء في أواخر القرن العشرين التوصل إلى أن الطاقة الناتجة من التفاعلات الاندماجية النووية في الشمس والنجوم الأخرى هي المسؤولة عن عمرها الطويل كمصدر للحرارة والضوء واندماج الأنوية (جمع نواة) في النجم.

أخيراً وبعد مجهودات علمية فائقة الأهمية، وربما الخطورة، على مستوى العالم، لتحقيق الاندماج النووي، وبعد ستة عقود من الأبحاث المضنية، أعلنت وزارة الطاقة في الولايات المتحدة الأميركية عن نجاحها في توليد هذا النوع الجديد من الطاقة... ماذا عن هذه القصة الكفيلة بأن تغير شكل الكون بمن فيه؟

الإنسان يتعلم من الشمس أولاً

قبل 500 عام كان ثمة اعتقاد سائد في حضارة الأزتك، التي ازدهرت في الموقع الذي توجد فيه المكسيك اليوم، بأن الوقود الذي يغذي الشمس وجميع القوى المنبعثة منها هو دماء القرابين البشرية، أما اليوم فنحن نعلم أن الشمس وسائر النجوم تستمد طاقتها من تفاعل يعرف باسم الاندماج النووي، وفي حال أمكن استنساخ هذا الاندماج النووي على الأرض يمكن أن يؤدي ذلك إلى توفير طاقة لا حدود لها تقريباً من الناحية العملية، وتتسم بكونها نظيفة ومأمونة وميسورة الكلفة لتلبية الطلب العالمي على الطاقة.

ولكي يقع الاندماج في قلب الشمس التي تشرق على كوكبنا، يتطلب الأمر تصادم النويات بعضها ببعض في درجات حرارة عالية جداً تتجاوز 10 ملايين درجة مئوية تمكنها من التغلب على التنافر الكهربائي في ما بينها، فإذا تغلبت النويات على هذا التنافر وصارت المسافات بينها قريبة للغاية تبلغ قوة التجاذب النووي بينها مستوى يفوق التنافر الكهربائي بما يتيح لها أن تندمج معاً. ولكي يحصل ذلك يجب احتواء النويات داخل حيز صغير لزيادة فرص التصادم. وتتحقق الظروف اللازمة لعملية الاندماج في قلب الشمس بسبب مستوى الضغط البالغ الارتفاع الذي ينتج من جاذبية الشمس.

والثابت أنه منذ أن توصل العلم إلى فهم الاندماج النووي في ثلاثينيات القرن الماضي انخرط العلماء في مساع لاستنساخه وتسخير الطاقة الناتجة منه. في بداية الأمر جرت هذه المحاولات في كنف السرية، بيد أن سرعان ما اتضح أن هذه البحوث المعقدة والمكلفة لا يمكن إجراؤها إلا من خلال التعاون الدولي العلمي المكثف، وقد كانت الانطلاقة الحقيقية لبحوث الاندماج النووي عام 1958 في جنيف بسويسرا.

علماء أميركيون يصنعون تاريخاً جديداً

في منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي أعلن مختبر لورانس ليفرمور الوطني التابع لوزارة الطاقة الأميركية نجاح فريق من العلماء في تحقيق "اختراق علمي كبير"، وذلك عبر تمكنهم من توليد طاقة عبر الاندماج النووي، أكبر من الطاقة المستخدمة في أجهزة الليزر لبدء التفاعل، ووصفوا الإنجاز بأنه "انفراجة ستغير مستقبل الطاقة النظيفة للأبد".

تقول شبكة "سي أن أن" إن الاختراق الجديد يمكن أن يقود في نهاية المطاف إلى إنتاج الكهرباء التي تضيء حياة الحضارة المعاصرة.

لماذا يميل الأميركيون إلى هذا النوع من أنواع الطاقة؟

ربما المقاربة بين الطاقة النووية التي تنتج من المفاعلات النووية الحالية وتلك التي يمكن أن يتحصل عليها من الاندماج النووي توضح لنا السبب.

تنتج المفاعلات النووية حالياً الطاقة عن طريق الانشطار النووي، وعلى رغم أن انبعاثاتها تبلغ صفراً، فإنها تنتج نفايات سامة، في حين أن الطاقة الناتجة من الاندماج لا تؤدي إلى هذه النتيجة، عطفاً على أن المواد المستخدمة فيه عمرها نصف عمر المواد المستخدمة في الانشطار.

إضافة إلى ذلك يقول كبير العلماء في إدارة الكربون والمسؤول السابق في مختبر ليفرمور جوليو فريدمان إنه بخلاف الفحم فأنت تحتاج فقط إلى كمية صغيرة من الهيدروجين، وهي أكثر الأشياء وفرة في الكون، إضافة إلى أن الهيدروجين موجود في الماء، لذا فإن المادة التي تؤدي إلى توليد الطاقة غير محدودة إلى حد كبير وهي نظيفة إلى أبعد حد.

وبحسب الإعلان الرسمي الذي تم في مؤتمر عقدته وزارة الطاقة الأميركية يوم 13 ديسمبر (كانون الأول) الماضي فقد تمكن الباحثون من توجيه 192 شعاع ليزر ناحية عينة من الديوتيريوم محصورة داخل كبسولة بحجم حبة عنب أو أقل قليلاً، لتسخينها كي تصل إلى عشرات الملايين من الدرجات المئوية، ويبدأ الاندماج النووي الحديث.

هذا النوع من التجارب تم إجراؤه على مدى عقود، لكن هذه كانت المرة الأولى التي يحافظ فيها التفاعل على ثباته، والأهم من ذلك أنه أنتج قدراً من الطاقة (3 ميغا غول) أكبر من الطاقة الداخلة إلى التفاعل (2 ميغا غول)، لأول مرة في تاريخ هذا النوع من التجارب.

يطلق الاندماج النووي ما يقرب من أربعة ملايين ضعف الطاقة الناتجة من التفاعلات الكيماوية، مما يعد فتحاً جديداً في عصر الطاقة، ولفهم أهمية هذا الإنجاز فإنه لو قررنا وضع كمية من الوقود الذي يشعل الاندماج النووي بشاحنة صغيرة فإنها ستولد ما يقدر بـ10 ملايين برميل من النفط.

هنا تلزم الإشارة كذلك إلى أنه من بين المزايا الكبرى لتفاعلات الاندماج النووي أنها لا تسمح بوقوع حوادث تسرب نووية مثلما حدث في حالة مفاعل "فوكوشيما" في اليابان عام 2011، أو حالة تشيرنوبل في الاتحاد السوفياتي السابق عام 1986.

أما الأهم والأكثر إلحاحاً في حاضرات أيامنا فموصول بكون التفاعلات الاندماجية لا تنفث ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، الأمر الذي يتسبب في احترار الكوكب، ذلك أن المنتج الثانوي الرئيس للاندماج هو الهيليوم، وهو غاز خامل وغير سام.

عن الاندماج النووي وتغير مناخ الأرض

ولعل السؤال الرئيس في هذه القراءة: هل يمكن للاندماج النووي والطاقة المتولدة عنه أن تكون الطريق المؤكد لاستنقاذ الكرة الأرضية من وهدة التغيرات الإيكولوجية، وتدهور أوضاع الطبيعة المحيطة بنا بشكل سريع يدعو إلى القلق على مصير البشر والحجر دفعة واحدة؟

للجواب ينبغي الرجوع إلى ملامح ومعالم اتفاقية باريس للمناخ 2015، تلك التي انسحبت منها الولايات المتحدة الأميركية في زمن الرئيس دونالد ترمب، ثم عادت إليها من جديد مع رئاسة جو بايدن.

في هذه الاتفاقية وافقت جميع الأطراف الإطارية على إعداد مساهمات محددة وطنياً للتحكم في انبعاثات غازات الدفيئة والحد من زيادة المتوسط العالمي لدرجة حرارة سطح الأرض بحلول نهاية القرن إلى ما دون درجتين مئويتين مقارنة بمستويات ما قبل العصر الصناعي.

منذ ذلك الحين بدأ التساؤل المثير للعلماء: كيف يمكن حدوث ذلك من دون انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة من توليد الكهرباء إلى ما يقرب من الصفر في موعد غايته منتصف هذا القرن؟

التساؤل المتقدم بدا متقاطعاً مع الحاجة إلى مزيد من الكهرباء، وتوسع نطاقها في جميع أنحاء العالم، كما أن إحصاءات زيادة سكان العالم بحلول نهاية القرن الحالي تفيد بأن الحاجة إلى مزيد من الكهرباء ستكون صاروخية.

في هذا الصدد تطفو على السطح بدائل الطاقة النووية، وبخاصة أنها تنتج كميات قليلة من الكربون.

بحلول عام 2018 كانت الطاقة النووية فوق الكرة الأرضية تمثل قرابة الـ10 في المئة من حاجات العالم من الكهرباء، غير أنه من الواضح جداً أن الرقم ضعيف للغاية، والفارق واسع لسد عوز البشرية طاقوياً.

في هذا السياق نشرت مجلة "نيويوركر" الأميركية تقريراً علمياً عما يمكن لطاقة الاندماج النووي تحقيقه في العقود القادمة، وكيف أن هذا النوع من أنواع الطاقة النظيفة تحديداً قادر على أن يسد الفجوة الواسعة حال قررت الدول والمجتمعات الاستغناء عن غالبية إن لم يكن كل الطاقة الأحفورية المستخدمة حالياً على خطورتها.

تقول "نيويوركر"، "للمرء أن يتخيل تأمين الطاقة اللازمة لمنزله لمدة عام من خلال وقود هو عبارة عن كوب واحد فقط من الماء".

للقارئ أن يقارن بين كميات النفط التي يحتاج إليها منزل في شنغهاي أو لوس أنجليس وربما في طوكيو، والتأثيرات القاتلة التي تنجم منها، وبخاصة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وكوب ماء صغير يولد طاقة جبارة لا تترك تأثيراً قاتلاً أو ضاراً على مستخدميه.

وللمرء أيضاً أن يطلق العنان لمخيلته، ويتساءل: كيف يمكن أن يتغير وجه الأرض برمتها، حال استعاضت مصانع بكين وطوكيو أو معامل لوس ألاموس عن النفط واستبدلت به طاقة الاندماج النووي؟

هذا كله قابل للتحقيق بعد أن نجح العلماء في تسخين المادة لتصبح أكثر حرارة من مراكز الشمس، بحيث تذوب الذرات في سحابة من البلازما.

هنا يبدو جلياً كيف تدفع أزمة التغيرات المناخية المتسارعة العاملين على تقنية الاندماج النووي إلى التوتر، وتسريع معدلات اكتشافاتهم، لا سيما أن تقنيات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على رغم زيادة كفاءتها فإنها لا تزال غير كافية، كما أن مصادر الطاقة الأحفورية والنووية التقليدية مليئة بالعيوب.

من هنا يتبدى للجميع السبب الرئيس وراء الزخم الكبير الذي تلقاه تجارب الاندماج النووي، على سبيل المثال من المتوقع انتهاء العمل بإنشاء مركز الاندماج النووي "إيتير" الدولي في جنوب فرنسا في عام 2026، والعهدة هنا على مجلة "ساينتفيك أميركان".

فيما يبدي عالم فيزياء البلازما الذي يعمل في مشروع الاندماج النووي بوب مومغارد كثيراً من الندم عبر قوله "لا أصدق أننا أضعنا كثيراً من الوقت في النقاش حول الجدوى من الاندماج... إنه أمر كان ينبغي أن يحدث في الأمس".

غير أن التساؤل الأكثر إثارة لدى البعض الآخر من العلماء والباحثين في المنطقة التي تشتبك فيها العلاقة بين المناخ والطاقة النووية: هل استخدام الطاقة النووية سواء في شكلها التقليدي أو عبر الاندماج النووي أمر كفيل بمواجهة أزمة التغيرات المناخية؟

عن الانبعاثات الصفرية والطاقة النووية

حفل عدد مجلة "فورين أفيرز" الأميركية الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) 2021 بحوار رفيع المستوى بين نخبة من العلماء والمفكرين، الذين يذهب بعضهم في طريق القطع بأن الطاقة النووية، وحكماً الاندماج النووي يأتي في مقدمتها، كفيل بإنقاذ الكرة الأرضية من أزمة التغيرات المناخية، ومن يرفضون الاعتقاد أن هذا النوع من أنواع الطاقة يكفل حلاً معجزاً للتغيرات التي شهدتها الكرة الأرضية في الأعوام الخمسين الأخيرة بنوع خاص.

من بين الأصوات الرافضة إعجاز الطاقة النووية بأشكالها وأنواعها يأتي صوت البروفيسور أليسون ماكفارلين الأستاذة في كلية السياسات العامة للشؤون العالمية، في جامعة كولومبيا الأميركية، وقد عملت سابقاً رئيسة لـ"اللجنة التنظيمية النووية الأميركية".

ترى ماكفارلين أن "الطاقة النووية لن تكون الحل المنشود في مواجهة تغير المناخ"، وتبدي تخوفات بنوع خاص من التصاميم الجديدة للمنشآت والمفاعلات النووية، عطفاً على أزمة الكلفة الباهظة الخاصة بأبحاثها على المدى الزمني البعيد.

تشير ماكفارلين كذلك إلى أن ولايات أميركية عدة، عطفاً على حكومات بلدان أخرى، عمدت إلى تحرير أسواق الكهرباء لديها من القيود الحكومية، وفي تلك الأماكن كانت المحطات النووية الجديدة محكوماً عليها بالفشل، لأن الكلفة الرأسمالية للمحطات الجديدة يجب أن يتحملها القطاع الخاص، لا دافعو الضرائب، ومن هنا يبدو واضحاً أن الطاقة النووية الجديدة، ومنها الاندماجية من دون أدنى شك لن تكون ممكنة إلا حينما يجد دافعو الضرائب أن الكلفة معقولة.

على أن ماكفارلين تجد أصواتاً ترد عليها، منها المدير التنفيذي في مؤسسة "كلين أير تاسك فورس" أزموند كوهين وعنده أن الطاقة النووية تحوز مزايا عديدة منها أنها تشغل حيزاً مادياً صغيراً، فالمفاعلات تستخدم أقل من واحد في المئة من المساحة التي تتطلبها طاقة الرياح والطاقة الشمسية عند قياسها لكل وحدة من الطاقة المنتجة.

يعتبر ذلك أمراً بالغ الأهمية في عالم مكتظ بشكل متزايد ويجري فيه تنافس على الأراضي، وفي هذا الإطار يمكن أن تكون المفاعلات النوية وسيلة فعالة للغاية في إنتاج وقود خال من الكربون كالهيدروجين الذي سيكون ضرورياً في إمداد الطاقة إلى الصناعات الثقيلة والشحن الثقيل والشحن البحري التي يصعب تشغيلها على الكهرباء فحسب.

إضافة إلى ذلك تعترف ماكفارلين بأن "الابتكارات في تصميم المفاعلات والوقود النووي لا تزال تستحق بحثاً كبيراً ودعماً حكومياً".

في هذا السياق يبدو أنها تقر ضمنياً بما يدركه معظم المحللين وإدارة بايدن، ويتمثل في أن التحدي المناخي أكبر من أن يسلك طريقاً واحداً للنجاح.

من الأصوات التي ترى أهمية فائقة للطاقة النووية لا سيما الاندماجية منها صوت المؤسس والمدير التنفيذي لمعهد "بريكثرو" البروفيسور تيد نور هاوس، والذي يرى أن التحدي المناخي أكبر من أن يسلك طريقاً واحداً في النجاح.

وعند هاوس أنه طالما المفاعلات النووية المتقدمة بعيدة عن التسويق التجاري على نطاق واسع، مما يمنعها من المساهمة بشكل كبير في تحقيق أهداف الانبعاثات التي تصر ماكفارلين على وجوب تحققها، فسينطبق الأمر نفسه على ابتكارات كالهيدروجين الأخضر وأنواع الوقود ذات المحتوى الكربوني المنخفض، وإزالة الكربون بشكل مكثف من الغلاف الجوي في الواقع، وهنا لا يمكن لسيناريوهات ونماذج تخفيف آثار تغير المناخ المتماشية مع تلك الأهداف أن تقل بشكل كبير من دون افتراض وجود هذه التقنيات بمعظمها أو جميعها، ولا تعتبر أي تقنية من بينها صالحة تجارياً على أي مستوى اليوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هل من يعوق عمليات الاندماج النووي؟

عبر موقع الحركة الماركسية العالمية تكتب لوتا أنجلتتير في أواخر شهر مارس (آذار) الماضي، "إن جشع الرأسماليين للربح السريع يعوق تطوير الطاقة النظيفة غير المحدودة".

هل يعني ذلك أن هناك من يحاول خنق أبحاث الاندماج النووي؟

هذا ما تؤكده الباحثة ذات الاتجاهات اليسارية، والتي تقطع بأنه في ظل الرأسمالية لا يتم الاستثمار في الأبحاث على أساس الحاجة، بل على أساس ما إذا كان الرأسماليون سيحققون الأرباح.

وتميط اللثام عن أن الرأسماليين قد أوقفوا هم وحكوماتهم تمويل أبحاث الطاقة الاندماجية لأنه لا معنى لها من الناحية التجارية، ذلك أن بناء واختبار المفاعلات يكلف المليارات، لكن إذا بدأت تلك التكنولوجيا في العمل فسوف تؤدي إلى إنتاج طاقة رخيصة وبوفرة، مما سيقلص أرباح قطاع صناعة الطاقة بأكمله، وكما قال الرئيس السابق لهيئة الطاقة الذرية في المملكة المتحدة في الثمانينيات السير والتر مارشال "سيأتي وقت سنحصل فيه على قدر من الطاقة من مفاعل الاندماج النووي مساو للقدر الذي نبذله فيه، ثم سيأتي وقت نصير فيه قادرين على الحصول على طاقة أكثر مما نبذله في المفاعل، ومع ذلك فإنه لن يأتي أبداً الوقت الذي سنحصل فيه على قدر من الأموال مساو لذلك الذي أنفقناه".

هل ستفضل البشرية الربح السريع على رغم التهديدات الإيكولوجية لكوكب الأرض، أم تسارع بتعزيز أبحاث الطاقة النووية الاندماجية كمكافئ موضوعي للنيران التي سرقها برومثيوس من موكب الآلهة؟

المزيد من تحقيقات ومطولات