Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بريغوجين يقود ثالث انقلاب في تاريخ روسيا الحديث

هل سينعكس تمرد "فاغنر" على مسار الحكم المستمر منذ 1999؟

قائد "فاغنر" يفغيني بريغوجين مع مجموعة من عناصره (رويترز)

ملخص

بعد تمرد "فاغنر" ذكّر بوتين بما عاشته روسيا عام 1917، حيث طعنت في ظهرها فيما كانت تخوض الحرب العالمية الأولى مؤكداً أن بلاده لن تسمح بتكرار ذلك

24 ساعة كانت كافية لتبدل مزاج يفغيني بريغوجين قائد مجموعة "فاغنر" من إعلانه، مساء الجمعة 23 يونيو (حزيران)، أن شر "القيادة العسكرية الروسية يجب أن يتوقف"، وأن مقاتلي "فاغنر" سيقودون "مسيرة من أجل العدالة" ضد الجيش الروسي ويستعدون للذهاب "إلى أبعد مدى" في معارضتهم للجيش، إلى رسالة صوتية نهار السبت 24 يونيو، بعد أن كانت قوات "فاغنر" قد وصلت إلى بعد 200 كيلومتر من العاصمة موسكو، قال فيها "كتائبنا تستدير ونغادر في الاتجاه المعاكس للمعسكرات الميدانية وفقاً للخطة"، إدراكاً منه لـ "المسؤولية الكاملة" و"حقناً للدماء الروسية التي ستراق على أحد الجانبين". تلك الـ24 ساعة كانت كفيلة أيضاً بتغيير موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فبعد استيلاء "فاغنر" على مقر القيادة الجنوبية للجيش الروسي في روستوف صرح قائلاً "إن الخونة سيتحملون المسؤولية أمام الدولة، والأجهزة الأمنية تلقت أوامر صارمة بمكافحة الإرهاب، وإعادة الوضع إلى طبيعته"، واصفاً ما حدث بـ"خيانة وطعنة في الظهر"، وأن من نظموا التمرد المسلح وصوبوا سلاحهم على رفاقهم في القتال خانوا روسيا، ولن يفلتوا من العقاب، إلى إعلان الكرملين أنه سيسقط الدعوى الجنائية ضد بريغوجين الذي سيغادر إلى بيلاروس بناءً على اتفاق توصل إليه الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو بالتنسيق مع نظيره الروسي.

وبين الموقفين حبس العالم أجمع أنفاسه من أن تسيطر المجموعة شبه العسكرية على الدولة الروسية، التي تمتلك 5977 رأساً نووياً حربياً، وفقاً لتقديرات اتحاد العلماء الأميركيين لعام 2022، وأثار تقدم "فاغنر" السريع باتجاه موسكو قلقاً دولياً كبيراً وصل إلى حد الاستنفار السري لعدد من الدول الكبرى خشية حصول ما ليس بالحسبان، وفقاً للإعلام.

بريغوجين شعر بانحياز بوتين لوزارة الدفاع

تناقلت وسائل الإعلام والصحافة العالمية والعربية في تلك الساعات المعدودة تصريحات وتحليلات وسيناريوهات عما جرى بين الرجلين، بوتين وبريغوجين. خلال الأشهر القليلة الماضية ظهرت خلافات إلى العلن بين وزير الدفاع سيرغي شويغو ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال فاليري غيراسيموف من جهة، وبين بريغوجين من جهة ثانية، حول عديد من الأمور كإمداد قوات الأخير بالسلاح والعتاد وتأمين التغطية النارية اللازمة له، وغيرها من الأمور العملياتية واللوجيستية التي أدت، بحسب زعمه، إلى تكبد قواته خسائر فادحة في الأرواح والمعدات. 

وتمثل قوات بريغوجين أو "طباخ بوتين"، رأس الحربة في الهجوم الروسي على أوكرانيا، أو "العملية العسكرية الخاصة"، كما تصفها موسكو. ويشن الرجل منذ أشهر طويلة انتقادات لاذعة لقيادات الجيش الروسي، وصلت إلى حد وصفهم بأنهم "حثالة"، ومتهماً وزير الدفاع وأكبر جنرال عسكري في البلاد بالخيانة، عبر رسائل صوتية تحمل عبارات نابية نشرها عبر مواقعه في وسائل التواصل الاجتماعي. وقالت وثيقة سرية صادرة عن الاستخبارات الأميركية سربت عبر الإنترنت في أبريل (نيسان) الماضي، أن حدة النزاع قد تفاقمت إلى درجة أنها وصلت إلى بوتين بصفة شخصية، داعياً بريغوجين وشويغو إلى اجتماع يعتقد أنه عقد في 22 فبراير (شباط) الماضي، وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز".

مسرحية

جاء في الوثيقة المسربة أنه "من شبه المؤكد أن الاجتماع كان يتعلق، بصفة جزئية في الأقل، باتهامات بريغوجين العلنية وما نتج منها من توتر مع شويغو"، وذلك باستخدام كلمات بديلة (استنساخ) لاسم الوزير. ومن وجهة نظر بعض المراقبين أن التفسير الأكثر شيوعاً لصبر بوتين على انفعالات وإهانات "طباخه" لجنرالاته هو أن الرئيس الروسي يستخدم "فاغنر" وزعيمها "كقوة موازية" لقيادات الجيش كي لا يفكر أي منهم في الانقلاب. وتعتبر وجهة نظر أخرى أن بريغوجين شعر أخيراً بأن بوتين ينحاز لدعم وزارة الدفاع، وذلك بعد إعلان الأخيرة بداية شهر يونيو، أن شويغو أمر جميع "وحدات المتطوعين" بتوقيع عقود مع وزارته بحلول نهاية الشهر، وهي خطوة قالت إنها ستزيد من فاعلية الجيش الروسي. وعلى رغم أن الوزارة لم تذكر "فاغنر" في بيانها، فإن وسائل إعلام روسية ذكرت أن تلك محاولة من شويغو لإخضاع المقاتلين لسيطرته. ومع اقتراب الموعد النهائي لإخضاع "فاغنر" الأول من يوليو (تموز)، أدرك بريغوجين أن الوقت قد حان للتحرك. وبين وجهات النظر العديدة الأكيد أن هناك قطبة مخفية، وقد تتضح معالم شبه الانقلاب أو التمرد الذي حصل، أو سيبقى الغموض مسيطراً، علماً أن عديداً من المحللين وصف الأمر بـ"المسرحية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"بوتين خرج ضعيفاً"

وفي مقالين منفصلين لصحيفتي "لو باريزيان" و"ليبراسيون" الفرنسيتين، اعتبرتا أنه إذا كان الرئيس الروسي قد تجنب الأسوأ من خلال تجنبه المعارك بين الأشقاء بالأسلحة الثقيلة في قلب موسكو، فإنه خرج من أخطر تحدٍّ واجه حكمه حتى الآن ضعيفاً بشكل لا يصدق، ومع ذلك فإن بداية انقلاب مجموعة "فاغنر" تكفي لإضعاف الدفاع الروسي في وقت كانت فيه كييف في خضم هجوم مضاد لاستعادة أراضيها. ووصفت "ليبراسيون" هذا اليوم بالمجنون، وأن محاولة انقلاب لها ما بعدها من التأثير في حكم بوتين القائم منذ عام 1999، وعلى الحرب في أوكرانيا. وتساءلت: هل كان الأمر خداعاً أم ضغطاً أم جنوناً أم مجرد انقلاب؟ مستنتجة أنه مهما كانت طبيعة ذلك فإنه أغرق روسيا في الحيرة، بل حتى عدم الاستقرار. وناقشت "لو باريزيان" دوافع بريغوجين إلى شن هذا الانقلاب، مشيرة إلى وجود صراع على السلطة والنفوذ كان ينتظر شرارة لإشعاله، ولعل تلك الشرارة هي ما عانته قواته، التي جند معظم أعضائها من السجون مقابل العفو، خلال معركة باخموت "المظفرة"، من تقصير في حقها من قبل وزارة الدفاع التي اتهمها الرجل صراحة بالفساد وعدم إرسال المعدات والذخيرة الكافية له، وبأنها تسببت في تأخير تقدم قواته بسبب أمور البيروقراطية. واعتبرت أن هذا التمرد أخطر تحدٍّ لحكم بوتين الطويل وأخطر أزمة أمنية في روسيا منذ وصوله إلى السلطة.

الانقلاب الثالث 

في مستهل مقال للكاتب ديفيد إغناتيوس نشر بصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، يقول "نظر الرئيس الروسي يوم السبت إلى الهاوية وأغمض عينيه، بعد أن تعهد الانتقام مما سماه تمرداً مسلحاً، ثم وافق على حل وسط". ويضيف أن بوتين ربما يكون قد أنقذ نظامه يوم السبت، لكن "هذا اليوم سيذكر كجزء من تفكك روسيا بصفتها قوة عظمى، وسيكون الإرث الحقيقي لبوتين". ورجح أن يكون اتفاق بوتين مع بريغوجين بمنزلة هدنة مؤقتة في أحسن الأحوال، واصفاً ما حدث بأنه كان انقلاباً حقيقياً، وبأن بوتين وبريغوجين اختارا أن يلعبا "لعبة الدجاج"، حيث يتعاركان بلا هدف محدد ويتوقفان فجأة من دون سبب واضح، لافتاً إلى أن المجانين وحدهم هم من يقفزون إلى الهاوية في مثل هذه المواقف، والرجلان ليسا بمجنونين. في خطابه بعد حصول التمرد ذكر بوتين بما عاشته روسيا عام 1917، حيث طعنت في ظهرها فيما كانت تخوض الحرب العالمية الأولى، لسرقة النصر منها. وأكد أن روسيا لن تسمح بتكرار ذلك، وستحمي شعبها ودولتها من أي تهديد، وأي خيانة داخلية. فما الذي عاشته روسيا منذ ذلك التاريخ؟ 

شهدت روسيا محطات مفصلية، ومنذ العقد الأول من القرن العشرين، ابتداءُ بالثورة البلشفية عام 1917، مروراً بانهيار الاتحاد السوفياتي، ثم الحرب على أوكرانيا، وصولاً إلى "تمرد بريغوجين". ترتبط صورة روسيا بالقوة العسكرية، والمساحة الجغرافية الشاسعة، والتي سيطرت من بعد الحرب العالمية الثانية على غالبية أوروبا الشرقية ووسط آسيا. وامتد نفوذ الاتحاد السوفياتي ليشمل الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، إضافة إلى أفريقيا، في ما كان يسمى المعسكر الشرقي. ويطلق مصطلح الثورة الروسية عن سلسلة من الاضطرابات الشعبية حدثت في روسيا فبراير (شباط) عام 1917، والتي كان لها الدور الأبرز في تغيير مجرى التاريخ، وفي تشكيل صورة روسيا الحديثة. وقامت بها الجماهير الروسية الجائعة، منهيةً بذلك الحكم القيصري، بعد إعدام الأسرة الروسية الإمبراطورية رومانوف، آخر القياصرة نيقولا الثاني، وزوجته ألكسندرا وأولادهم الخمسة، ومقيمة مكانه حكومة موقتة، أفضت إلى إنشاء الاتحاد السوفياتي.

ومن ثم اندلعت الثورة الثانية "البلشفية" في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، بقيادة حزب العمل الاشتراكي بقيادة فلاديمير لينين، أزال على أثرها البلاشفة الحكومة الموقتة واستبدلوا بها حكومة اشتراكية، في أول ثورة شيوعية، وتشكل ما يعرف بروسيا الاتحادية الاشتراكية. تلا ذلك الفصل الأخير من الثورة، وهو الحرب الأهلية الروسية، ما بين الأعوام 1917 و1922، لتنتهي بتشكل الاتحاد السوفياتي. واعتبر الاتحاد السوفياتي، وبعد أن توسعت مساحته بعيد الحرب العالمية الثانية، أكبر بلد في العالم، وأحد قطبي العالم سياسياً. 

استمر الاتحاد السوفياتي حتى عام 1991، إذ قاد شيوعيون محافظون معارضون لإصلاح الاتحاد السوفياتي انقلاباً في شهر أغسطس (آب) 1991، ضد رئيسه ميخائيل غورباتشوف، مطلق مصطلح "البيريسترويكا" (الإصلاح) و"الغلاسنوست" (الانفتاح)، والذي كان يمضي إجازة بشبه جزيرة القرم، لكن محاولتهم أحبطت بفضل المقاومة التي قادها رئيس روسيا الاتحادية بوريس يلتسين، ووجهت تلك المحاولة الضربة القاضية لـ70 عاماً من الشيوعية، وحسمت مصير الاتحاد السوفياتي. وكان تفكك الاتحاد السوفياتي إشارة إلى انتهاء الوجود القانوني لدولة اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية. وقد حدث ذلك التفكك في 26 ديسمبر (أيلول) 1991، عقب اعتراف مجلس السوفيات الأعلى باستقلال الجمهوريات السوفياتية السابقة، وإنشاء رابطة الدول المستقلة لتحل محل الاتحاد. قبل يوم من ذلك الإعلان وفي 25 ديسمبر (كانون الأول) 1991 قام الرئيس الأخير للاتحاد السوفياتي والحاكم الثامن له منذ إنشائه، ميخائيل غورباتشوف بإعلان استقالته في خطاب وجهه إلى الشعب عبر التلفزيون الرسمي للاتحاد. 

وأشار في الخطاب إلى أن مكتب رئيس اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية قد ألغي. وأعلن تسليم جميع سلطاته الدستورية، بما فيها السلطة على الأسلحة النووية الروسية، إلى الرئيس الروسي بوريس يلتسين. واتسم جزء كبير من عصر يلتسين بانتشار الفساد، وعانت روسيا التضخم والانهيار الاقتصادي ومشكلات سياسية واجتماعية هائلة نتيجة استمرار انخفاض أسعار النفط والسلع الأساسية خلال التسعينيات، وهو ما أثر في روسيا والدول الأخرى بالاتحاد السوفياتي السابق. وفي غضون سنوات قليلة من رئاسته، بدأ عديد من مؤيديه بانتقاد قيادته، وندد نائب الرئيس ألكسندر روتسكوي بالإصلاحات، واصفاً إياها بأنها "إبادة اقتصادية". وصلت المواجهات المستمرة مع مجلس السوفيات الأعلى ذروتها في الأزمة الدستورية الروسية 1993، إذ أمر يلتسين بحل البرلمان السوفياتي الأعلى من دون أي أساس شرعي لقراره، ونتيجة لذلك حاول البرلمان عزله من منصبه. 

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 1993، أوقفت القوات الموالية ليلتسين انتفاضة مسلحة خارج مبنى البرلمان، مما أدى إلى وقوع عدد من القتلى، ثم ألغى يلتسين الدستور الروسي القائم، وحظر المعارضة السياسية، وعمق جهوده لتحويل الاقتصاد. أعلن يلتسين استقالته في 31 ديسمبر 1999 في ظل ضغوط داخلية هائلة، وترك الرئاسة لخليفته المختار، وهو رئيس الوزراء آنذاك فلاديمير بوتين. 

شغل بوتين منصب رئيس روسيا أربع فترات بداية من 2000 إلى 2004، ومن 2004 إلى 2008، ومن 2012 إلى 2018، ومن 2018 إلى الوقت الحالي. ويعد صانع روسيا الجديدة، حيث استعادت في عهده قوتها ودورها على الساحة الدولية مع اقتصاد قادر على المنافسة.

المزيد من تقارير